سياسة ألمانيا والاتحاد الأوروبي المتعلقة باللجوء

تطرف أحزاب الوسط الحاكمة لأوروبا - ترهيب وهستيريا وتقويض لقيم الديمقراطية

ينتقد الصحفي الألماني شتيفان بوخن في تعليقه التالي لموقع قنطرة سياسة اللجوء المتشددة التي تبناها الاتحاد الأوروبي على الحدود اليونانية التركية، معتبرا أن هذا النهج يعبر بوضوح عن تبني أحزاب الوسط الحاكمة في أوروبا لأطروحات الأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة.

أحداث جارية على حدود الاتحاد الأوروبي مع تركيا تقدم بصورة جلية فرصة للتعرف على حقيقة الإرادة السياسية الأوروبية. فها هي كتائب الشرطة اليونانية على الحدود مع تركيا تطلق الغازات المسيلة للدموع على اللاجئين الراغبين في العبور إلى أوروبا، بعد أن سمح لهم الرئيس التركي إردوغان بتخطي الضفة التركية الحدودية.

ومن ينجح من اللاجئين خفيةً بتخطي السياج الحدودي -أو بعبور نهر إيفروس الحدودي بين تركيا واليونان- تتم مطاردته، ويُلقى القبض عليه، ويُعاد بالقوة إلى الجانب التركي الحدودي. أما أولئك اللاجئون الموجودون قبالة السواحل التركية -ممن يحاولون الوصول إلى الجزر اليونانية باستخدام الزوارق المطاطية- فليسوا أفضل حالاً، إذ يتم ضربهم من قبل بعض "المتحضرين" الأوروبيين، كما قامت وكالة الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي -فرونتكس Frontex- بإرسال تعزيزات لمساعدة الحكومة اليونانية.

وما تعبر عنه أوروبا قولاً لا يقل وضوحاً عن أفعالها هذه، فها هو السياسي عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي فريدريش ميرتس -الذي يطمح لقيادة "المعسكر البرجوازي" في ألمانيا ولخلافة المستشارة أنغيلا ميركل في منصبها- لا يتوانى عن توجيه كلامه للاجئين قائلاً: "لا يمكننا الترحيب بكم هنا".

ولتبرير ذلك يعزف ميرتس على وتر الخوف من "فقدان السيطرة"، وهو مفهوم انتشر في أوساط المحافظين الألمان، الذين انتقدوا "سياسة الحدود المفتوحة" للمستشارة ميركل وفقدان الدولة الألمانية السيطرة على حدودها، ويعبر عن ضرورة منع تكرار ما حدث في عام 2015. هذه هي النسخة المختصرة من التطرف، نسخة تتهرب من مواجهة السؤال الحقيقي، ألا وهو: "هل يمكننا أن نعامل هؤلاء البشر بهذه الطريقة؟"!

 

يوجد أيضا العديد من الأطفال بين اللاجئين على الحدود التركية اليونانية. Foto: dpa/picture-alliance
الاتحاد الأوروبي يصد اللاجئين: يحرص الاتحاد الأوروبي على تجنب تكرار أزمة المهاجرين التي وقعت في عامي 2015 و2016 وشهدت دخول أكثر من مليون لاجئ، أغلبهم من الشرق الأوسط وآسيا، إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر تركيا واليونان.

 

وفي المقابل، لا يتردد السياسي الأوروبي مانفريد فيبر -رئيس الكتلة البرلمانية للأحزاب المحافظة في البرلمان الأوروبي وعضو الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري- في الخوض في التفاصيل، إذ يُقدِّم خلال مقابلة له مع راديو "دويتشلاند فونك" تبريراً قانونياً لإغلاق الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في وجه اللاجئين بصورة تامة. وحين سُئِلَ عن إنْ كان يجوز ذلك، أجاب بـ "نعم".

خوف هستيري من "الهجوم الجماعي"

ولدعم أجابته، يستشهد فيبر بقرار صدر مؤخراً عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في فبراير/ شباط 2020. إذ أجازت هذه المحكمة رفض طَلبَيْ لجوء تقدم بهما لاجئان -من مالي وساحل العاج- على الحدود بين المغرب ومنطقة مليلة الإسبانية، دون الاستماع إليهما أو محاولة فهم قضية كل منهما.

يحظر القانون الدولي هذا النوع من رفض طلبات اللجوء. وقد وقعت جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الاتفاقية التي تتضمن هذا الحظر. وتبرر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مشروعية قرارها هذا بذريعة أن طالبَيْ اللجوء الأفريقيين حاولا تسلق السياج الحدودي، الأمر الذي من شأنه الإخلال بالأمن وبالنظام العام.

يتبنى مانفريد فيبر تبرير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذا، ويطبقه على الوضع الراهن على الحدود التركية-اليونانية. وبذلك لم يجد صعوبة في الحديث عن "هجوم جماعي" يهدد حدود أوروبا هناك.

وبناءً على ذلك فهو يرى أنه يحق للشرطة اليونانية إطلاق الغاز المسيل للدموع على مَن يهددون الحدود الأوروبية. ويقارن فيبر الوضع على الحدود اليونانية بالمظاهرات في ألمانيا، مشيراً إلى حق الشرطة الألمانية أيضاً في المواجهة بحزم في حال مَارَسَ المتظاهرون العنف.

لكنْ مهلاً! ألا يبدو مصطلح "هجوم جماعي" وكأنه يشير إلى وجود جيش من الغزاة على الحدود يستعد للهجوم على أوروبا؟! غير أن هذا السلوك لم يُقْدِم عليه اللاجئون المقتربون من الحدود اليونانية والمتجاوز عددهم عشرة آلاف لاجئ.

 

 

ففي البداية قوبل اللاجئون برفض عبورهم إلى الطرف اليوناني من الحدود، ما أدى إلى وقوع اشتباكات فردية عنيفة بين بعض اللاجئين وعناصر من الشرطة اليونانية، لم تشارك فيها الغالبية العظمى من اللاجئين. وماذا أيضاً عن العائلات التي تضم أطفالاً ممن يقاسون الأوضاع الصعبة هناك؟ لكن بحسب رؤية السياسي المحافظ مانفريد فيبر لدور الدولة، فإن جميع اللاجئين المتواجدين هناك هم مشاركون في هذا "الهجوم الجماعي".

السياسي الألماني البارز فيبر شرح رؤيته خلال المقابلة الإذاعية التي شدد فيها على أن "أولئك ليسوا بضعة أفراد يعربون عن رغبتهم في التقدم بطلب للحصول على اللجوء في اليونان". وفي الواقع تمثل رؤية فيبر رفضا لا لبس فيه لحق كل إنسان في تقديم طلب الحماية. وفضلا عن ذلك فإنه يمكن اعتبار هذا الطرح بمثابة النسخة الأكثر تفصيلاً لتطرف الوسط السياسي، فهى تعتمد على قلب حقيقة الشعور بالذنب، فيصبح المهاجرون هم الطرف الذي بدأ "الهجوم الجماعي"، ما يبرر استخدام القوة لصدهم.

القومية والتطرف يصلان إلى الوسط السياسي الألماني

يدعم سياسةَ العزلة المتطرفة هذه متحدثون باسم الأحزاب الحاكمة في أوروبا، ممن يروق لهم نعت أنفسهم بـ "الوسط". هؤلاء السياسيون يرسلون إشارات مطمئنة إلى القوميين بأنهم يتبنون مطالبهم.

 

خريطة اليونان وتركيا وبلغاريا - موجة اللاجئين.
مساعدات غير كافية للاجئين: يحاول عشرات الآلاف من المهاجرين العبور إلى اليونان العضو في الاتحاد الأوروبي منذ أن قالت أنقرة في 28 فبراير / شباط 2020 إنها لن تحاول من الآن فصاعدا إبقاءهم على أراضيها بموجب اتفاق أبرم في 2016 مقابل مليارات اليورو من المساعدات للاجئين على الأراضي التركية. وتستضيف تركيا نحو 3.6 مليون لاجئ من سوريا حيث تدور مواجهة بين قواتها وقوات الحكومة السورية المدعومة من روسيا. وجدد إردوغان انتقاداته للاتحاد الأوروبي الأحد 08 / 03 / 2020 قائلا إن التكتل لم يقدم مساعدات كافية للاجئين.

 

وفعلياً أصبحت أفكار وأطروحات الأحزاب الشعبوية اليمينية -على غرار حزب "البديل من أجل ألمانيا" وحزب التجمع الوطني الفرنسي وحزب المصلحة الفلمنكية البلجيكي وحزب الحرية النمساوي- جزءا من سياسة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي المسيحي الألمانيين وكذلك سياسة كل من المستشار النمساوي سيباستيان كورتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة