الكاتب يدعو إلى الإسلام الروحاني، أي الإسلام الخالص النموذجي المثالي ، لذلك أسمى كتابه (الإسلام عشقاً )، وهذا ليس خطأً من حيث شكل دعوته المشابهة في ذلك مع أي دعوة أخرى، فلا دعوة تخلو من نفحات إنسانية، عندما ينطلق الداعي من المفهوم الإنساني.
حوار مع الكاتب حسين شاويش حول كتابه "الإسلام عشقا"

التصوف جوهر الدين وحقيقة اليقين

إنه كتاب في الدين وفي الفكر السياسي في آن، لكنه يبتعد عن إستخدام لغة بعض الكُتّاب التراثية، التي تجاوزها الزمن، كما يبتعد، ترفّعا، عن استخدام لغة التحليلات السياسية أو التفسيرات الثقافية الجاهزة. ورغم ذلك فإن القارئ سيدرك المعرفة العميقة لمؤلّفه بالتراث الإسلامي، كما سيدرك، من خلال بناء الكتاب ومعالجته، معرفة مؤلفه الرصينة بالفكر الغربي. أحمد القاسمي حاور الكاتب لموقع قنطرة.

تبدو في كتابك هذا وكأنك تريد نقل النقاش إلى مكان آخر مختلف تماما، أو تعيد طرح سؤال ذي أولوية. فالخطاب في العالم الإسلامي الحديث، قبل أن "تستيقظ الفتنة الطائفية"، كان مهتما في عصر النهضة بمواءمة الإسلام، على عمومه، مع الحداثة. ثم تحوّل في وقت لاحق لرفض التراث الإسلامي، والتبشير إما بالشيوعية والفكر الماركسي، أو القومية العربية أو الليبرالية. هل كنا غافلين طيلة هذه المدة عن الطاقة الموجودة في التصوف الإسلامي؟

حسين شاويش: نعم. لا بد من نقل النقاش إلى صعيد آخر مختلف، وبأسئلة مختلفة أيضاً.  لقد كان سؤال نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين محكوماً بظروف الاجتياح الأوربي للشرق. كان "المفكّر الشرقي" في حالة لا يُحسَد عليها: فهو لا يستطيع إنكار أن هؤلاء المستعمرين أقوى بكثير وأكثر تمدّناً وخاصّة إذا زارهم في بلادهم، لكنّه في الوقت نفسه مُلزَم بمواجهتهم باعتباره لسان حال أمّته.

موقف المواجهة هذا وجدناه لدى الأفغاني ومحمّد عبده في مرحلته الأولى (قبل العودة إلى مصر 1888). وقد لخّصته جريدة "العروة الوثقى" التي كانا يرسلانها سرّاً من باريس (عام 1884). موقف المواجهة المذكور يمكن تلخيصه بضرورة توحيد دول الإسلام وطرد المستعمرين والتخلّص من نفوذهم من ناحية، والدفاع عن الإسلام ومحاولة إثبات أنّه "الدين الوحيد الذي تتم به سعادة الأمم" على حد تعبير الأفغاني في كتابه الوحيد "الرد على الدهريين" من ناحية أخرى.

وعندما كانوا يُسألون: ما دام الإسلام كذلك، فما هو سرّ تأخّر المسلمين؟ كان ثمة جوابان ممكنان أولهما أن ما يمارسه الناس هو نوع فاسد من الإسلام يجب تنقيته، والثاني هو أن هناك "سنن للتمدّن" جرت عليها أوربا وأهملها المسلمون وهم إذا طبّقوها سينهضون من غفوتهم.

وعندما فشلت الستراتيجية الأولى (المواجهة السياسية بتوحيد مواقف الدول الإسلامية ضد بريطانيا أساساً) لجأ محمد عبده إلى السياسة الإصلاحية التي تبدأ من إصلاح التعليم الديني في الأزهر. إذن فقد كانت "مواءمة الإسلام مع الحداثة" هي مجرّد دافع لا شعوري عند رائدَي النهضة، أمّا على صعيد الوعي فقد كانا سلفيين، يريدان أن يعيدا للإسلام نقاءه الأوّل، أي العودة إلى النصوص الأولى.

ليس من الصعب تتبّع مصائر هذا الخطاب من خلال الانتقال بين أجيال الأساتذة والتلاميذ: من الأفغاني إلى محمد عبده إلى رشيد رضا إلى حسن البنّا. الخطاب المضادّ قاده أتاتورك في تركيا وجماعة "مصر حِتّة من أوروبا" في مصر. يسمّيه الكثيرون خطاباً ليبرالياً رغم استبداديتة في معظم أشكاله وقد فشل في تجميع الناس حوله لأنّه كان أصلاً خطاباً إستلابيّاً ملخّصه: الآخرون متقدّمون ونحن متخلّفون فلنقلّدهم بكل شيء. وباعتبار أن الـ "كل شيء" غير ممكن فقد اكتفوا بالشيء الممكن وهو الشكليّات كاللباس مثلاً.

أما الخطاب اليساري سواء أكان ماركسيا أم قومياً فقد اعتبر أن خصمه هو التيّار الليبرالي كون التيار الإسلامي هو شيء ينتمي للتاريخ لا للقرن العشرين. لقد شخّص هؤلاء عدوّهم على أنّه الاستعمار والطبقات السائدة ولذلك كانت هزيمة حرب الـ 67 قاصمة لهم سياسياً وفكرياً في الوقت نفسه.

من هذه الخطاطة العامة لتطوّر الخطاب العربي-الإسلامي المعاصر نرى أن "البحث النقدي" في الدين نفسه ولأهداف نهضوية لم يجر - نوعياً لا كميّاً- حتى الآن. أقول هذا رغم الكم الهائل من البحوث الأكاديمية الحديثة التي نعرفها والتي يكاد يكون أبرز أسمائها محمد أركون وتلامذته.

دراستي في التصوّف الإسلامي تحاول إظهار ما سمّيته في سؤالك "الطاقة الموجودة" في التصوّف، على أنها ما علينا استبقاؤه من الدين زاداً للمواطن المتديّن من ناحية ووجهاً إنسانياً يمكن تقديمه للعالم من ناحية أخرى. وعلى أنها ستجعل ذلك المتديّن يبحث عن أسباب التمدّن – بتعبير الأفغاني- في مكانها الحقيقي كالتكنولوجيا والتعليم والعدالة الاجتماعية.. وليس في الدين، وكل ذلك دون أن يتخلّى عن تديّنه.

ما دفع الصحافي أحمد القاسمي لإجراء هذه المقابلة مع الكاتب حسين شاويش هو إعجابه بكتابه "الإسلام عشقا"، لكن الإعجاب لم يكن نتيجة لمزاج شخصي، بل لأنه يحتوي على طروحات جديدة يجدر بالعالم العربي والإسلامي الالتفات إليها. إنه أحد تلك الكتب التي لا تحقق أفضل الأرقام في المبيعات، لكنها تمارس تأثيرا عميقا على القرّاء والنخبة، وتُلهم كُتّاباً آخرين لمواصلة البحث في ميادين فكرية شبه منسية. ففي الكتاب اقتباسات من التراث الإسلامي، وكذلك اقتباسات في محلّها، وليست لغرض الاستعراض المعرفي، من الفكر الغربي.
ما دفع الصحافي أحمد القاسمي لإجراء هذه المقابلة مع الكاتب حسين شاويش هو إعجابه بكتابه "الإسلام عشقا"، لكن الإعجاب لم يكن نتيجة لمزاج شخصي، بل لأنه يحتوي على طروحات جديدة يجدر بالعالم العربي والإسلامي الالتفات إليها. إنه أحد تلك الكتب التي لا تحقق أفضل الأرقام في المبيعات، لكنها تمارس تأثيرا عميقا على القرّاء والنخبة، وتُلهم كُتّاباً آخرين لمواصلة البحث في ميادين فكرية شبه منسية. ففي الكتاب اقتباسات من التراث الإسلامي، وكذلك اقتباسات في محلّها، وليست لغرض الاستعراض المعرفي، من الفكر الغربي.

ما الذي سيحدث برأيك إذا ما عدنا للإسلام الصوفي الذي ذكرتَ في كتابك أنّه كان سائدا حتى بدايات القرن العشرين في البلدان الإسلامية؟ مع الأخذ بنظر الاعتبار كل التطورات الاجتماعية والحداثية التي طرأت على المجتمعات الإسلامية. هل يمكن أن تصبح الشعوب الإسلامية أكثر تسامحا، وهل لك أن توضّح لنا العلاقة بين التصوّف والتخلف المجتمعي؟ هذه مسألة أشرت إليها ضمنيا في كتابك، كما سبق لعبد الرحمن بدوي أن ربط بين ظهور التصوف في الإسلام والتخلف المجتمعي.حسين شاويش: لا يمكن العودة إلى الإسلام الصوفي الذي ساد شارع ما قبل الحداثة. التاريخ لا يعود إلى الوراء، رغم كل ما نشاهده من "ركودة تاريخية" في بلادنا. المطلوب من التصوّف هو تلبية حاجة المتديّنين إلى الشأن الروحي، وبشكل فردي إن أمكن، إذ أن المؤسسة الصوفية التقليدية (أي الطرق الصوفية المنظّمة) تستحقّ بلا شك معظم ما وُجّه إليها من نقد.

من المنظور البنيوي يمكن القول أن المؤسسة الدينية هي جزء من المجتمع تتخلّف بتخلّفه وتتقدم أيضاً بتقدّمه. وبهذا المعنى يجب النظر إلى البنية الاجتماعية ككل متكامل وتحرّي أسباب تخلّفها التاريخي. وهي أسباب سنجدها في المجال الديني كما في المجالات الأخرى. وإن ليس بالقدر نفسه من "االمسؤولية عن التخلّف" طبعاً.

سأضرب مثلاً هنا يساعد على فهم ما أعنيه: لماذا أدّت الهجرة من الريف إلى المدينة إلى ترييف المدينة وليس تمدين الريف كما يُفترض أن يحصل؟ لكنّ هذه القاعدة لا تعني أبداً نزع المسؤولية عن المؤسسة الدينية. إنها تحاول "مَوضعة" هذه المسؤولية. الدين مسؤول بنفس الدرجة التي يستطيع فيها التأثير بالناس وبطريقة تأثيره والمواضيع التي يتناولها في خطابه للناس. وهذا السبب الأخير هو الذي يعطي الأفضلية للخطاب الصوفي، فهو نظرياً على الأقل يركّز على فهم مختلف لمفهوم المقّدس وعلاقته بالفرد يجعل تلك العلاقة فردية بامتياز وروحية بامتياز. أي بالضبط ما نحتاج له للانتقال الى مجتمع يتقرّر فيه الولاء على أساس المواطنة لا الدين.

إذن فإن مسؤولية المؤسسة الصوفية القديمة عن تخلّف المجتمعات التي كانت سائدة دينيّاً فيها هي صحيحة بقدر إمكانية تأثير تلك المؤسسة على تلك المجتمعات والسؤال الأول هو لماذا نُبقي أي تأثير لأية مؤسسة دينية على المجتمع بهذا الشكل؟ والسؤال التالي هو كيف يتحوّل التصوّف من مؤسسة اجتماعية إلى قناعة دينية فردية.

أما عن موضوع التسامح فلا شك أن التصوّف أكثر تسامحاً من أمثاله من التيارات الدينية الأخرى. هذا إذا ظلّ مخلصاً لتلك الروح التي جعلت قائلهم يقول: "وقد صار قلبي قابلاً كل صورة". وعندما يعدّد تلك الصور يذكر أديرة الرهبان والتوراة ومعابد الأوثان. فالفلسفة الصوفية تجعل الناس جميعاً يعبدون "في الحقيقة" الإله نفسه. حتى ولو غيّروا من صورة المعبود.

لكنّ هذا لا يعني أبداً أنّ المتصوّفة كانوا بهذا التسامح دائماً في ممارستهم. لأنهم كانوا مشروطين بشروط المؤسّسة التي يتبعونها (الطريقة) وسياسة شيخها والتي كانت جزءاً من المجتمع نفسه بظروفه التاريخية.. وإذا أردنا المقارنة بينهم وبين خصومهم فعلينا أن نراعي هذا الظرف. قارن الخطاب الوهّابي بالخطاب الصوفي في الظروف نفسها مثلاً.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.