الكاتبة الأفغانية الأمريكية نادية هاشمي.

رواية الأفغانية الأمريكية نادية هاشمي "شرارات كالنجوم"
أفغانستان هي الوطن أيضا

استعادة ذكريات أفغانية ظلت مدفونة لأربعين سنة: في كتابها "شرارات كالنجوم" تسحب الروائية وطبيبة الأطفال الأفغانية الأمريكية نادية هاشمي القارئ خلف ستارة التاريخ الحديث ليختلس النظر على تأثير الحرب والإرهاب على الحياة الفردية، وعلى تعامُل مع صدمة مدمرة وتعالُج تدريجي منها. ريتشارد ماركوس قرأ الرواية وراجعها لموقع قنطرة.

اسم أفغانستان مرتبط بالنسبة لمعظمنا بالتطرف الديني والإرهاب والحرب، غير أنّ أفغانستان بالنسبة للعديد من الناس هي الموطن أيضاً. وفي كتاب نادية هاشمي، فإن الشخصية المعنية هي: سيتارا زماني، وهي ابنة كبير مستشاري سردار داوود، الرئيس الأفغاني قبل الغزو السوفييتي. حياة سيتارا مميزة، فهي تعيش في القصر الرئاسي مع صديقتها المقربة، حفيدة داوود، ويدّللها الجميع، من الحراس المسلحين إلى الموظفين الدبلوماسيين.

كما أنها طفلة فضولية نضجت مبكراً وتفعل ما بوسعها لاستراق السمع إلى أحاديث الكبار. فمن خلال أذنيها نسمع كيف تدور الحرب الباردة بين الروس والأمريكيين في أفغانستان، حتى قبل الغزو السوفييتي في عام 1980. وكيف يقول والدها أنه في كل مرة تدفع الولايات المتحدة أو يدفع الاتحاد السوفييتي نقوداً من أجل تشييد سد أو جزء آخر من البنية التحتية، يتوجب على الطرف الثاني فعل شيء أفضل. توصّل الرئيس داوود ومستشاروه إلى أنهم إن استطاعوا الإبقاء على الحرب الباردة بين القوتين العظميين فسيكون الوضع في صالح أفغانستان بجميع الأحوال.

بيد أن ذلك انتهى فجأة حين أطاح انقلاب مدعوم من الشيوعية بداوود في عام 1979. لحسن الحظ، تسلّلت سيتارا من غرفة النوم التي تتشاركها مع والديها وشقيقها في القصر الرئاسي لأنها لم تستطع النوم، ولذلك لم تُقتل حين انقلب حرّاس القصر على الرئيسِ. لم ينقذها من السجن أو الموت سوى أنّ أحد الحراس هرّبها من مجمّع القصر الرئاسي. وبعد أن أبقاها في شقته لبضعة أيام مع عائلته، سلّمها لامرأة أمريكية تعملُ في السلك الدبلوماسي الأمريكي في كابول.

الغلاف الإنكليزي لكتاب "شرارات كالنجوم" (أو "سباركس لايك ستارز") للكاتبة الأفغانية الأمريكية نادية هاشمي. Cover of Nadia Hashimi's "Sparks like Stars" (published by Harper Collins)
قصة جريئة ومفجعة للقلب لكنها مضيئة ومفعمة بالأمل: في كتابها "شرارات كالنجوم" (بالإنكليزية "سباركس لايك ستارز") تسلط الكاتبة الأفغانية الأمريكية نادية هاشمي الضوء على قصة وطن -هو: أمريكا وأفغانستان- وعلى مأساة ونجاة، وتستعيد الذكريات.

ومن هناك تتعقبُ هاشمي رحلة سيتارا إلى الولايات المتحدة والتي كانت مروعة إلى أقصى درجة، وبوصفها الناجية الوحيدة من إحدى العائلات الحاكمة فهناك ثمن مقابل قتلها. وبعد العديد من تقلّبات القدر، بما فيها مدة قصيرة في دار للرعاية لكنها قاسية، تستقرُّ في نهاية المطاف في الحياة في أمريكا مع والدتها بالتبني، وهي المرأة التي أخذتها أول مرة في شوارع كابول.

اسم جديد، وحياة جديدة؟

 

تعيش سيتارا في أمريكا تحت اسم أختها أريانا، التي ولدت في أمريكا، بيد أنها توفيت في سن الطفولة، ولكن شهادة ميلادها الأمريكية أتاحت لسيتارا الحصول على جواز سفر تحتاجه بشدة. تصبح سيتارا طبيبة أورام ناجحة. تعتقد سيتارا، وهي تختبئ من ماضيها خلف اسم جديد وحياة جديدة، أنّ الأهوال التي عاشتها أصبحت خلفها بالفعل.

في حين عاد جزء من ألمها إلى الظهور بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر في أمريكا، حين بدأت البلاد بموجة من الحماسة القومية بمهاجمة أفغانستان، على الرغم من أن غالبية الخاطفين كانوا من المملكة العربية السعودية، إلا أن مريضاً جديداً (بعد مضي عدة أعوام)، يخترق، كالمطرقة، حواجزها الواقية. كيف كان لها أن تتوقع أن الحارس ذاته الذي أنقذها، والذي لا تزال تلومه على موت عائلتها، سيظهر في مكتبها؟

انفجر ألمها وغضبها اللذان اعتقدت أنهما ماتا ودُفِنا، انفجر الضرر الذي ألحقته بها صدمة طفولتها. وفي موعده التالي، تواجه الحارس السابق، وتطالبه بأن يخبرها إلى أين أخِذت جثتَيْ والديها وإن كان قد أطلق النار عليهما. وتصل إلى حد الذهاب إلى عنوان منزله ومواجهته في شقته، مطالبة بإجابات لا يمكنه أن يمنحها إياها.

وحتى قبل هذه الحادثة، تعطينا الهاشمي أدلة على مدى هشاشة أريانا. كما تمنحنا ومضاتٌ صغيرةٌ في أنحاء القصة مؤشراتٍ على وجود مشاكل قادمة. فعلاقتها المصممة بدقة مع حبيبها والتي لا تسمح لها بقضاء وقت طويل معه ما هي إلا مؤشر على الإحجام عن علاقة حميمة وهذا أمر شائع يعاني منه المصابون باضطراب ما بعد الصدمة.

يترافقُ هذا مع عدم قدرتها على إخبار الناس حول الحقيقة عن هويتها ومن أين أتت، ويرسم كل هذا صورة واضحة عن شخص مصاب بصدمة عميقة. فهي تعيش من أجل عملها فحسب. وعندما يطلُّ ماضيها برأسه القبيح في ملاذها الذي من المفترض أن يكون آمناً، يدمِّرُ عالمها المبني بعناية.

إعادة النظر في الصدمة

 

وفي حين أنّ والدتها بالتبني قد تقاعدت منذ زمن طويل من السلك الدبلوماسي الأمريكي، إلا أنها لا يزال لديها معارف. عندما يخبرها أحد معارفها هؤلاء، أنّ الحكومة الأفغانية الحالية تبدأ بعملية حفر قبور الذين قُتِلوا في الانقلاب الذي قتل عائلتها، تصرُّ أريانا على العودةِ إلى أفغانستان لترى إن كانت جثث أهلها وشقيقها من بين الجثث المستردَّةِ.

لا يوجد أي شيء مشترك بين ذكرياتها حول أفغانستان حين كانت طفلة وبين البلدِ الذي دمرته ما يقارب من 40 عاماً من الحرب المستمرةِ. وما تتذكره من أحياء كابول المزدهرة والصاخبة، ما هو الآن إلا أنقاض محطمة تتناثرُ فيها جثث السيارات المهجورة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة