عائشة المنوبية والنسوية في العالم العربي

السيدة المنوبية: أيقونة الصوفية كانت رائدة الحركة النسائية في تونس

تعد عائشة المنوبية، التي اشتهرت بالسيدة المنوبية ( 1190 - 1266 )، واحدة من أشهر النساء في تاريخ تونس. بدعوتها لتعليم المرأة وللحرية، كانت السيدة المنوبية بالفعل ناشطة نسوية سابقة لعصرها. الكاتبة صفاء بلغيث تذكرنا بهذه الرمز النسوي المميز.

تحتل عائشة المنوبية المعروفة باسم السيدة أو للاّ السيدة، مكانة خاصة في ذكريات وقلوب شعب تونس.

يقع ضريحها في محافظة منوبة غرب تونس، بوصفه معلماً تاريخيأ وثقافياً، وتقام فيه التجمعات المحلية والاحتفالات الموسيقية، حيث يقضي الزوار الوقت بتناول الطعام وتبادل أطراف الحديث والتمتع بأغاني الفولكلور التي تمدح القديسة وتتغنّى بها.

ما إن بدأت جولتي في الضريح، حتى قيل لي أن أتحدث إلى العمة "زازية"، امرأة مسنّة تعيش في واحدة من الغرف التي تشغل المبنى. خارج بابها، رتل من الناس ينتظرون. بعد فترة وجيزة، دخلت وجلست أثناء تناولها الغداء في غرفة متواضعة، محاطة بأكياس قليلة من هدايا الزوار.

أخبرتني العمة زازية أن السكان يحضرون لها الحلوى، لتقدمها للزائرين ، كما يحضرون لها اللحوم للطهي وتناول الطعام ببركة المنوبيّة. أخبرتني أيضاً قصصاً عن أزواج تمكنوا من الإنجاب بعد سنوات بلا حمل ، وعن نساء تزوجن بعمر متأخر بفضل بركات القديسة. ومع ذلك، عندما أخبرتها أنني أريد معرفة المزيد عن هذه المرأة المحترمة والموقرة ، لم تعد العمة زازية راغبة في مواصلة الحوار.

تمكنت من الحصول على فرصة للتحدث مع بعض النساء هناك والاستماع إلى قصصهن. فأميرة ذات الـ 25 سنة ، تقول أن الذهاب إلى المزار يعطيها "راحة داخلية". ولكنها لم تكن على دراية بأصول " للاّ السيدة" ، أو قصة حياتها ، أو إلى أي طريقة صوفيّة تنتمي. كما أخبرني زوار آخرون أن السيدة المنوبية كانت "حكيمة" و"امرأة جيدة ساعدت الفقراء". ومع ذلك ، لم يكن هناك الكثير من التفاصيل عن سيرتها، وسبب اعتبارها امرأة فاضلة.

شحّ المعلومات هذا، يتناقض مع تعاليم السيدة المنوبية نفسها، وكيفية معيشتها، والاحتفاء بها كواحدة من أعظم النساء التونسيات.

 

 

التعليم والمجتمع الذكوري

نشأت عائشة في العهد الحفصي في القرن الثالث عشر في تونس، وأظهرت ذكاءاً استثنائياً وحدساً مميزاً. كان والدها رجل دين، إما إمام أو مدرس للقرآن. ويلاحظ في علاقتها معه أنه كان دوماً يشجعها على  إكمال تعليمها، فقام بتعليمها اللغة العربية، فيما لغتها الأم هي الأمازيغية ، بالإضافة الى علوم القرآن.

كان اختلاف عائشة عمن حولها واضحا، فقد كانت روحاً حرة لم تلتزم بالقيود المفروضة على النساء في وقتها، وهذا ما لم يكن موضع تقدير من سكان القرية. إذ اعتبرت خارجة عن التقاليد وليبرالية للغاية، لدرجة أن والدها كثيراً ما كان يُنتقد بسبب تصرفاتها.

حينما علمت عائشة أنها ستزوج من أحد أقربائها، رفضت وقررت ترك المنزل ، وهو خيار يُستاء منه حتى الآن في تونس ، ناهيك عن ذلك، أنه في القرن الثاني عشر. حين غادرت من منوبة إلى تونس وضحّت بحياتها العائلية ، لم تترك وراءها زواجاً بلا حب وقيوداً اجتماعية تقليدية فحسب، بل سعت أيضاً إلى الحرية واستقلاليتها المادية ومتابعة التعليم.

يقول المؤرخ عبد الجليل بوقرة ، أن التعليم في ذلك الوقت كان متاحاً فقط لبعض النساء: إما الأجنبيات القادمات من المشرق ، أو القادمات من الأندلس أو من ينتمين للنخبة أو من العائلة الحاكمة. إلا أن عائشة لم تكن أياً من هؤلاء.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.