حوار مع الروائي البوليسي الموريتاني الفرنسي كريم مسكة

من عالم الجريمة إلى جبهة "الجهاد" الأمامية بلا معرفة دينية

في روايته "جاز العرب"، يصف المخرج وكاتب الروايات البوليسية المولود لأب موريتاني وأم فرنسية، كريم مسكة، الحياة في ضواحي باريس البائسة. وقد حذر بعد هجمات باريس من الإجابات المبسَّطة، وتحدث حول الصعوبات التي تواجه المجتمع الفرنسي في التعامل مع المهاجرين العرب. الصحفية الألمانية كلاوديا مينده تحدثت إليه حول "الخط الذي يفضي مباشرة من الجريمة والأنشطة غير القانونية إلى الجهاد من دون المرور في طريق الإسلام" في الحوار التالي لموقع قنطرة.

السيِّد كريم مسكة، كيف هي حالك اليوم بعد هجمات باريس؟

كريم مسكة: وضعي الآن أحسن، ولكن بعد هجمات باريس بيومين أو بثلاثة أيَّام كنت مُدمَّرًا. لم أكن قادرًا على التفكير بوضوح وقد حاولت فقط أن أعرف ما حدث، أن أعرف مَنْ مِن الأصدقاء قد تم قتله أو أصيب. صحيح أنَّ أصدقائي لم يصابوا بأي سوء، ولكن لقد أصيب العديدون من الأشخاص، الذين كنت قد التقيتهم ذات مرة. أنا لا أعيش بعيدًا عن موقع الهجمات التي وقعت في الحيِّ العاشر والحادي عشر. لقد كان كلُّ شيء قريبًا جدًا من الناحية الجغرافية والاجتماعية، وذلك لأنَّ الكثيرين من الضحايا كانوا من المؤلفين والعاملين في صناعة الأفلام. لقد كانت صدمة لنا جميعًا.

بعد ذلك بفترة قصيرة، كتبت في مُدوَّنتك أنَّك تريد الصمت في ضوء كلِّ هذه الثرثرة الواثقة بنفسها في وسائل الإعلام…

كريم مسكة: لقد أقفلت جهاز التلفزيون بسرعة، وذلك لأنَّ الجميع كانوا فقط يتحدَّثون هناك من دون انقطاع. وكيفما يكُنْ شكل الحلِّ، فقد كان هذا بالنسبة لي مبكِّرًا جداً أكثر مما ينبغي. وكان لا بدَّ من أن يكون هناك بعض الحياء والصمت، من أجل منح الناس وقتًا للحزن. كنت أريد ببساطة فقط أن أكون حزينًا وأن أكون وحيدًا مع مشاعري. ووجدت جميع هؤلاء ممثِّلي وسائل الإعلام الواثقين من أنفسهم أقرب إلى البذاءة بشكل ما.

في روايتك "جاز العرب" تصف باريس متعدِّدة الثقافات بيهود متشدِّدين ورجال شرطة فاسدين وشهود يهوه "شهود يهوذا" وسلفيين وشباب مسلمين لا توجد لديهم أية آفاق. برأيك هل يعتبر هؤلاء الشباب العرب من جيل فرنسا الضائع؟

كريم مسكة: إذا تعلق الأمر بأحفاد المهاجرين القادمين من المستعمرات الفرنسية السابقة، وخاصة في غرب وشمال أفريقيا، فسيكون لدينا بالفعل عدة أجيال ضائعة. لقد خرجت في عام 1993 مسيرة احتجاجية ضدَّ العنصرية، وذلك لأنَّ الشرطة الفرنسية قد قتلت بالرصاص العديد من الشباب العرب، ولكن بعد ذلك لم يحدث أي شيء. وهنا كان ثمة شيء لم يعمل. ومن جيل تلو الآخر، يوجد النوع نفسه من الشباب المحبطين. وحتى بعد عشرة أعوام من اضطرابات عام 2005 لا نزال نتعامل مع الإحباطات الأزلية نفسها.

اضطرابات ضواحي المدن الفرنسية في بؤرة الاهتمام الإعلامي - قبل عشرة أعوام عام 2015 . (photo: GABRIEL BOUYS/AFP/Getty Images)
اضطرابات ضواحي المدن الفرنسية في بؤرة الاهتمام الإعلامي - قبل عشرة أعوام وقعت اضطرابات شديدة إثر مقتل مراهقين أثناء مطاردتهما من قبل الشرطة في حي "كليشي سو بوا" قرب باريس. وتوفي هذان المراهقان بصدمة كهربائية في داخل حجرة محوِّلات كهربائية، كانا قد لجأ اليها. وبعد ساعات من وفاتهما أضرم الشباب العرب الغاضبون في ضاحية باريس النار بالسيَّارات ورشقوا رجال الشرطة والإطفاء بالحجارة. وكانت هذه بداية لأعنف الاضطرابات في ضواحي المدن الفرنسية في تاريخ فرنسا.

إذًا هل يمكن للمرء اليوم أن يتحدَّث مرة أخرى عن انتفاضة هؤلاء الشباب عديمي الآفاق في فرنسا؟

كريم مسكة: من السذاجة للغاية أن نتحدَّث حول انتفاضة فرنسية. لأنَّ سكَّان فرنسا ليسوا منقسمين إلى طرفين يخوضان حربًا بعضهما ضدَّ بعض. توجد في فرنسا الكثير من الأماكن المتعدِّدة الثقافات، الكثير من حالات الزواج المختلط وكذلك الكثير من الأشخاص، الذين يتشاركون في بناء المجتمع.

ولكن من ناحية أخرى يوجد أيضًا هذا الجيل الضائع في ضواحي المدن الفرنسية. والبعض منهم يتمكَّنون من مغادرة الضواحي أو أنَّهم يُكملون دراستهم ويعثرون على عمل ويتزوَّجون، حتى عندما يستمرون في العيش هناك، على الرغم من أنَّ هذا ليس بالأمر السهل. والكثيرون من العرب يعملون كمعلِّمين وأخصائيين اجتماعيين وأطباء وممرِّضات. ولكن بين الأشخاص، الذين لا يتمكَّنون من ذلك، تسود منذ أكثر من ثلاثين عامًا حالات الإحباط نفسها.

أَلا يتم عمل ما يكفي من أجل الضواحي؟

كريم مسكة: هذه ليست مجرَّد مشكلة اجتماعية، بل هي أيضًا مشكلة فلسفية - مشكلة الفراغ في المجتمع الحديث. إذ إنَّ نحو ثلاثين في المائة من الشباب الذين يذهبون إلى سوريا (ملاحظة المترجم: بهدف الالتحاق بتنظيم "الدولة الإسلامية")، هم من المتحوِّلين إلى الإسلام وينتسبون إلى عائلات عادية ملحدة ​​بيضاء البشرة من الطبقة الوسطى. إنَّهم أشخاص لديهم إشكاليات مختلفة جدًا، تؤدِّي لديهم في نهاية المطاف إلى تطوير الرغبة في القتل. وكذلك توجد لدى البعض منهم مشكلات اجتماعية، ولكن من ناحية أخرى فإنَّ كلَّ شخص يواجه مشكلات اجتماعية لا يتحوَّل من دون ريب وبشكل تلقائي إلى جهادي.

برأيك أين تكمن أسباب هذه الكراهية المذهلة؟

كريم مسكة: يجب علينا أن ننظر إلى كلِّ فرد على حدة من أجل معرفة الأسباب. على سبيل المثال إذا أخذنا الأخوين سعيد وشريف كواشي، منفِّذَيْ الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو: فقد كانت حياتهما بالطبع كأنَّها تدور في رواية لإميل زولا! لا يمكن للمرء أن يتصوَّر شيئًا أسوأ من ذلك. فقد كانت والدتهما عاهرةً وانتحرت، ووجد الأخوان جثة والدتهما - وهذا في الواقع أمر فظيع!

في حين أنَّ أحد منفِّذي اعتداءات باريس أصله من بلجيكا، وينتسب في المقابل إلى أسرة مهاجرة عادية. وقد اتِّخذ إخوته وأخواته مسارًا مختلفًا تمام الاختلاف. ومَنْ يدري ربما كان هذا الشاب سيصبح من دون وجود ما يعرف باسم تنظيم "الدولة الإسلامية" سفاحًا لا توجد لديه أية إيديولوجيا.

"غلاف رواية ’جاز العرب‘ للكاتب كريم مسكة (published by MacLehose Press)
يقول الكاتب كريم مسكة: "في رواية ’جاز العرب‘ كان هناك جزء كبير من العمل الروائي حول تغيير القصة، لأنَّني استلهمتها من أحد أئمة الأخوين كواشي. وقد كان هذا الإمام نموذجًا لدعاة الكراهية في روايتي هذه".

إذًا هل يشكِّل الإسلام مجرَّد كليشيه بالنسبة لكراهيتهم؟

كريم مسكة: على أية حال هكذا يبدو الوضع لدى غالبيَّتهم. إذ إنَّ منفِّذي الهجمات المنحدرين من فرنسا وبلجيكا كان لهم ماضٍ إجرامي. وما يحدث في السجون يمثِّل جزءًا من التفسير. وهنا يوجد خطٌ يفضي مباشرة من الجريمة والأنشطة غير القانونية إلى الجهاد - من دون المرور في طريق الإسلام. هؤلاء الأشخاص لا يعرفون الكثير عن الإسلام، كما أنَّهم لم يدرسوا القرآن.

وبالإضافة إلى ذلك فهم في حاجة من أجل ارتكاب جريمة ما إلى التدريب المناسب، ولا يجوز أن يكون لديهم أي خوف، ويجب عليهم أن يُدخِلوا في حسابهم فقدانهم حياتهم. كما أنَّهم أوغاد شريرون. غير أنَّ معظم الناس ليسوا كذلك، لأنَّهم لا يريدون الموت. ولذلك فمن الصعب أن نجد إجابات عامة.

أنت تقول، إنَّ كلَّ حالة لها خصوصياتها الفردية. برأيك أَلا توجد جوانب يمكن أن تكون عامة؟

كريم مسكة: يوجد مفهوم "الظواهر الاجتماعية الشاملة" - والجهادوية جزء من هذا المفهوم. فعندما يكون هناك شخص ما يريد أن يحقِّق في حياته شيئًا ما وقد سار أثناء شبابه في الطريق الخطأ، فمن الممكن عندئذ أن يتَّبع الجهاديين. وذلك لأنَّ الجهاد قد أصبح اليوم يُجسِّد الرفض العالمي للنظام. وقبل الجهادية كان يوجد الشيوعيون. أمَّا اليوم فقد أصبح لدينا مشروع مضاد ومختلف تمام الاختلاف.

بالنسبة لعالم الاجتماع الفرنسي ميشيل ويفيوركا يعتبر الشعور بالإقصاء الراديكالي هو السبب الرئيسي للعدوانيات. فهل توافقه في هذا الرأي؟

كريم مسكة: حسنًا، إنَّ بعض الأشخاص يكافحون ضدَّ هذا الاقصاء والبعض الآخر لا يكافحون. وهذا أمر صعب بالنسبة للجميع. توجد في فرنسا عنصرية وإقصاء وإسلاموفوبيا. والشباب المسلمون يشكِّلون خطرًا محتملًا بالنسبة للدولة. وهذا يجعل الدولة تشعر به أيضًا. غير أنَّني أعرف الكثير من الأسر العربية العادية، التي لا تعتبر راديكالية على أية حال - وهم يشكلون الأغلبية في البلاد. في فرنسا هناك خمسة وثمانون في المائة من النساء المسلمات لا يرتدين أي نوع من الحجاب، وفقط عشرون في المائة من المسلمين يذهبون إلى المساجد. وهم ليسوا راديكاليين، ولا حتى متديِّنين.

بالنسبة لك ككاتب، هل تشكِّل هجمات باريس مشكلة ما، لا سيما وأنَّ هؤلاء القتلة يمكن أن يكونوا قد جاؤوا مباشرة من روايتك "جاز العرب"؟

كريم مسكة: أنا لم اختلق هؤلاء الناس.

لكن أما يزال بوسعك كتابة روايات بوليسية تدور أحداثها في هذا الوسط؟

كريم مسكة: لقد بدأتُ العمل على الجزء الثاني من رواية ثلاثية. ولكن ما من شكّ في أنَّ لديَّ الآن مشكلة. وقبل بضعة أيَّام من هجمات (شارلي إيبدو في) باريس سألني شخص ما إن كنت سأعالج الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو في روايتي التالية. وفي الحقيقة أنا لا أعرف إن كان هذا الهجوم مناسبًا هنا، وذلك لأنَّني أكتب أدبًا وليس كتبًا علمية. والآن لديَّ مشكلة مع الهجمات الجديدة...

هل ستتناول في الجزء الثاني من روايتك الثلاثية موضوع الأصولية الدينية؟

كريم مسكة: لا، بل سيكون مخصصًا لقصة أخرى، سيتم فيها التركيز على تجارة المخدِّرات أكثر من الدين. وعلى الرغم من ذلك فقد أصبح الأمر بالنسبة لي أكثر صعوبة بعد هجمات باريس. صحيح أنَّني لا أكتب رواية حول الجهاديين، إلاَّ أنَّ هذا الموضوع له دور فيها. في رواية "جاز العرب" كان هناك جزء كبير من العمل الروائي حول تغيير القصة، لأنَّني استلهمتها من أحد أئمة الأخوين كواشي. وقد كان هذا الإمام نموذجًا لدعاة الكراهية في روايتي هذه. وعلى الرغم من ذلك فقد ابتكرت قصة مختلفة، لا علاقة فيها بالإرهاب وكان يجب عليَّ أن اتتبعها.

الشرطة الفرنسية تقبض على أشخاص بتهمة إثارة الشغب في إحدى ضواحي باريس 2005.  (photo: picture-alliance/dpa)
مهمَّشون ومنبوذون - "حتى بعد عشرة أعوام من اضطرابات عام 2005 لا نزال نتعامل مع الإحباطات الأزلية نفسها لهذا الجيل الضائع في ضواحي المدن الفرنسية"، مثلما يقول كاتب الروايات البوليسية الموريتاني الفرنسي كريم مسكة.

في البداية كنت مخرج أفلام وثائقية. فلماذا بدأت في كتابة الروايات البوليسية؟

كريم مسكة: كنت أعرف دائمًا أنَّني سوف أكتب في يوم ما رواية. وبما أنَّني أحب الروايات البوليسية، فقد كان من الطبيعي جدًا بالنسبة لي أن أكتب رواية بوليسية. وبدأت الكتابة ومن ثم كان هذا الرجل أحمد (ملاحظة من المحرر: بطل الرواية) على شرفته. ثم كان لديَّ رجال الشرطة، وكان لا بدَّ لي من التفكير بمَنْ سيكون الجاني … وهلم جرا. وأحمد همس لي بذلك، وفي البداية استمعت إليه، وثم للآخرين. وهكذا عاشت القصة من شخوصها. لقد حاولت فقط أن ألتقط الصوت الصحيح.

لكن الأمر وقبل كلِّ شيء يتعلق في روايتك هذه بموضوع الهوية. أحمد يكافح مع نفسه، وحتى أنَّه يبلغ حدّ الاكتئاب ...

كريم مسكة: هو لا يكافح فقط مع هويته، بل يكافح مع الأشياء الفظيعة التي شاهدها. اكتئابه ينشأ عن مجموعة متنوعة من الأسباب الشخصية. ولكن بطبيعة الحال فإنَّ مسألة الهوية حاضرة دائمًا، وذلك لأنَّ والديه أصلهما من المغرب، بينما هو قد تربى في فرنسا. وهو لا يشعر بأنَّه عربي، بل كشخص عادي من باريس. عندما يكون المرء شخصًا عربيًا في فرنسا، فعندئذ يبقى السؤال حول الهوية مرافقًا له باستمرار. ويكون لا بدَّ له من أن يجد إجابة على هذا السؤال.

ماذا يعني أن تكون فرنسيًا وعربيًا في الوقت نفسه؟

كريم مسكة: بالنسبة لي يُعتبر معظم العرب الفرنسيين أولاً وقبل كلِّ شيء فرنسيين. وفي وطن آبائهم يعتبرون أجانب. وهم يشعرون بأنَّهم كذلك أيضًا. فعندما ينشأ المرء في بلد ما، فعندئذ يحمل معه هذه المشاعر والروائح والأصوات المميَّزة. رائحة المترو. والشعور بيوم ممطر من أيَّام شهر تشرين الثاني/نوفمبر في شوارع باريس. حيث يشاهد المرء برامج تلفزيونية غبية، مثل جميع الأشخاص الآخرين أيضًا. وهذا يؤثِّر على المرء للأبد. ومعظم العرب من أبناء جيلي هم فرنسيون، ولا يمكنهم أن يتصوَّروا العيش في المغرب أو الجزائر أو تونس. ولكن ليس من السهل على المجتمع الفرنسي تقبُّل ذلك.

 

حاورته: كلاوديا مينده

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2015 ar.qantara.de

 

ولد مخرج الأفلام الوثائقية وكاتب الروايات البوليسية كريم مسكة في عام 1964 لأب دبلوماسي موريتاني وأم فرنسية في مدينة أبيدجان (في ساحل العاج). ويعيش اليوم في باريس. تدور أحداث روايته الأولى الصادرة تحت عنوان "جاز العرب" في أحياء المهاجرين الكئيبة داخل الضواحي الباريسية. وفي عام 2014 حصل كريم مسكة عن هذه الرواية على "الجائزة الكبرى للأدب البوليسي" في فرنسا.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.