حوار حول العنصرية في ألمانيا والإرث الاستعماري الألماني

التصورات العنصرية غير مرتبطة فقط بلون البشرة

أثارت الاحتجاجات الشعبية الأمريكية ضد التمييز تحت شعار "حياة السود مهمة" نقاشا حول العنصرية في ألمانيا أيضا. الباحث الألماني في شؤون العنصرية مارك تيركيسيديس يتحدث في الحوار التالي حول علاقة هذا الشعار بألمانيا، وحول مسألة النظر إلى مَن لا تبدو أشكالهم كالألمان على أنهم أجانب حتى وإن كانوا يحملون الجنسية الألمانية. حاوره يورغ هينتشل.

 

"التمييز غير المشروع بين "نحن" وَ "هم" هو أيضا عنصرية. في ألمانيا يوجد ألمان من أصول غير ألمانية يتعرضون للتمييز ومنهم حتى ألمان ذوو أصول أوروبية"

 

تظاهر في ألمانيا عشرات الآلاف حاملين شعار "حياة السود مهمة". هل يعود سبب تظاهرهم فقط إلى التضامن مع السود في الولايات المتَّحدة الأمريكية - أم لأنَّهم يرون حال أنفسهم مشابهًا لما في صور المعاناة من العنصرية تلك؟

مارك تيركيسيديس: كان يوجد في المظاهرات كثيرٌ من المتظاهرين الشباب، وذلك إمَّا لأنَّ لديهم تجربة شخصية مع التمييز أو لأنَّهم يسمعون عنه من زملائهم في المدرسة.

فهُم لم يعودوا مستعدِّين لتقبُّل معاملة (زملائهم) أحمد أو فاسيلي أو سونغول أو ليلى أو آبائهم معاملة مختلفة من قبل السلطات أو الشرطة.

وكذلك شهدت ألمانيا هجوم هاناو، الذي كان مفجعًا بشكل لا يمكن حتى تخيله: أشخاصٌ تم قتلهم لأنَّهم كانوا جالسين في مقاهي الشيشة.

لا توجد في ألمانيا نفس حالات عنف الشرطة القاتل كما هي الحال في الولايات المتَّحدة الأمريكية، ولكن توجد قصصٌ -لا يمكن حتى تخيلها- حول التقليل من شأن الأعمال العنصرية وحول التحرِّيات الخاطئة ومعاملة الضحايا معاملة عديمة الإحساس - ضحايا تتم معاملتهم على أنَّهم جناة. وقد كشفت عن ذلك قصة خلية النازيين الجدد (إن إس يو).

أَلا ينبغي أن يكون هذا الشعار مختلفًا هنا في ألمانيا، بحيث يشمل أيضًا الأقليات ذات الأصول التركية؟

مارك تيركيسيديس: هذا يعتمد دائمًا على الطرف الأكثر نشاطًا في تلك اللحظة. لقد جعلت وبكلّ إصرار منظماتُ السود -مثل "إتش وان تيش وان" (كل واحد يُعلِّم الآخر) أو منظمة "إي إس دي" (مبادرة السود في ألمانيا)-مَوْضوعَيْ العنصرية والاستعمار من أهم أولوياتها.

وهذه المنظمات قادرة على ربط مشكلاتها بالوضع في الولايات المتَّحدة الأمريكية وبتجربة كونهم سودًا، التي تعتبر اليوم شكلًا عالميًا لتجارب العنصرية. ولكن من الواضح تمامًا أنَّ الكثير من الأشخاص الذين يتعرَّضون للتمييز في ألمانيا لديهم أصول أخرى بما فيها أصول أوروبية.

 

تظاهر ضدَّ العنصرية أكثر من ألف شخص في السابع والعشرين من حزيران/يونيو 2020 في برلين في شارع "شتراسه دِس زيبتسينتن يوني" عند عمود النصر.   (photo: Reuters/Fabrizio Bensch)
احتجاجات ومظاهرات مناهضة للعنصرية والتمييز في ألمانيا أيضًا: تظاهر ضدَّ العنصرية أكثر من ألف شخص في السابع والعشرين من حزيران/يونيو 2020 في برلين في شارع "شتراسه دِس زيبتسينتن يوني" عند عمود النصر. ورفع المتظاهرون لافتات كُتبت عليها شعاراتٌ مثل "عُنف الشرطة يقتل" وَ "لا أستطيع التنفس" وَ "للعنصرية منظومة هنا أيضًا" وَ "الصمت الأبيض عنيف".

 

لماذا يَصعُب على ألمانيا إلى هذا الحد أن ترى نفسها كدولة هجرة؟

مارك تيركيسيديس: بحسب القانون أصبحت ألمانيا -في الآونة الأخيرة فقط- دولة هجرة. لقد أقرَّت الحكومة الألمانية الاتِّحادية -فقط في عام 1998- "بعملية هجرة لا رجعة فيها".

فقد كان يُفترض في السابق أنَّ مَنْ يُطلق عليهم اسم أجانب سيعودون جميعًا إلى ديارهم. وفي عام 2000، تم تغيير قانون الجنسية: وقد بيَّن ذلك أنَّ هناك أيضًا ألمانًا من أصول غير ألمانية.

لكن في الغالب لم يأتِ الوعي بهذا الأمر بمثل هذه السرعة. ومع ذلك إذا قارنا التصريحات العنصرية اليوم بالتصريحات العنصرية من التسعينيات، يتَّضح لنا أنَّ التشبيهات البيولوجية الصارخة أصبحت أقل، مثل وصف المهاجرين بأنَّهم "طفيليات".

لماذا حافظت ألمانيا كلَّ هذه الفترة الطويلة على "حقِّ رابطة الدم"؟

مارك تيركيسيديس: كان من المفترض أن يُستَخدَم النَّسَب كضمان للتماسك. فليس صدفة أنَّ النشيد الوطني الألماني يذكُر "الوحدة" قبل "القانون والحرِّية".

كانت الوحدة دائمًا في طريق التطوُّر من الدول الألمانية الصغيرة -إلى قوة إمبراطورية فيما بعد- مسألة مهمة، وكان يُعتبر "الدم" هو الحلّ. في المقابل شجَّعت فرنسا الهجرة في وقت مبكِّر من القرن التاسع عشر. يجب أيضًا على مَنْ يعلن ولاءه لفرنسا أن يكون فرنسيًا. وفي وقت لاحق، كان حقُّ الدم أيضًا طريقة مريحة لتنظيم الهجرة: فبهذا لا يتم منح أية حقوق للمهاجرين، بكل بساطة.

لقد تم تغيير قانون الجنسية الألمانية، ولكن بتصنيف "من أصول مهاجرة" يتم الاحتفاظ بالأصل غير الألماني حتى الجيل الثاني. ما الذي يشترك فيه اللاجئون السوريون مع شخص مثلك وُلِدَ في ألمانيا لأبّ يوناني؟

مارك تيركيسيديس: امتلاكُ أصول مهاجرة لا يشكِّل بطبيعة الحال مجموعةً متجانسة. ولكن بحسب الإحصاءات فإنَّ خطر تعرُّضك للفقر يكون أعلى بضعفين إذا كانت لديك أصول مهاجرة، وتصبح فرص العمل والتعليم والصحة -وكلّ شيء لديك- أسوأ بوضوح.

نسبة صانعي القرار ذوي الأصول المهاجرة أدنى بكثير من المتوسَّط. وإذا كنتَ تحمل اسم عائلة تركية فمن المؤكَّد أنَّ احتمال دعوتك لإجراء مقابلات عمل يكون أقل بكثير. لا يمكن طرح هذا الموضوع من دون الاعتراف بمثل هذه المعايير.

أَلا يعتبر هذا إصرارًا على التعريف القديم للكينونة الألمانية؟

مارك تيركيسيديس: هذا صحيح، إذ إنَّ تصنيف "من أصول مهاجرة" يؤدِّي إلى إدامة الانقسام أيضًا. فالفصل الدراسي، الذي يوجد فيه أكثر من سبعين في المائة من الأطفال ذوي الأصول المهاجرة، يُنظر إليه على أنَّه مشكلة.

لماذا لا يقولون: مائة في المائة أطفال؟ لأن هذا يظلم أيضًا الأطفال من أصل ألماني، لكن ربعهم يعانون من نفس المشكلات اللغوية الموجودة عند الأطفال الذين لديهم لغة أمّ أخرى. ولكن تتم معاملتهم بشكل أقلّ جدِّية، لأنَّ المشكلات اللغوية يتم ربطها بالأصل "الأجنبي".

كيف عشت ذلك بنفسك؟

 

 

 

مارك تيركيسيديس: كان يُنظر لي دائمًا في السابق على أنَّني أجنبي. أمَّا الآن فلديّ أصول مهاجرة، وهذا فعلًا تقدُّم [يقولها وهو يضحك]، على الأقل لم يعد الانتماء مطروحًا للنقاش.

في السابق كان أيضًا تحدُّث اللغة الألمانية بلكنة (أجنبية) يُقلل حقًا من قيمة الناس. ولكن لم أعد ألاحظ ذلك في لقاء أولياء الأمور في مدرسة ابني في حيّ كرويتسبيرغ (البرليني).

أو لنأخذ مؤتمرات الاندماج التي كثيرًا ما أكون ضيفًا فيها: في السابق، كان يُعتبر من غير اللائق أن أتحدَّث هناك كخبير. وذلك لأنَّني كشخص معني بهذا الأمر لا يمكن أن أكون "موضوعيًا". لقد كان هذا حقًا ضربًا من الجنون. اليوم تختلف التوليفة هناك اختلافًا تامًا. أنا غير راضٍ عن ذلك، ولكن ثمة شيء ما قد تغيَّر.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة