دعوات مقاطعة مونديال قطر 2022

الاقتصار على انتقاد قطر لا يكفي لتحسين حقوق الإنسان

انتقادات وصلت إلى دعوات لمقاطعة المونديال تعرضت لها قَطَر أثناء تحضيرها لبطولة العالم لكرة القدم 2022 بسبب ظروف لاإنسانية كابدها عمال وافدون. لكنها دعوات تتجاهل خطوات تحسين أوضاع العمال بل وتتجاهل مشاكل أساسية يعاني منها نظام الهجرة الدولي. تحليل الباحث الألماني سيباستيان زونس لموقع قنطرة.

قبيل بدء مباريات التصفيات المؤهلة لكأس العالم لكرة القدم عرضت المنتخبات الألمانية والهولندية والنرويجية رموزًا انتقادية وتضامنية أكدت من خلالها على حقوق الإنسان، مرسلةً إشارة واضحة إلى قطر، الدولة المضيفة لمونديال 2022.

وتتعرض قطر منذ سنوات لانتقادات بسبب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان فيها وتعرض العمال لحوادث في مواقع بناء المنشآت الخاصة بالمونديال. وقد انتقد لاعبون ألمان، ومنهم توني كروس ويوشوا كيميش، أوضاع العمال في قطر بشدة، كما تزايدت خلال الأسابيع الأخيرة الدعوات من جهات مختلفة لمقاطعة المونديال.

انتقادات معيارية من منظور أوروبي ضيق

تُقابل هذه الاتهامات بالرفض في دول الخليج. إذ ينظُر إليها خلال المناقشات مع زميلات وزملاء من قطر أو من المملكة العربية السعودية أو من الإمارات العربية المتحدة على أنها انتقادات أصولية معيارية مبنية على نظرة أوروبية ضيقة لا تهمها مصالح المهاجرين في حقيقة الأمر، بل تنطوي على عنصر كراهية الإسلام يتم إخفاؤه بالقول بأن قطر ليست دولة ذات ماضٍ كروي على كل حال، وهذا لوحده سبب كافٍ لكي لا يُسمح لها بأن تستضيف المونديال.

ولذلك تُفهم الانتقادات الموجهة إلى الظروف في قطر على أنها تعبير فاضح عن ازدواجية المعايير المنافقة للغرب الذي لن يهنأ له بال قبل أن يحرم العالم العربي من الاستمتاع باستضافة كأس العالم. وكان رئيس الوزراء القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم بن جابر آل ثاني قد وجه بالفعل انتقادات مماثلة ضد اتهامات الفساد في العام 2015.

عنف هيكلي ضد العمال الوافدين

ويمثل كلا المنظورين -انتقاد ظروف العمال الوافدين في قطر وردود الفعل عليه- تعبيرًا عن جدل سياسي عنيف، ويحولان دون إجراء نقاش بنّاء يتناول الظواهر المتباينة للعنف الهيكلي ضد المهاجرات والمهاجرين.

إذ لا يسأل أحد عن أحوال ملايين العمال الوافدين الذي يعانون ليس فقط في قطر وإنما أيضًا في غيرها من دول الخليج، ممن أتوا من [دول مختلفة من] آسيا ومن أفريقيا وكذلك من الدول العربية المجاورة، ولا يزالون يعملون تحت وطأة ظروف عمل صعبة.

وتعزى هذه الظروف قبل كل شيء إلى نقص في القوانين التي تضمن أمن وحقوق العمال الوافدين وإلى [الدور الذي تقوم به] مافيات التوظيف الإجرامية وجماعات الضغط ذات النفوذ.

ويعود أساس المعاملة الظالمة التي يلقاها العمال الوافدين في قطاعات البنى التحتية والخدمات وفي الخدمة المنزلية إلى نظام الكفالة بصورة خاصة، إذ يضع هذا النظام الكفيل وصاحب العمل في مواجهة المهاجرات والمهاجرين ضمن ميزان قوى غير متكافئ. ولطالما سمح نظام الكفالة للكفيل بانتزاع جوازات سفر العمال الأجانب عند دخولهم البلد المضيف، وبحرمانهم من أيام العطل ومن زيارة أوطانهم أو من إمكانية تغيير مجال عملهم.

 

 
 
وتشّكل تقارير الاعتداءات الجنسية والنفسية، لا سيما تلك التي ترتكب بحق مُسْتخْدمي الخدمة المنزلية، إلى جانب التقارير التي تتحدث عن ممارسة تمييزية ممنهجة بحق عمال البناء الأجانب في مواقع منشآت كأس العالم، ضغطًا متزايدًا على حكومات الخليج لإصلاح الوضع القانوني [لليد العاملة الأجنبية].

رد فعل قطر إزاء الضغط الدولي

وقد استجابت قطر لهذا الضغط الدولي بصورة خاصة خلال السنوات الأخيرة، من خلال اتخاذ تدابير أفضل لحماية حقوق المهاجرين، إلا أن منظمات حقوق الإنسان ترى -وهي محقة في ذلك- أن هذه الإصلاحات غير كافية، وبأنها لا تمثل إلغاءً كاملًا لنظام الكفالة. ولكن ذلك لا يمنع من النظر إلى وضع العمال الوافدين في قطر بطريقة مختلفة.

إذ تبدي الحكومة القطرية اهتمامًا تامًا بتحسين الإطار القانوني للعمال الوافدين بالتعاون مع الشركاء الدوليين؛ وعلى عكس دول الخليج الأخرى، سُمح لمنظمة العمل الدولية بفتح مكتب لها في قطر؛ وعلاوة على ذلك، أحدثت الحكومة القطرية قانون الحد الأدنى للأجور وأنظمة الشكاوى للعمال الوافدين وأدخلت تدابير السلامة المهنية للعاملين في المنازل أو لتسهيل قيود السفر للمهاجرين؛ وهي إجراءات لاقت ترحيب منظمة العمل الدولية بوصفها خطوات إيجابية [في سبيل ضمان حقوق العمال الوافدين].

وقد أقرت منظمات حقوق الإنسان أيضًا بهذه التغييرات، إلا أنها ما زالت تطالب بمزيد من التحسينات، لا سيما في يتعلق بمجال التطبيق [لهذه الإصلاحات على أرض الواقع].

خطاب جديد لتناول موضوع هجرة اليد العاملة

وقد أسهم الضغط الدولي على قطر بوصفها الدولة المضيفة لكأس العالم 2022، وكذلك الانفتاح على العالم، في تغيير نمط التفكير السياسي والاجتماعي في قطر بدون شك، إذ لا يزال وعي بأن معاملة المهاجرات والمهاجرين بطريقة غير متكافئة [مع ابن البلد] هي معاملة عادية، وبأن رفضهم أو إقصاءهم على أساس كره الأجنبي هو وعي سائد في جميع دول الخليج لأسباب متنوعة؛ ومع ذلك، بدأ نعت المهاجرين بأنهم "طفيليات" تسرق الوظائف النادرة من القوى العاملة المحلية يواجه تحديًا من جهات مختلفة.

فبعد وصم المهاجرين بأنهم حَمَلَة الفيروس وطرد الآلاف منهم نتيجة تفشي جائحة كورونا، ظهرت حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تسلط الضوء على أهمية المهاجرين بوصفهم جزءًا لا يتجزأ من المجتمعات الخليجية العربية، وطالبت هذه الحملات بالتضامن مع الأخوات والإخوة المسلمين.

كما تحاول بعض المبادرات المحلية المتفرقة وبعض المؤسسات الخاصة مواجهة سوء الأوضاع الاجتماعية للمهاجرات وللمهاجرين عبر تقديم المساعدة لهم.

 

 

أضف إلى ذلك أن الحكومة القطرية والحكومات الخليجية الأخرى قد أدركت هي الأخرى بدورها أن سوء معاملة المهاجرين قد أضر بسمعتها الدولية بشكل كبير، بما في ذلك ما قد يقوض أهدافها الطموحة لتنويع اقتصاداتها المعتمدة على النفط، ولجذب الاستثمار الأجنبي وخلق الوظائف الجديدة.

وفي ضوء ذلك، من شأن التغييرات التي تم إحداثها أن تلعب دورًا في تحديد موقع العلامة التجارية الخليجية عالميًا، وهي مسألة لا ينبغي التقليل من شأنها.

فمن شأن ذلك أن يخفف من حدة الانتقادات الدولية من ناحية، وأن يؤمن نموذج العمل الخاص بهذه الدول من ناحية أخرى. ومن هذا المنطلق، فإن مقاطعة كأس العالم لن تأتِ بعد فوات الأوان فحسب، بل ستقوض أيضًا إرادة الإصلاح التي انطلقت لتوها في دول الخليج وتقوي حجج معارضي الإصلاحات في هذه الدول.

حاجة الدول المصدرة لليد العاملة للتحويلات المالية

علاوة على ذلك، فإن التركيز الأحادي البعد على أوضاع العمال الوافدين في قطر [لوحدها] يحوّر المشهد العام لأوضاع العمال الأجانب وظروف حياتهم الصعبة المحفوفة بالمخاطر ضمن عملية الهجرة برمتها.

إذ لا يزال كثير من المهاجرين يعيشون تحت ضغط وجودي قاسٍ يضيِّق الخناق ليس فقط على سُبل عيشهم فحسب، بل أيضًا على سبل عيش أسرهم بأكملها، بما يجبرهم على البقاء في دول الخليج. إذ يبلغ متوسط دخل الفرد في المملكة العربية السعودية أربعة أضعاف نظيره في بعض الدول المصدرة لليد العاملة مثل باكستان.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة