سوريون في ألمانيا ذوو إعاقة واحتياجات خاصة

"الدولة الإنسانية في مقابل الدولة الحيوانية"

محرك التعامل مع ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة يجب أن يكون أخلاق الواجب لا أخلاق الشفقة والرأفة، كما يرى الكاتب السوري منصور حسنو، مستكشفاً حال ذوي الحاجات الخاصة تاريخياً في الثقافة الشرقية والإسلامية وفي الثقافة الغربية والمسيحية الكنسية، ومقارناً كشاهد عيان بين حال سوريين ذوي احتياجات خاصة في ظل "رحمة دولة حديثة ألمانية خرجت من سطوة النازية ولعنة دولة ديكتاتورية كدولة الأسد السورية".
"أحياناً من كثرة الاهتمام بي، أخجل من حالي"، بهذه الكلمات عبّر محمد -البالغ من العمر 50 عاماً- عن شعوره، حين سألته: "كيف تجد العناية بك في ألمانيا بسبب وضعك الصحي وعجزك عن المشي؟".
 
صورة لشخص يفتح المصحف: القرآن الكريم
"التعامل مع ذوي الإعاقة بأخلاق الواجب لا بأخلاق الشفقة والرأفة": يكتب منصور حسنو: "لا شك أنّ الإسلام اهتم بذوي الإعاقة وحثت النصوص الدينية والنبوية على المعاملة الحسنى بهم. فالخليفة عمر بن عبد العزيز قد حث علي إحصاء عدد المعاقين في الدولة الإسلامية ليخصص لهم رواتب من بيت المال، ووضع الإمام أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي تشريعا يقضي بأن بيت مال المسلمين مسؤول عن النفقة على ذوي الإعاقة، أما الخليفة الوليد بن عبد الملك فقد بنى أول مستشفى للمجذومين. وحتى أنّ هناك نصا دينيا يعاتب النبي عندما انصرف عن أحد ذوي الاحتياجات الخاصة واهتم بزعيم من زعماء قريش (عبس وتولى أن جاءه الأعمى)، وهو ما ترك أثراً في نفسية النبي محمد ليجعل أحد هؤلاء المعاقين بصريا والياً على المدينة في يوم ما. ويضيف: "ولكن المتأمل بموضوعية وإنصاف لحال الثقافة الشرقية مع ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة يدرك أنّ المحرك لهذه العلاقة -بين المجتمع والدولة من جهة وبين المعاقين من جهة ثانية- هو محرك الشفقة وأخلاق الرأفة وليس أخلاق الواجب بالمفهوم الحديث والفلسفي. ولا يزال المسلم يرى في ذوي الإعاقة فرصة لكسب الأجر والدعاء وطلب البركة".
ليس محمد وحده من أخذته الدهشة هنا في ألمانيا ودول الاتحاد الأوربي عن الفارق الكبير في الاهتمام والعناية بذوي الحاجات الخاصة عمّا كان عليه الحال في سوريا:
 
فمن الكراسي المجهزة بتقنيات عالية إلى المصاعد والسلالم الخاصة إلى مراكز العناية بأطفال التوحد أو ذوي الإعاقات إلى المعاملة الخاصة عند ركوب الحافلات ووسائل النقل ... وعشرات عشرات الميزات التي تعتبر سمة عامة في دول الحداثة وحقوق الإنسان.
 
عرَّفت منظمة الصحة العالمية الإعاقـة بأنهـا: "حالـة مـن القصـور أو الخلل فـي القدرات الجسدية أو الذهنية ترجع إلى عوامل وراثية أو بيئية او خَلقية تعيق الفرد عن تعلُّـم بعض الأنشطة التي يقوم بها الفرد السليم والتــي تعتبــر مــن الأنشطة الأساسيـة للحياة اليوميـة مــن قبيل العنايـة بالـذَّات أو ممارسـة العلاقات الاجتماعيـة أو النشاطات الاقتصادية، وذلـك ضـمن الحدود التي تعتبر طبيعية".
 
وجاء أيضاً أنّها: "حالةٌ تَحُدُّ من مقدرة الفرد على القيام بوظيفة واحدةٍ أو أكثر مـن الوظــائف. وعرَّف بعضُـهم صـاحب الاحتياجـات الخاصـة بأنّـه: "الشـخص الـذي اسـتقر بـه عـائق أو أكثر يوهِن مِن قدرتِه ويجعلُهُ في أمَسّ الحاجة إلى عونٍ خارجي"، أو هو مَـن فقـد قدرتـه علـى مزاولـة عملـه، أو القيـام بعمـلٍ آخـر نتيجـةً لقصـورٍ بـدني أو جســمي أو عقلي، سواء كان هذا القصور بسبب إصابته في حادثٍ أو مرضٍ أو عجزٍ ولادي.
عبد الله طفل من حلب يعاني من مشاكل أيضاً في قدميه، يشرح لنا كيف تحسنت حالته في ألمانيا وكيف يشعر بثقته بنفسه واستعداده ليكون مستقبله أفضل. الصورة: منصور حسنو
عبد الله طفل من حلب يعاني من مشاكل أيضاً في قدميه، تم إجراء أكثر من عمل جراحي له في سوريا وهو يقول باللهجة الحلبية تعبيراً عن سوء العمليات الجراحية (شركولي أجري)، يشرح لنا كيف تحسنت حالته في ألمانيا وكيف يشعر بثقته بنفسه واستعداده ليكون مستقبله أفضل.
 
وتنص المادة الثالثة من الدستور الألماني على أنه "لا يجوز الانتقاص من حق أي شخص بسبب إعاقته" وتكفل الدولة الألمانية لذوي الإعاقات فرص الحصول على وظائف، ما يسمح لهم بالعمل في الدوائر الرسمية والمؤسسات الحكومية سواء كانت الإعاقة سمعية أو بصرية أو حركية.
 
يمكننا القول إنّ أعظم مؤشر أخلاقي على فلسفة الدولة هو نظرة الدولة وأفرادها إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، بل يمكننا الجزم إنّ ذروة حداثة الدولة اليوم هو بقدر ما تقدم من خدمات لذوي الاحتياجات الخاصة.
 
وهذه الرأسمالية الصناعية التي ينتقدها اليسار العالمي اليوم لم تصنع شيئاً إلا وتحسب حساب ذوي الاحتياجات الخاصة فيه: من أجهزة الهواتف الذكية إلى الحواسيب بمختلف أنواعها إلى البرامج الخدمية إلى الإشارات المرورية والطرقات ومواقف الحافلات التي تراعي ذوي الاحتياجات الخاصة!
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : "الدولة الإنسانية في مقابل الدولة الحيوانية"

("أحياناً من كثرة الاهتمام بي، أخجل من حالي"، بهذه الكلمات عبّر محمد -البالغ من العمر 50 عاماً- عن شعوره، حين سألته: "كيف تجد العناية بك في ألمانيا بسبب وضعك الصحي وعجزك عن المشي؟".) لا يفسد الاشياء الجيدة إلا التحدث عنها بهذه الطريقة، إذا قابلت شخصاً عادياً وقال لك: "أنا أخجل من حالي من كثرة الاهتمام" لا يعني أن تنشرها كما وردت، معظم الناس يتحدثون ببساطة، وكثيرون منهم لا يستطيعون التعبير عن فكرة ما بشكل دقيق، كان عليك أن تكتب بحيث لا تظهر كمطبّل.. التطبيل والتزمير بهذه الطريقة يفسد كل ما هو إيجابي في الحياة، وأنا أفرّق بين تسليط الضوء بشكل موضوعي وبين التطبيل، أو الكتابة في سياق البروبغندا، يمكن أن ترد على كلامي بأن تقول: "الأمانة الصحفية تحتم عليّ نقل تصريح الرجل كما ورد"، وهل كنت ستفعل ذلك لو ان الرجل شتم ألمانيا؟ أو قال: "إن المعاملة التي تلقيتها في ألمانيا أسوأ من أسوأ دول العالم الثالث؟"... وهذا لا يعني ان كاتب المقال لم يكن موضوعياً في أجزاء أخرى من المقال.. تحياتي

عبد الله01.05.2018 | 13:21 Uhr