تطويرات عقارية تهدد التراث المعماري في لبنان

دق المسمار الأخير في نعش مباني بيروت القديمة

بيروت القديمة تموت موتًا بطيئًا. في العاصمة اللبنانية نجا التراث المعماري من الكثير: من حربين عالميتين ومن حرب أهلية استمرت خمسة عشر عامًا وحرب عام 2006، ومن مئات من السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية وأعمال عنف لا حصر لها. ولكنْ ثمة تهديد آخر لتراث بيروت المعماري وهو: التطوير العقاري، مثلما يطلع الصحفي شنكيز وارزي موقع قنطرة.

في العقود الثلاثة الماضية كانت هناك العديد من المبادرات والاقتراحات لإنقاذ المباني المهدَّدة - ولكن من دون جدوى. إذ إنَّ جَشَعَ أباطرة العقارات لم يكن له تأثيرات مأساوية فقط على المنطقة الشرقية التاريخية في مدينة بيروت، بل كان له تأثير أيضًا على المباني الموروثة من حقبة الازدهار العالمية العائد تاريخها إلى بداية القرن العشرين.

في عام 1996 قامت وزارة الثقافة اللبنانية بتكليف جمعية حماية المواقع الطبيعية والمباني القديمة APSAD بإجراء مسح بهدف حصر المباني ذات القيمة التاريخية في العاصمة. وعلى الرغم من أنَّ جمعية حماية المواقع الطبيعية والمباني القديمة قد أعلنت عن وجود ألف وواحد وخمسين مبنًى مهدَّدًا وبحاجة إلى الحماية، ولكن مباني بيروت القديمة تختفي مع ذلك بشكل تدريجي.

وفي عام 1997 حذفت الحكومة أكثر من نصف تلك المباني من القائمة. وبعد ذلك بعام لم يعد يوجد على القائمة سوى مائتين وتسعة مبانٍ. واليوم يعتبر نشطاء المجتمع المدني الشجعان هم الوحيدين الذين يعترضون على الأعمال التدميرية التي يقوم بها مطوِّرو العقارات والأضرار غير القابلة للإصلاح التي تطال التراث العمراني. ومن أجل حماية جمال بيروت المهدَّد بالموت، يقومون بتسليط الضوء على الجواهر المخفية في هذه المدينة.

تدمير ممنهج

مثَّل مركز مدينة بيروت نقطة انطلاق الدمار بعد الحرب الأهلية. لقد كان وسط المدينة في الحرب الأهلية اللبنانية مسرحًا لمعارك عنيفة. ونتيجة لذلك فقد أصيب جزء كبير من الأسواق القديمة وساحة الشهداء المجاورة بأضرار شديدة أو تم تدميرها. بيد أنَّ شركة سوليدير (الشركة اللبنانية لتطوير وإعادة إعمار وسط بيروت) هي فقط التي دقَّت المسمار الأخير في نعش وسط بيروت.

وسوليدير هي شركة للتطوير العقاري تم تأسيسها من قبل رفيق الحريري، أوَّل رئيس وزراء لبناني بعد الحرب. لقد هدمت شركة رفيق الحريري وسط بيروت وأقامت مكانه بنايات فاخرة من دون روح. "هذه المنطقة ملك لشركة سوليدير وجميع الإجراءات هناك تتم بحسب إملاءات هذه الشركة"، مثلما يقول مازن حيدر، وهو مهندس لبناني ومدير مساعد في كلية الهندسة المعمارية في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة ALBA.

Bulldozing an old house in Beirut's Karakol El Druz district (photo: Changiz M. Varzi)
جهود من أجل الحفاظ على التراث المعماري: تم تأسيس جمعية التجمُّع للحفاظ على التراث اللبناني في عام 2010 كمجموعة على موقع فيسبوك، بهدف لفت الانتباه إلى الخراب الذي يمتد إلى تراث بيروت المعماري. هذه المجموعة نظمت العديد من الاعتصامات من أجل حماية المباني المهدَّدة بالهدم، ولكنها سرعان ما وسَّعت نشاطاتها لتشمل الاطلاع على المعلومات والوثائق حول التراث المعماري والثقافي في لبنان.

وبحسب مازن حيدر فقد كانت ساحة الشهداء في وسط بيروت ترمز لهوية لبنان الهجينة: "هذه الساحة لم تكن ذات طابع متجانس. بل لقد كانت تعكس الهوية اللبنانية. حيث كانت تحيطها مبانٍ تعود إلى القرن التاسع عشر، وإلى حقبة الفرنسيين والحداثة. ومع قرار شركة سوليدير القاضي بهدم ساحة الشهداء، اختفى تاريخ لبنان ما قبل الحرب"، مثلما يقول مازن حيدر.

واليوم لم يعد هناك وجود لأية ذكرى من بيروت القديمة في وسط المدينة. ولكن بعيدًا عن وسط المدينة لا تزال توجد بقايا من التراث المعماري - غير أنَّها مبعثرة في جميع أنحاء العاصمة. فإنقاذ وإعادة إحياء البيت الأحمر الذي يبلغ عمره ثلاثمائة عام ويعود بناؤه إلى القرن التاسع عشر، وتحويل مبنى بركات الذي أقيم في بداية عشرينيات القرن الماضي إلى متحف، وكذلك ترميم قصر حنيني، هي أمثلة من حملات ناجحة لحماية مباني المدينة التي كانت في السابق عظيمة.

يشكِّل الخلل السياسي في لبنان أكبر عقبة في طريق الوصول إلى نتائج ملموسة. فمنذ شهر أيَّار/مايو 2014 لا يوجد رئيس في لبنان. كما أنَّ آخر انتخابات برلمانية قد تم إجراؤها في عام 2009. زد على ذلك أنَّ الحكومة لا تزال غير قادرة حتى على أن تحلّ أزمة النفايات في بيروت.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.