حوار مع المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه

"إسرائيل تخشى ديمقراطيات عربية فاعلة في فلسطين"

ينتقد المؤرخ الإسرائيلي والأستاذ في جامعة إكسيتر البريطانية إيلان بابيه، في حواره التالي مع عمران فيروز لموقع قنطرة، السياسة الأحادية الجانب لحكومة نتنياهو، والتي ما تزال تتمسك بالسيطرة على كامل فلسطين التاريخية وتحيي عودة الأنظمة العربية القمعية.

أقرت الحكومة الإسرائيلية مؤخراً (مارس/ آذار 2016) بناء وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية. في ذات الوقت، ما يزال الساسة في أوروبا والولايات المتحدة يؤمنون بحل الدولتين. ما هي واقعية هذا التصور في الوقت الراهن؟

إيلان بابيه: لا أرى أن ذلك واقعي. على الأرض، فإن حل الدولتين لم يكن واقعياً منذ عام 2000 أو حتى قبل ذلك. السبب في ذلك هي الحقائق التي لا يمكن تغييرها على الأرض والتي خلقتها إسرائيل. هناك أجزاء كبيرة من الضفة الغربية ما تزال مستوطنة، ولذلك من غير الممكن فعلياً إقامة دولة هناك. هذا أحد الأسباب التي تجعل حل الدولتين غير واقعي.

أما السبب الآخر فيتلخص في أنه حتى إذا أراد الطرفان ذلك لفترة قصيرة، فإن ذلك لن ينهي الصراع القائم. حل الدولتين لا يهدف إلى إيجاد حل للمشكلة الرئيسية للصراع في إسرائيل وفلسطين. هذه المشكلة هي أن الفلسطينيين والإسرائيليين لا يعيشون كمواطنين متساوي الحقوق على الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط.

المشاكل الفعلية هي نظام الأبارتهايد الإسرائيلي والاستعمار الاستيطاني، بالإضافة إلى التطهير العرقي الذي مارسته إسرائيل في الماضي. هذه المشاكل لا يمكن حلها عن طريق الدولتين. بدلاً من ذلك، يجب التركيز على هيكلية سياسية توقف الاستراتيجيات والأيديولوجيات الحالية وتأثيرها على العلاقة بين الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية.

أنت تنشط من أجل دولة ثنائية القومية كحل للصراع. ما هو تصورك لمثل هذا الحل في ظل الظروف الحالية في إسرائيل وفلسطين؟ وكيف ستبدو الحياة اليومية في مثل هذه الدولة؟

بابيه: لست متأكداً من أن هذه الدولة ثنائية القومية ستكون ممكنة، ولا أعرف ما هو شكل حل الدولة الواحدة الذي سنعيشه. أميل إلى تفضيل إسرائيل ديمقراطية. لا أعتقد أن دولة ثنائية القومية هي أفضل الحلول، ذلك أن النزعة القومية لدى الطرفين قوية جداً، وهذه خطوة مهمة جداً باتجاه دولة ديمقراطية. من الصعب تصور شكل الحياة في مثل هذه الدولة، إلا من المؤكد أننا نتجه إلى نموذج قريب من حل الدولة الواحدة.

الضفة الغربية
"أرخبيل" فلسطين: يرى إيلان بابيه أن "على الأرض لا يبدو حل الدولتين واقعياً منذ عام 2000 أو حتى قبله، والسبب هي الحقائق غير القابلة للتغيير التي خلقتها إسرائيل. أجزاء كبيرة من الضفة الغربية مستوطنة، وبالتالي من غير الممكن فعلياً إقامة دولة هناك. في الوقت الراهن تسيطر إسرائيل على كافة فلسطين التاريخية".

في الوقت الراهن تتحكم إسرائيل في كامل فلسطين التاريخية. الفلسطينيون يعيشون في ظل القوانين الإسرائيلية، بالإضافة إلى صنوف متعددة من القمع. أحد أسوأ أنواع هذا القمع يمكن مشاهدته في قطاع غزة، حيث يخنُق الاحتلالُ الناسَ هناك. كما أن ظروفاً مروعة تسود ما تسمى بمناطق "أ" و"ب" في الضفة الغربية، حيث يحرم الأفراد من كافة الحريات، إذ لا يسمح لهم بالتحرك بحرية داخل هذه المناطق أو خارجها. كما أن ظروفاً مشابهة تمر بها مناطق "ج". لذلك، فإن هذه ليست الدولة التي نريد، وهي أيضاً ليست دولتين.

نحن ندرك ما لا نريد رؤيته وهذا مهم للغاية. لا نريد أن نرى الفلسطينيين يفقدون أراضيهم. لا نريد أن نرى التمييز ضدهم من خلال قوانين مختلفة. لا نريد أن نرى منازلهم تدمر. لا نريد أن نرى كيف يزجّ بهم في السجون أو يطاردون أو يقتلون دون أي قرار محكمة.

عندما نبدأ بمنع هذه الانتهاكات، فإن ذلك سيكون خطوة مهمة وبداية لإقامة دولة مشتركة. ليس بالضرورة تسمية ذلك حل الدولة الواحدة. هذا نضال عادل من أجل حقوق الفلسطينيين. طالما تم تأمين هذه الحقوق - وهذا يتعلق أيضاً بحق العودة للاجئين الفلسطينيين - سيكون لدينا تصور إيجابي حول حياة الناس في ظل ظروف عادلة ومتساوية.

لقد استخدمت مصطلحات مثل "أبارتهايد" و"الاستعمار الاستيطاني". من الصعب في أوروبا استخدام مثل هذه المصطلحات عند الحديث عن هذه القضايا. لماذا تصف السياسة الإسرائيلية بالاستعمار الاستيطاني؟

بابيه: بالطبع من الصعب استخدام هذه الكلمات. السبب في ذلك هو أنها تصف أموراً حاولت إسرائيل لسنوات إخفاءها. لكنني أعتقد بأن المزيد من الناس باتوا يدركون ما الذي يحصل هناك. لا يمكن للمرء وصف ذلك بالديمقراطية، مثلما لا يمكن لأي أحد إنكار جذور الأيديولوجية الصهيونية. إن استخدام لغة مناسبة وجديدة هو تحدٍّ من أجل التحلل من اللغة القديمة المعتادة. الأمر يتعلق بجدل لدى المثقفين والناشطين. أعتقد بأننا نرى في هذا المجال نتائج أفضل مقارنة بالماضي.

استعمار المستوطنين حركة قام بها أوروبيون تركوا أوروبا لأسباب مقنعة. وبغض النظر عن كونهم مسيحيين أو يهوداً، فقد اضطروا للمغادرة لأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان. لذلك، لم يكن هؤلاء يبحثون عن محل إقامة جديد، بل عن وطن جديد أيضاً. وبسبب الحركات التي سبقت الحركة الصهيونية، فقد كان السكان الأصليون في الأوطان الجديدة هم من عانوا. بالنسبة للاستعمار الاستيطاني في أمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا، قام الأوروبيون بالقضاء على السكان الأصليين وارتكبوا جرائم إبادة جماعية بحقهم. أما في جنوب أفريقيا، فقد أقيم نظام الأبارتهايد ووقعت حالات تطهير عرقي. هذه الوسائل كانت قريبة من تلك التي استخدمها الصهاينة الذين استوطنوا فلسطين. لذلك، فإن وصف الصهيونية بالحركة الاستعمارية الاستيطانية له أساس علمي. فالكثير من الدول حول العالم نشأت من نشاط استعماري استيطاني، ولكن إسرائيل الدولة الوحيدة التي تنكر ذلك.

بفضل العدد الكبير من الدراسات التي أجريت في السنوات العشر الماضية، بات الأبارتهايد في إسرائيل واضحاً للعيان. بالطبع هناك فروق بين إسرائيل وجنوب أفريقيا، ولكن هناك قواسم مشتركة كثيرة أيضاً. يمكن النظر إلى ذلك كأحد الأوجه المتعددة للأبارتهايد. الأبارتهايد ليس النموذج الوحيد، ولكن ما يجمع النماذج كلها هو رفض المساواة.

Siedlungsbau Kirjat Arba bei Hebron; Foto: picture-alliance/landov/D. Hill
بناء مستمر: تخلت إسرائيل عن تحفظها النسبي بخصوص توسيع المستوطنات في الأراضي المحتلة. بحسب ما ذكرت منظمة "سلام الآن" الحقوقية، فقد وافقت وزارة الدفاع الإسرائيلية في يناير/ كانون الثاني 2016 على بناء 150 وحدة استيطانية في أربع مناطق بالضفة الغربية. وبذلك أنهت إسرائيل فترة وقف غير رسمية للبناء دامت 18 شهراً.

في السنوات الماضية شهدنا الثورات العربية في العالم الإسلامي. ما هو موقف إسرائيل من تلك التغيرات؟

بابيه: أعتقد أن إسرائيل كان في البداية قلقة للغاية من التطورات في العالم العربي، خاصة عندما أدركت أن تلك التغيرات قد تكون ديمقراطية، ذلك أن عالماً عربياً ديمقراطياً هو أسوأ سيناريو يمكن أن تتصوره إسرائيل، لأن ذلك سيعني أن الشعوب ستطالب حكوماتها بلعب دور أكثر فاعلية في فلسطين. إضافة إلى ذلك، ستخسر إسرائيل مكانتها الخاصة في الشرق الأوسط، والتي استفادت منها بشكل كبير حتى يومنا هذا.

لكن حالياً بدأ الانطباع يتولد بأن الأنظمة القمعية عائدة وقد تكون أكثر قمعية مما سبق. الأمثلة على ذلك هي مصر وسوريا. هذا يفيد الحكومة الإسرائيلية، التي تستفيد أيضاً من ظهور ما يسمى بـ"الدولة الإسلامية"، لأنها تناسب الرواية الإسرائيلية. "الدولة الإسلامية" تصرف الأنظار عن فلسطين، وتقوم أيضاً بخلق صورة عن الإسلام لطالما تمنتها إسرائيل. كما أن إسرائيل، بذلك، يمكنها تسويق نفسها كـ"آخر حصن" للغرب في الشرق الأوسط.

في هذا السياق تعتبر التطورات فيما يتعلق بإيران مهمة. فبعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية، يبدو أن الأوروبيين والأمريكيين راضون عن علاقتهم الجديدة مع إيران. هل ينطبق ذلك على إسرائيل أيضاً؟ لاسيما وأن نتنياهو قد وصف إيران مراراً بأنها تهديد أكبر للمنطقة من "داعش".

بابيه: في هذا السياق من المهم التفريق بين الحكومة الإسرائيلية والمواطن العادي. أغلب الإسرائيليين ينامون مطمئنين ولا يخافون من إيران، لأن حملة الترهيب التي قامت بها الحكومة لم تكن ناجحة في هذا الصدد. السبب في ذلك هو أن تأكيد رئيس جهاز الموساد (المخابرات الإسرائيلية) وعدد من القيادات الأمنية بأن إيران لا تشكل خطراً. وبهذا لم تتفق النخبة العسكرية مع السياسية هذه المرة.

إن حكومة نتنياهو ليست سعيدة بالاتفاق النووي، ذلك أن إيران شكلت في الوقت الذي سبق هذا الاتفاق فزاعة مفيدة ألهت الأنظار عن الأوضاع في فلسطين. أما بقية المجتمع الإسرائيلي فيبدو سعيداً بهذا الاتفاق.

في الوقت الراهن نلحظ فشل أو سقوط عدد كبير من الدول العربية السنية. وفي ذات الوقت، تبدو إيران لاعباً مستقراً. هل تعتقد بأن إيران ستلعب في المستقبل دوراً مهماً في الحل بين إسرائيل وفلسطين؟

بابيه: يتعلق الكثير بإيران بكل تأكيد. لكنني أعتقد بأننا لن نشهد تغيرات كثيرة طالما بقي آية الله خامنئي مسيطراً على مقاليد الحكم. التطورات التي ستعقب وفاته ستكون مثيرة للاهتمام. لكن في الوقت الراهن تبدو إيران وكأنها غيرت خطابها فقط وليس سياستها. يمكن لهذه الدولة أن تلعب دوراً بناءً أكثر، خاصة في سوريا والعراق وفلسطين أيضاً. صحيح أن الدول السنية العربية فشلت في كثير من الأمور، وأن عودة الصراع السني الشيعي تخدم إسرائيل. لذلك فإن أي قوة سياسية مستقرة تريد الاستقرار للشرق الأوسط ومساعدة الفلسطينيين عليها ترك كل ذلك خلفها.

Abschluss der Atomverhandlungen mit dem Iran in Wien; Foto: Mehr
إيران... فزاعة مناسبة صرفت الأذهان عن الأوضاع في فلسطين: يقول بابيه إن "حكومة نتنياهو لم تكن سعيدة بالاتفاق النووي، ذلك أن إيران شكلت في الوقت الذي سبق الاتفاق فزاعة مناسبة صرفت الأذهان عن الأوضاع في فلسطين. أما بقية المجتمع الإسرائيلي فيبدو راضياً عن الاتفاق".

الشرق الأوسط ذو ديناميكية سريعة ويتغير بين ليلة وضحاها. لا يمكن للمرء التنبؤ بالتغيرات التي ستطرأ عليها خلال أسبوع أو شهر. كيف تتعامل إسرائيل مع هذه التغيرات؟

بابيه: في الوقت الراهن يسود في إسرائيل نظام سياسي يميني، ولا توجد أي فرصة لصعود حكومة يسارية أو ليبرالية في المستقبل القريب. التوجه السياسي للحكومة الإسرائيلية الحالية يعكس ما هو سائد في إسرائيل بشكل عام. هذا التوجه واضح للغاية، وهدفه هو بناء دولة عرقية أيديولوجية - إسرائيل الكبرى - وهذا أهم من الديمقراطية ذاتها. كما أنه أهم من الحفاظ على علاقات جيدة مع بقية العالم. وفي ذات الوقت، تسعى إسرائيل للتخلص من الفلسطينيين.

إسرائيل تدرك بشكل جيد أيضاً كيف تقنع النخب العربية في الشرق الأوسط بأهدافها، طالما بقيت الظروف المأمولة على ما هي عليه. لكن مشكلة إسرائيل هي أن العالم لا يتكون فقط من الساسة الساخرين. هناك العديد من الحركات الحقوقية الأهلية ومنظمات المجتمع المدني. كما أن هناك الإنترنت وشعوب الدول الغربية غير الراضية عن سياسة إسرائيل. على إسرائيل مواجهة هذه الحقائق. قد تكون لديها القوة العسكرية والاقتصادية لتحمل ذلك، ولكن الدعم بات يتراجع، حتى من كثير من اليهود.

على النخبة السياسية في إسرائيل طرح هذا السؤال على نفسها: ما هي إسرائيل المستقبلية التي تريدها؟ لسوء الحظ، يبدو الأمر بالنسبة لها حالياً سيئاً. وعلى ما يبدو، فإنها تريد الدولة كما هي الآن: دولة يسود فيها الأبارتهايد وتداس فيها حقوق الفلسطينيين بالأقدام. هذا الوضع ليس مؤقتاً، بل يبدو وكأنه المستقبل. لذلك، فإن مسؤولية التغيير تقع على عاتق بقية العالم. يجب على الولايات المتحدة وأوروبا أن تسأل نفسها بخصوص الاتجاه الذي ستسير فيه مستقبلاً، خاصة وأن إسرائيل أكثر اقتناعاً بنهجها السياسي من أي وقت سبق.

 

حاوره: عمران فيروز

ترجمة: ياسر أبو معيلق

حقوق النشر: موقع قنطرة ar.qantara.de 2016 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.