حصاد الثورت العربية

ثورات الربيع العربي...المارد خرج من القمقم

الربيع العربي، مثله مثل ربيع كل الشعوب، له أسباب هيكلية وجذور تاريخية، ولم يكن وليد لحظة بعينها. وهو مثال من إرهاصات فشل دولة ما بعد الاستقلال في العالم العربي. الباحث المعروف في جامعة كامبردج وأستاذ الدراسات العربية خالد فهمي يرصد في المقال التالي لموقع قنطرة إرث الحراك الثوري العربي ومستقبل الديمقراطية والحريات في ظل فشل الأنظمة الحاكمة في مواجهة تحديات الواقع.

لم أعجب قط بمصطلح "الربيع العربي" في الإشارة للثورات والحركات الاحتجاجية، التي عمت أقطار عربية عدة في الفترة من ٢٠١١ إلى ٢٠١٣. ذلك أن هذا المصطلح أوربي-المركز، بمعنى أنه صُك أصلا في الغرب على أيدي محللين وصحافيين غربيين، ولم ينبع من أي من الأقطار العربية التي شهدت هذه الثورات والحركات الاحتجاجية.

وتعود أصول هذا المصطلح لمصطلح آخر، وهو "ربيع الشعوب" springtime of nations، وهو المصطلح الذي يستخدمه أحيانا المؤرخون للإشارة لثورات عام ١٨٤٨ في أوربا.

ولكن، وبالرغم من الطابع أوربي-المركز للمصطلح فإنه قد يكون مفيدا في طرح مقارنة بين ثورات أوربا عام ١٨٤٨ والثورات العربية في أعوام ٢٠١١-٢٠١٣.

فـ"ربيع الشعوب" مثله مثل "الربيع العربي" لم يقتصر على بلد واحد، بل تعدد ليشمل فرنسا بداية، ثم ألمانيا ثم المجر قبل أن تؤجج هذه الثورات الأوربية الحركة الاحتجاجية التي كانت قد اندلعت في إيطاليا في وقت سابق. وبالمثل، فإن الربيع العربي اندلعت شرارته في تونس قبل أن تمتد لمصر وسوريا وليبيا واليمن والبحرين.

ثانيا، ثورات ١٨٤٨ كان يحركها شعور عميق بضرورة التخلص من الأنظمة الحاكمة وإن كانت الفكرة الجمهورية، مثل حالة فرنسا، لم تكن الفكرة الوحيدة المطروحة للجدال. علي أنه وبالرغم من عدم وضوح المعالم الرئيسية للشكل النهائي التي كانت ثورات ١٨٤٨ تتخيله عن شكل الأنظمة السياسية المختلفة، إلا أن ضرورة توسيع القاعدة الديمقراطية وإشراك فئات أوسع من الشعب في العمل السياسي كان هدفا أساسيا لهذه الثورات.

وبالمثل، فإن ثورات "الربيع العربي" انطلقت، في رأيي، من إدراك عميق بأن النظام السياسي العربي، الذي وُضعت قواعده بعيد الحرب العالمية الأولى لم يعد مقبولا أو يمكن الدفاع عنه. فالأنظمة العربية كافة فشلت في تحقيق حتى القدر الأدني من التنمية والاستقرار والدفاع عن التراب الوطني.

صورة رمزية للربيع العربي. الصورة من ميدان التحرير في القاهرة. الصورة رويترز
هل فشل الربيع العربي؟ وماذا يعني الفشل في الواقع؟ رغم التفاوتات بين دول الحراك الثوري العربي هناك سمة مشتركة بين تلك الدول تتمثل في وجود بيئة إقليمية لا توجد لديها مصلحة في أن يكون هناك مزيد من المشاركة السياسية والانفتاح الديمقراطي. هذه القوى الإقليمية تحالفت في تلك الدول مع قوى الدول العميقة الي سعت إلى الحفاظ على قوتها، أو استعادتها بدلا من البدء في القيام بإدارة تحول ديمقراطي حقيقي.

 حتى تلك الأقطار العربية التي شهدت طفرت مهمة في تحسين مستوى معيشة مواطنيها نجحت في ذلك ليس نتيجة انتهاج سياسات تنموية رشيدة ومستدامة، بل نتيجة اعتمادها علي مصادر ريعية كان من أهمها النفط والغاز الطبيعي. وحتى هذا النجاح جاء مصحوبا بافتقار عميق لمعايير الديمقراطية ولتمكين الشعوب من الحكم الذاتي.

أما الأقطار غير المنتجة للنفط فقد اعتمدت هي الأخرى على هذا المصدر الريعي في شكل تحويل مدخرات مواطنيها العاملين في الدول الغنية بالنفط. وقد ساهم هذا المصدر الريعي في تأجيل الاحتجاجات الشعبية وأعطى الأنظمة والحكومات فسحة من الوقت امتدت لعقود طويلة في بعض الأحيان.

إرث الحراك الثوري العربي

بمعنى آخر فإن الربيع العربي، مثله مثل ربيع الشعوب، له أسباب هيكلية وجذور تاريخية، ولم يكن وليد لحظة بعينها. ففشل دولة ما بعد الاستقلال في العالم العربي ظاهرة معقدة ولها أسباب عديدة، وما الربيع العربي إلا مثال واحد من إرهاصات هذا الفشل. ويمكن اعتبار ظاهرتي نزوح ملايين اللاجئين العرب لأوربا والإرهاب كظاهرتين إضافيتين تعبران عن نفس هذا الفشل التاريخي.

ثالثا، يجمع كل من الربيع العربي وربيع الشعوب ظاهرة تنامي الاهتمام بالعامل الاجتماعي طوال شهور هذه الثورات.

فبالرغم من أن هذه الثورات العربية والأوربية لم تنادي في البدء  بإصلاحات اجتماعية واقتصرت على المطالبة بتغيير أنظمة الحكم، إلا أن سرعان ما ظهرت المشكلات الاجتماعية كبؤرة تركزت فيها المطالب الثورية.

في أوربا كانت مطالب تقليل ساعات العمل، والسماح بنقابات عمالية، وضرورة إلغاء نطام القنانة (أو العبودية) للفلاحين (في المجر والنمسا)، من أهم ملامح هذا الاهتمام بالبعد الاجتماعي.

أما في الربيع العربي فإن ازدياد الاهتمام بقضايا المرأة، والعدالة الاجتماعية، واستقلال النقابات العمالية، والدفاع عن الحرية الأكاديمية – كانت هذه بعض ملامح المطالب الاجتماعية لثورات الربيع العربي.

مظاهرات في لبنان ضد الفساد (صورة أرشيفية).
منظمة الشفافية الدولية تشير إلى أن "عدم الرضا على قادة فاسدين وأنظمة فاسدة شكل محركا أساسيا لرغبة المنطقة في التغيير، وخصوصا خلال تظاهرات الربيع العربي. وعلى الرغم من الحراك الثوري، إلا أن الحكومات لم تبذل سوى القليل لتطبيق القوانين ضد الفساد".

رابعا، ما يجمع بين ربيع الشعوب والربيع العربي أن هذه التسميات أثبتت رومانسيتها في وقت قصير. فهذه الثورات لم يكتب لها النجاح، وربيع الشعوب تحول إلى شتاء مثلج طويل. فما هي إلا بضعة شهور بعيد اندلاع ثورات أوربا في فبراير ١٨٤٨ حتى تمكنت الملكيات المستبدة من إعادة السيطرة على الأمور بعد أن أدركت أن هذه الثورات لم تهز الجهاز الحكومي ولم تستشر للجيش.

وساعد على نجاح الثورة المضادة تعاون الكنيسة مع التاج، والدعم الذي وجهته الأنظمة المحافظة لبعضها البعض، وكان  من أهم نماذج هذا الدعم ما قام به قيصر روسيا بغزو المجر بجيش قوامه ٣٠٠ ألف رجل لقمع الثورة هناك.

"يمكن اعتبار ظاهرتي نزوح ملايين اللاجئين العرب لأوروبا والإرهاب ظاهرتين إضافيتين تعبران عن الفشل التاريخي لمشروع دول ما بعد الاستقلال في العالم العربي"

وبالمثل، فإن الثورة المضادة في حالة الربيع العربي نجحت بقدر كبير نتيجة الدعم الذي وجهته الأنظمة الملكية في الخليج للقوى المحافظة التي تضررت من هذه الثورات. وكان إرسال دول التعاون الخليجي لقوات  من جيوشها بغية القضاء على الثورة في البحرين في مارس آذار ٢٠١١ خير مثال على هذا الدعم.

بالمثل فإن نجاح الثورة المضادة في مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي لم يكن ممكنا بدون الدعم المالي الكبير الذي ناله من السعودية والإمارات .

خامسا وأخيرا، فإن ما يجمع الربيع العربي بربيع الشعوب هو كونهما يشكلان منعطفا محوريا في التاريخ الحديث للعالم العربي ولأوربا على التوالي. فقد يكون من الصحيح القول إن ربيع الشعوب تحول إلى شتاء طويل بارد، وأن الأنظمة الرجعية سرعان ما استعادت الأرض التي كانت قد خسرتها طوال شهور عام ١٨٤٨، وأنها نجحت في التنكيل بقيادات الثورات من عمال وصحافيين ومحاميين ونقابيين. إلا أن المطالب الثورية التي نادت بها الجموع الأوربية، في الريف والحضر، طوال عام ١٨٤٨ هي التي أملت قواعد العملية السياسية طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأن الخريطة الأوربية، سياسيا واجتماعيا وثقافيا، اختلفت اختلافا جذريا نتيجة لربيع الشعوب.

يعمل البحث خالد فهمي أستاذا للدارسات العربية في جامعة كامبردج وتشمل اهتماماته البحثية التاريخ الاجتماعي والثقافي في الشرق الأوسط الحديث مع التركيز على تاريخ الجيش، الطب والقانون في القرن التاسع عشر  في مصر. نُشرت أطروحة فهمي في التاريخ الاجتماعي لـجيش محمد علي باشا في وقت لاحق من جامعة كامبردج تحت عنوان "كل رجال الباشا محمد علي وجيشه وتأسيس مصر الحديثة".
يعمل البحث خالد فهمي أستاذا للدارسات العربية في جامعة كامبردج وتشمل اهتماماته البحثية التاريخ الاجتماعي والثقافي في الشرق الأوسط الحديث مع التركيز على تاريخ الجيش، الطب والقانون في القرن التاسع عشر في مصر. نُشرت أطروحة فهمي في التاريخ الاجتماعي لـجيش محمد علي باشا في وقت لاحق من جامعة كامبردج تحت عنوان "كل رجال الباشا محمد علي وجيشه وتأسيس مصر الحديثة".

"الربيع العربي مثال من إرهاصات فشل دولة ما بعد الاستقلال في العالم العربي"

وبالمثل يمكن القول إن قوى الثورة المضادة قد نجحت نجاحا باهرا في إعادة السيطرة على زمام الأمور في دول الربيع العربي، إلا أن الأسئلة التي طرحتها ثورات الربيع العربي، الأسئلة النابعة من الوعي بضرورة تغيير النظام العربي ووضع حد لفشله التاريخي – هذه الأسئلة أصبحت واضحة ومطروحة بقوة أكثر من أي وقت مضى، أوضح حتى من الفترة التي أعقبت هزيمة ١٩٦٧ المخزية.

فثورات الربيع العربي أملت على العالم العربي أسئلة تحمل تحديات وجودية، أسئلة عن علاقة الحكام بالمحكومية وتمكين الشعوب من حكم أنفسها؛ أسئلة عن وضع المرأة في المجتمع وضرورة إنهاء كافة أشكال التمييز ضدها؛ أسئلة عن انتهاج سياسات اقتصادية رشيدة تفطم مجتمعاتنا عن المصادر الريعية للدخل؛ أسئلة عن دور الدين في الحياة العامة.

هذه الأسئلة ادعت الأنظمة الحاكمة بأن لديها إجابات عنها، حتى انفجرت الثورات العربية عام ٢٠١١ لتوضح زيف ادعاءات الأنظمة العربية وكذبها. وما تدعيه الثورات المضادة من عودة الاستقرار وتحقيق الأمان لمواطنيها إلا وهم.

وحدها الثورات العربية هي التي قدمت اجتهادات وجيهة في محاولة للتصدي لأزمات المجتمعات العربية المؤسسية، أما الأنظمة فما زالت ما تقدمه لا يتعدى البطش والقوة الغاشمة والتنكيل بأعدائها.

المارد خرج من القمقم، ولن تفيد محاولات الأنظمة العربية البائسة كثيرا في إعادته إلى سجنه.

 

خالد فهمي

حقوق النشر: قنطرة 2018

خالد فهمي مؤرخ مصري و باحث معروف في جامعة كامبردج، التي يعمل بها أستاذا للدراسات العربية.

 

لمتابعة مقالات وأبحاث خالد فهمي ينصح بزيارة موقعه التالي:

https://khaledfahmy.org/ar

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.