تعهد رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، بعدم "تكرار الخروقات الأمنية" وذلك بعد أكبر هجوم انتحاري في بغداد منذ ثلاث سنوات.
فشل استعادة هيبة الدولة وعودة داعش

العراق بعد هجوم "سوق البالة" في بغداد: من دولة الكاظمي... إلى أين؟

ما زال العراق قارباً تقاذفه أمواج المصالح الدولية المتضادة، فالدولة العراقية الحالية هي نتاج مشروع الجمهوريين الأمريكيين، الذي حولته إيران إلى حديقة خلفية لها. عام 2021 بدأ بتفجير انتحاري دموي في قلب بغداد ينذر بعودة العراق إلى مربع العنف. ملهم الملائكة في قراءة لملامح المشهد العراقي.

بعد ساعات من اعلان تولي جو بايدن الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، هزّ قلب بغداد هجومان انتحاريان تبناهما تنظيم داعش. هذا التطور يكاد يمثل اعلاناً صريحاً لعودة نشاط تنظيم داعش الإرهابي بطريقة تثير عشرات الأسئلة حول صلة داعش بالمشروع الأمريكي في المنطقة.

وفي هذا السياق غردت رغد صدام حسين مدينة الهجومين بطريقة تدعي أنّ الحكومة العراقية الحالية هي من نفذت التفجيرات، وهو الآخر إعلان سياسي يثير تساؤلات عن مدى ضعف النخبة السياسية الحاكمة في العراق منذ عام 2003 ومستوى هشاشة المشروع الأمريكي في هذا البلد.

حاولت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أن تقلّم أظافر إيران وتحد من نفوذها في العراق، فقتلت بغارة نفذتها طائرة مسيرة قاسمي سليماني، ذراع إيران العسكري القوي في الثالث من يناير/ كانون الثاني 2020 ومعه نظيره العراقي أبو مهدي المهندس. ثم وجهت بعدها عدداً من الضربات لمواقع الحشد الشعبي، الذي يعد القوة العسكرية العراقية المعادلة للحرس الثوري الإيراني، والتي حلت محل الجيش العراقي المندثر منذ تحرير مناطق غرب العراق المحتلة من سلطة تنظيم داعش عام 2017.

أما على مستوى الإدارة العراقية، أسقط الحراك الجماهيري العراقي المعروف بحراك تشرين عدة حكومات متعاقبة، ليصبح السيد مصطفى الكاظمي غير المحسوب على الأحزاب الشيعية ولا الدينية رئيساً للوزراء.

وحول هذا الموضوع أوضح الكاتب والمحلل السياسي صادق الطائي لموقع قنطرة أن"حكومة مصطفى الكاظمي هي حكومة ملأ الفراغات واللعب على حبال التوترات بين طهران وواشنطن، وبالرغم من قرب الكاظمي الشخصي من الجمهوريين بحكم عمله السابق مع كنعان مكية، الرجل المقرب من المحافظين الجدد والذي عرّف الكاظمي على القيادات الأمريكية، وبالرغم مما بدا من دعم إدارة ترامب للكاظمي شخصياً، أو هذا على الأقل ما أبداه ترامب في زيارة الكاظمي الأخيرة لواشنطن، إلا أن إدارة جو بايدن بدورها تعرف واقع العراق بشكل جيد جداً."

الكاظمي: فشل أمني رغم اللعب على حبال التوترات بين طهران وواشنطن

ولكن على مستوى الأداء، فشل الكاظمي في مهمة استعادة هيبة الدولة، وفشل في الداء الاقتصادي، وفشل في استقطاب القوى والفصائل المسلحة الشيعية النافذة في المشهد العراقي، وفشل في استقطاب أطراف الحراك التشريني، كما فشل في حماية قادة الحراك من مسدسات الميلشيات الشيعية، بل فشل حتى في حماية أفراد إدارته من حملات الاغتيالات، التي توجهها القوى الشيعية المعادية للحراك ولإدارة الكاظمي.

المحلل العراقي السياسي صادق الطائي.
المحلل العراقي السياسي صادق الطائي: "إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن تعرف واقع العراق بشكل جيد جداً."

وهكذا جاء اغتيال هشام الهاشمي، المستشار الأمني لشؤون مكافحة الإرهاب في إدارة الكاظمي في 06 / 07 / 2020 أمام منزله في شرق بغداد، بمثابة ضربة قضت على أي أمل لرئيس الحكومة العراقية الحالي في توجيه بوصلة المشهد السياسي بما يتناغم مع توجهات الإدارة الجمهورية الأمريكية، ولوهلة بدا للمراقبين أن إيران انفردت في الساحة العراقية بلا منافس.

اليوم وبعد الفوز المحفوف بالمخاوف لجو بايدن بكرسي الرئاسة الأمريكية، يتوقع أغلب المراقبين أنّه سيعود لنهج الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وسيضع العراق في ذيل اهتمامات إدارته وهو ما أكده الكاتب والصحفي العراقي حسين الحلي المقيم في كندا في حديثة مع موقع قنطرة: "لا ننسى أنّ الديمقراطيين هم من انقلب على شاه إيران وجلب نظام الملالي عام 1979 وهم من توصل إلى الاتفاق النووي مع النظام الإيراني وهم من أطلق يد هذا النظام في العراق واليمن ولبنان، ورجال اوباما عادوا للعمل ضمن ادارة بايدن".

كما توقع الحلي أن تسير أوضاع المنطقة نحو الأسوأ في ظل الإدارة الأمريكية الديمقراطية، متخوفاً من "مزيد من سياسة المناكدة للحكومات الحالية في دول الخليج ومصر وإسرائيل".

الشرق الأوسط فقد مركزيته لدى النخب الأمريكية الحاكمة 

من جانبه، توقع الكاتب والمحلل السياسي صادق الطائي أن ادارة الديمقراطيين ستنتهج ذات النهج الديمقراطي السابق تجاه العراق، محاولة الابتعاد عن الشرق الاوسط ومشاكله، وهو ملف اعتبر من الملفات قليلة الأهمية، مقابل التركيز على ملفات الشرق الأقصى والصراع مع الصين والتنافس التجاري مع دول شرق آسيا ومحاولة استيعاب التهديد الكوري الشمالي. أعتقد أن الملف العراقي بالنسبة لإدارة بايدن سيكون ملفاً ثانوياً ملحقاً بالملف الإيراني ومتأثراً بمفاوضات الطرفين حول الرجوع إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران والضغط عليها لإيقاف تمددها في المنطقة."

وفي نفس السياق تقول إيلي غيرانمايه، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "إذا نظرت إلى المعينين من قبل بايدن للسياسة الخارجية ونزع السلاح النووي ومناصب الخزانة فالكثير منهم كان لهم دور مباشر في المحادثات النووية مع طهران أو تنفيذ الاتفاقية".

كما شددت على أنه "يبدو أن معسكر بايدن والقادة الإيرانيين يشتركون في شيء واحد وهو الحاجة إلى إعادة جميع الأطراف إلى الامتثال الكامل للاتفاق النووي، وسيحتاجون إلى التحرك بسرعة لمناقشة كيفية ترتيب ذلك".

وكل هذا يعني عملياً تراجع العراق عن سلم أولويات إدارة جو بايدن، وعلينا ألا ننسى أن الانسحاب العسكري الأمريكي شبه الكامل من العراق والذي انجز عام 2011 قد جرى في ظل إدارة الرئيس الديمقراطي أوباما.

الكاتب والصحفي العراقي حسين الحلي: أوضاع المنطقة ستسير نحو الأسوأ في ظل الإدارة الأمريكية الديمقراطية، متخوفاً من "مزيد من سياسة المناكدة للحكومات الحالية في دول الخليج ومصر وإسرائيل".
الكاتب والصحفي العراقي حسين الحلي: أوضاع المنطقة ستسير نحو الأسوأ في ظل الإدارة الأمريكية الديمقراطية، متخوفاً من "مزيد من سياسة المناكدة للحكومات الحالية في دول الخليج ومصر وإسرائيل".

كثير من العراقيين، ساسة وجماهير، يعتبرون جو بايدن راعيا لمشروع تقسيم العراق ويبدون مخاوف من وصوله للسلطة، وهو ما عبر عنه وليد الخزرجي على موقع عربي 21: "ردود فعل القوى السنية كانت متباينة حيال وصول جو بايدن لسدة الحكم، ففيما رحب البعض بفوزه ودعوه إلى تطبيق مشروعه لإنهاء "احتلال" المليشيات الولائية للمدن السنية، فإنّ آخرين رفضوا تقسيم البلد على أسس طائفية وعرقية، وطالبوا بإحلال اللامركزية الإدارية بديلاً عنه.

فيما نقل المقال عن السياسي الكردي طارق جوهر القول إن "مصلحة العراق تقتضي بأن يكون البلد مقسماً إلى ثلاثة أقاليم فيدرالية وبصلاحيات موسعة تقترب من الكونفدرالية، إذا كنا نبحث عن استقرار وانتعاش اقتصادي ورفاهية العيش للمواطن العراقي، فهذا هو الحل الأمثل".

ويرى البعض أن أيام مصطفى الكاظمي باتت معدودة في منصبه رئيساً للحكومة العراقية، وقد تأتي الإدارة الأمريكية الجديدة برئيس حكومة يناسب توجهاتها غير المعنية كثيراً بالعراق، وفي هذا السياق كتبت مينا العريبي في صفحة فورن بوليسي الأمريكية أن العراق اختفى من أجندة إدارة الرئيس بايدن، وهذا خطأ كبير لأنّ عراق اليوم ليس نفس البلد الذي انسحب منه أوباما قبل 10 سنوات.

والأسئلة التي تطرح نفسها اليوم هي: هل تهتم إدارة الرئيس بايدن بحماية المصالح الأمريكية في العراق، أم أنها نفضت يدها من كل هذا الملف؟ وهل هذه الإدارة معنية أصلاً بدعم الحراك الجماهيري القائم في العراق منذ أكثر من سنة، أم انها ستتخلى عنه؟

لكن السؤال الأهم: هل تهتم إدارة بايدن بالتصدي لمشاريع الإسلام السياسي في العراق والمنطقة أم أنها ستترك كل هذا الملف لتقرره القوتان الاقليميتان التي يقودهما علي خامنئي ورجب طيب اردوغان.

ويرى مركز الإمارات للدراسات السياسية أنّ من المتوقع في ظل الإدارة الديمقراطية الجديدة في واشنطن أن تعاد هيكلة السياسة الأمريكية في العراق، عبر تقديم الحلول السياسية على العسكرية، على أن تسعى إدارة الرئيس بايدن إلى ترويض إيران في العراق، لتنجح بالتالي في ترويض الفصائل الولائية العراقية المرتبطة بإيران والمطالبة باستمرار بخروج القوات الأمريكية من العراق.

وفي ظل تنامي قوة داعش وعودة هجماته الإرهابية في قلب بغداد، فإن إدارة بايدن مطالبة بعدم التخلي عن مصطفى الكاظمي في هذا الظرف، حسب مقال نشرته مايا كارلين في صحيفة العرب الصادرة في لندن مؤكدةً على حاجة القوات الأمنية المحلية إلى تعزيز قدراتها القتالية بدعم الولايات المتحدة في جوانب المعلومات الاستخباراتية والتدريب والاستشارات والتسليح أيضاً.

وفي هذا السياق كتب اللبناني راجح الخوري في صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن:

"ليست العلاقات بين حكومة مصطفى الكاظمي العراقية وإيران أفضل بكثير في العمق من علاقاتها مع النظام السوري، وإن كانت طهران تطبق أنيابها أعمق على الوضع العراقي، ولعل الاختلال السوري والتململ العراقي والرفض اللبناني لقيام الجسر الإيراني الممتد من طهران إلى غزة، هو ما يفسر أمرين؛ الأول التصعيد الإيراني ومحاولة توحيد جبهة المقاومة، والثاني تحذير حزب الله من أن المنطقة تمر في أخطر مرحلة؛ لكن الأكثر وضوحاً أنّ خروج سوريا وتململ العراق يكفيان في النهاية لانهيار الجسر الإيراني في الإقليم!".

 

ملهم الملائكة

حقوق النشر: قنطرة 2021

 

المزيد من المقالات من موقع قنطرة

 

تداعيات مقتل سليماني والمهندس- إيران تتوعد وعراقيون يرقصون فرحاً

العراق - من يقتل المحتجين؟ خشية من "انقلاب كما في اليمن"

مبدأ ولاية الفقيه بين المفاهيم الشيعية والتجربة الخمينية

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة