جدل تراجع فيلسوف ألماني عن قبول جائزة الشيخ زايد للكتاب

انتصار هابرماس لخطابه الفلسفي

رغم قبول الفيلسوف الألماني يورغِن هابرماس بدايةً بجائزة الشيخ زايد للكتاب الإماراتية عاد ورفضها في النهاية. أستاذ الدراسات الإسلامية الألماني راينهارد شولتسه يرى أن رفض هابرماس ليس استعلاء غربيا بل إنه انطلق في تقييمه للجائزة من ضرورة خلق فضاءات ثقافية مطالبة بحقوق الإنسان معتمدا في موقفه على قوة الكلمة.

أثار رفض هذه الجائزة الممنوحة من دولة الإمارات العربية المتَّحدة جدلًا حقيقيًا، بات يتم ربطه حتى بالنقاش حول "ثقافة الإلغاء".

يرى البعض أنَّ هذا الرفض خطأ بحجَّة أنَّه: لا يُقدِّر سياسة الإصلاح الإماراتية، ولأنَّه يدَّعي خلوَّه من المعايير المزدوجة، التي تُميِّز التعاون السياسي، ولأنَّ حتى إصلاحات الحكَّام السلطويين يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي، ولأنَّ العرب لهم الحقّ تمامًا مثل الغرب في أعمال يورغِن هابرماس، ولأنَّ الجوائز هدفها دائمًا تمجيد ذات الشخص المتبرِّع بها، ولأنَّ هناك أيضًا شخصيات مشهورة أخرى حصلت على جوائز من دول الخليج، ولأنَّ الحوار أكثر أهمية من ثقافة الإلغاء الغربية، التي تدَّعي الاستقامة ولا تتقبَّل الانتقاد.

مَنْ الذي يُكرِّم مَنْ؟

تشمل الحجة الأولى السياق السياسي لجائزة الشيخ زايد. يُقال إنَّ سياسة دولة الإمارات الخارجية والثقافية وسياستها المناهضة للإسلاموية تمثِّل إشارات إلى عملية إصلاح وانفتاح حذرة في هذا البلد. وهذا يطرح السؤال حول مَنْ الذي يُكرِّم مَنْ؟ هل الجوائزُ تُكرِّم الفائزَ بها أم الفائزُ بالجائزة يُكرِّم المتبرِّعَ بها على سياسته الإصلاحية؟

في الواقع توجُّهات الحكم في دولة الإمارات لا تمُتُّ بأية صلة للإصلاح. إذ إنَّ سياستها الخارجية التدخُّلية مثلًا في ليبيا واليمن تعتبر أكثر بكثير من مجرَّد مغامرة عسكرية. فهي تؤمِّن استراتيجية سياسية خارجية تهدف إلى إقامة هيكل أمني عربي جديد لمواجهة إيران وتركيا تقوده دولة الإمارات العربية المتَّحدة مع المملكة العربية السعودية.

والتحالفُ الجديد مع اسرائيل جزءٌ من هذه الاستراتيجية. لقد أدَّى على أية حال إلى اختفاء آفة معاداة السامية من مشهد الإعلام الخاضع لسيطرة الدولة في كلّ من الإمارات والسعودية. وهذا هو الخبر الجيِّد؛ ولكن الخبر السيِّئ يفيد بأنَّ هذا لم يجعل معاداة السامية المُتجذِّرة في المجال العام منذ الستينيات تختفي من رؤوس الناس. الشراكة المُتأزِّمة مع إسرائيل من الممكن أن تكون جديرة أكثر بالمصداقية عندما توجد في الوقت نفس سياسةٌ ثقافية تجعل معاداة السامية المتحجِّرة هذه موضوعًا للنقاش ويتم اتِّخاذ تدابير من أجل التغلب عليها.

 

 

الجائزة ضمن سياق سياسة ثقافية قومية جديدة

ولكن سياسة الإمارات الثقافية تسير في اتِّجاه مختلف. فهي تجمع بين التطلُّع إلى جعل الإمارات موقعًا يُمثِّل ثقافة عالمية من جهة وعروبة عاطفية تتَّسم بالحنين إلى الماضي من جهة أخرى. من المفترض أن تعمل الإمارات على تشكيل هذه العروبة والتعبير عنها وأن تجعلها في الوقت نفسه راعية للثقافة العالمية.

ولذلك ليس صدفة أن تختار جائزة الشيخ زايد هذه المرة "شخصية العام الثقافية" في شخص يورغن هابرماس، الذي يمثِّل هذه الثقافة العالمية، التي من المفترض أن دولة الإمارات حامية ومروجة لها.

ترى الإمارات أكبر خصومها في جميع التنظيمات والجماعات الإسلامية - وعلى رأسها طبعًا جماعة الإخوان المسلمين - التي تنطر إلى الإسلام على أنَّه نظام حياة. إذ يتم اعتبار هذه الجماعات موضع سخرية كآثار قديمة من عصر غابر وتتم في الوقت نفسه محاربتها بشدة. وفي المقابل تواصل الدولة الترويج لأرثوذكسية إسلامية بشريط تخليها عن أية استحقاقات سياسية. ويتم جعلها جزءًا من العروبة الجديدة المُتَّسمة بالحنين إلى الماضي واختزالها في وظيفة نظام ثقافي يرمز إلى "الأمة" الإماراتية التي يمثِّلها الأمراء.

لا يوجد في الإمارات رأيٌ عام مستقل يدير نفسه بنفسه خطابيًا، أمَّا حرِّيةُ العمل الصحفي فهي مقيَّدة إلى حدّ كبير. فالصحفي الإماراتي أحمد منصور، الذي حصل في عام 2015 على جائزة مارتن إينالز للدفاع عن حقوق الإنسان، تم من جديد زجُّه في السجن منذ عام 2017 لمدة عَشْر سنوات بتهمة استخدامه منصات التواصل الاجتماعي من أجل ما قيل إنه تهديد للنظام العام ونشر معلومات كاذبة ومضللة.

 

 

وسياسة الإمارات هذه تستبعد إلى حدّ كبير الانفتاح داخل المجتمع والتغيير الاجتماعي. زد على ذلك أنَّ عشرة في المائة من سكَّان الإمارات السبع هم مواطنون إماراتيون، أمَّا التسعون في المائة الباقون فهم أجانب أو بدون جنسية. وفقط سبعة في المائة من السكَّان يُعتبرون عربًا من أبناء الأمة الفخرية.

الجائزة وضعف شرعية الأمراء

الغرض من جائزة الشيخ زايد -مثل معظم الجوائز الأخرى- هو تكريم المتبرِّع بها أيضًا. ولا عيب في ذلك. ولكن الأمر يصبح إشكاليًا عندما يُستخدم هذا التمجيد الذاتي قبل كلّ شيء -كما هي الحال في أبو ظبي- من أجل تعزيز شرعية نظام الحكم من خلال تقديره والاعتراف به من الخارج.

وبما أنَّ أقلية صغيرة جدًا من الناس في الإمارات يمتازون بكونهم مواطنين رعايا هذا البلد وبوظيفة إضفاء الشرعية على الأمراء، فإنَّ جزءًا كبيرًا من السكَّان لا يوجد لديهم أي دور سياسي أو ثقافي. وهكذا فإنَّ شرعية الأمراء تقوم على أكتاف ضعيفة للغاية. ولهذا السبب تسعى الإمارات إلى تعويض عدم وجود أساس من داخل المجتمع لهذه الشرعية من خلال زيادة تقديرها والاعتراف بها من الخارج.

ومثلما كانت الحال لدى العديد من الإمارات الأوروبية في عهد الحكم السلطوي، فإنَّ المنافسة بين الأمراء في شبه الجزيرة العربية تخدم هنا أيضًا في ضمان الشرعية من الخارج من خلال مشاريع استعراضية فعَّالة. وهذا يشمل في أبو ظبي كلًا من "اللوفر العربي" وجائزة الشيخ زايد، التي تضع "الكتاب" في مركز الشرعية.

 

غلاف دراسة ألمانية - للخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط غيدو شتاينبرغ حول "القوة الإقليمية دولة الإمارات العربية المتَّحدة". (Foto: Stiftung Wissenschaft und Politik)
أبو ظبي تخرج من وصاية المملكة العربية السعودية: تَتَّبِع دولة الإمارات العربية المتَّحدة منذ الربيع العربي 2011 سياسة خارجية وأمنية تزداد نشاطًا. صعود الإمارات إلى قوة إقليمية جعلها أكثر أهمية وفي الوقت نفسه شريكًا سياسيًا أكثر إشكالية بالنسبة للسياسة الألمانية والأوروبية، مثلما يثبت الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط غيدو شتاينبرغ في دراسته حول "القوة الإقليمية دولة الإمارات العربية المتَّحدة".

 

وهكذا فقد تم تكريم العديد من الأشخاص بهذه الجائزة. وهكذا حصل في عام 2003 الرئيس الثامن للاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا، سيب بلاتر، على أعلى وسام وطني إماراتي، وسام زايد. أمَّا الفائزون بجائزة زايد في فرع "شخصية العام الثقافية" فمنهم -على سبيل المثال- الكاتبُ الفرنسي اللبناني أمين معلوف (2016) والمؤرِّخُ المغربي عبد الله العروي (2017) والمُستعربان أستاذ الأدب العربي في جامعة شيكاغو ياروسلاف ستيتكيفيتش وزوجته الأستاذة سوزان ستيتكيفيتش (2019) والكاتبة الفلسطينية الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي (2020).

سلطوية مستنيرة في الخليج؟

وجميع الفائزين بهذه الجائزة حتى هذا الوقت لهم صلة مباشرة بالعالم العربي. ولقد تم من خلال اختيار يورغِن هابرماس لجائزة هذا العام 2021 اختيار شخصية لديها وظيفة إضفاء شرعية أعلى. وهذا جعل الجائزة دولية نوعًا ما. وهذا يتوافق تمامًا مع مساعي الأسرة الأميرية الحاكمة في أبو ظبي من أجل الحصول على أوسع قدر ممكن من التقدير والاعتراف الدوليين.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة