فيروس كورونا في العراق

أزمة وباء كورونا كذريعة لقمع الانتفاضة الشعبية العراقية؟

رغم انتشار وباء كورونا العالمي أيضا في العراق ذهب مئات الآلاف من المؤمنين الشيعة لزيارة ضريح الإمام الكاظم في منطقة الكاظمية ببغداد، في حين اعترف النظام الصحي في العراق بألاَّ طاقة له على مواجهة هذا الوباء. الصحفية الألمانية بيرغيت سفينسون تسلط الضوء من بغداد لموقع قنطرة على خلفيات وتبعات انتشار فيروس كوفيد-19 في العراق وتأثيره على الحركة الاحتجاجية.

فرضت السلطات العراقية حظر التجوُّل في بغداد. ومنذ منتصف شهر آذار/مارس 2019، تم إغلاق المطاعم والبارات والمقاهي ومحلات الوجبات السريعة، بالإضافة إلى إلغاء الاحتفالات والفعاليَّات ومنع التجمُّعات. لكن الناس تجاهلوا هذه التعليمات، حيث احتشد يوم الجمعة 20 / 03 / 2020 نحو أربعمائة ألف زائر عند ضريح الإمام الكاظم في شمال بغداد.

يعتبر الإمام موسى الكاظم من آل بيت النبي محمد. كلَّ عام في هذا الوقت، يتوافد الزوَّار إلى ضريحه في ذكرى وفاته سنة 745 ميلادية. يأتي الشيعة من جميع أنحاء العالم إلى منطقة الكاظمية المسماة على اسمه في العاصمة العراقية بغداد. وحتى في هذا العام 2020 - في زمن الكورونا.

تستمر مواكب الزوَّار عدة أيَّام. ويُسمَع من بعض الزوَّار الجواب التالي حين يُسأَلون عن سبب مخالفتهم إجراءات الدولة ومخاطرتهم بحياتهم: "إذا أراد الله لنا أن نموت، فسنموت". شهِدَت هذه الزيارةُ في عامي 2005 و2010 حالةَ ذعر جماعي أسفرت كلّ مرة عن وفاة ما يصل إلى نحو ألف شخص. وها هي الحكومة العراقية قد نشرت الجيش من أجل منع زيارة الضريح ضمن سياق إجراءاتها لمواجهة فيروس كورونا. ولكن مع ذلك فإنَّ السلطات العراقية تتوقَّع ارتفاع عدد المصابين بشكل كبير في الأيَّام اللاحقة.

"أي شيء جديد يخيفنا"

من المعروف عن العراقيين أنَّهم اعتادوا على الحزن والألم، بحيث أنَّ من يرغب في تعلم تقنيات البقاء على قيد الحياة فما عليه إلَّا أن يأتي إلى بغداد. شهد العراق ثلاث حروب وحصارًا اقتصاديًا ومقاومةً للمحتلين الأمريكيين والبريطانيين وإرهاب تنظيمي القاعدة وداعش: نجا العراق من كلِّ ذلك وتخطاه، مع جروح وندوب كثيرة، وإراقة الكثير من الدماء. ولكن الوضع هذه المرة مختلف. فقد خلق هذا الفيروس الذي يستقر في الرئتين وضعًا جديدًا غير معروف من قبل.

 

ناشطون ديمقراطيون في ميدان التحرير ببغداد - العراق. Foto: Reuters
"هذه مجرَّد طريقة للقضاء علينا": يمثِّل انتشار فيروس كورونا في العراق ضربةً قاسيةً لحركة الاحتجاجات الديمقراطية في ساحة التحرير ببغداد، وذلك بسبب استمرار الحكومة بتقييد حرية التجمُّع بشدة. وبحسب وزارة الصحة العراقية فقد سجَّل العراق حتى يوم السبت 28 / 03 / 2020 أكثر من 450 حالة إصابة بالفيروس وأربعين حالة وفاة معظمها في الأسبوع السابق. لكن على الأرجح أنَّ عدد المصابين الفعلي أعلى بكثير.

 

تقول أمل إبراهيم: "المجتمع العراقي مجتمع محافظ، وكلُّ شيء جديد يخيفنا". وفي الواقع فإنَّ فيروس كوفيد-19، المنتشر هنا أيضًا، يخلق أجواءً غير مألوفة في العراق.

فمن ناحية نشاهد في بغداد الكثير من الأشخاص الذين يرتدون كمَّامات أثناء خروجهم إلى الشوارع، يتسوَّقون حاجياتهم على عجل ويعودون أدراجهم بسرعة إلى منازلهم. لقد تم إغلاق المدارس ورياض الأطفال والجامعات قبل أسبوعين. وأصبح موظفو القطاع العام - الذين يشكِّلون غالبية العاملين في العراق - يعملون الآن بنسبة خمسين في المائة فقط.

مَنْ لم يستطيعوا العمل من داخل بيوتهم يذهبون إلى العمل مرة كلَّ يومين. على سبيل المثال: أمل إبراهيم موظفةٌ وأمٌّ لأربعة أطفال، أصبحت تنجز عملها منذ أسبوع من داخل بيتها. وهذا يجعلها تعاني من نفس الوضع الذي تعاني منه الأمَّهات العاملات في ألمانيا. ابنتها الصغرى البالغة من العمر أحد عشر عامًا سعيدةٌ لأنَّ أمَّها في البيت وتقاطعها أثناء عملها لتسألها كلَّ خمس دقائق إن كان لديها وقت من أجلها أو إن كان بوسعها أن تشرح لها شيئًا ما. لذلك فمن الصعب عليها التركيز في عملها.

أزمة كورونا كذريعة للقمع؟

ومن ناحية أخرى، يزداد عدد الأشخاص الذين لا يصدِّقون حكومتهم بل يشعرون بأنَّ هذا السيناريو مجرَّد إجراء آخر اتَّخذته الحكومة من أجل قمعهم وحرمانهم من الحرِّية. عندما فُرض حظرُ التجوُّل في العراق قبل اثني عشر عامًا خلال الحرب الأهلية، كان بوسع الجميع رؤية الخطر بوضوح: كانت توجد قنابل وعبوات ناسفة وانفجارات يمكن أن تصيب أيَّ شخص، وكانت الجثث ممدَّدة على الأرصفة. أمَّا الآن فالخطر غير مرئي.

اقرأ أيضًا: مدينة الصدر والثورة في بغداد - نواة المقاومة العراقية

وبالإضافة إلى ذلك يموت المتظاهرون في العراق بشكل شبه يومي، يُقتَلون بالرصاص من قِبَل ميليشيات شيعية في ساحة التحرير ببغداد، ويتم اختطاف بعضهم واحتجازهم لأيَّام يتعرَّضون خلالها للتعذيب أيضًا، بهدف انتزاع الاعترافات والمعلومات منهم. تقول الناشطة مها من داخل خيمة احتجاج في ساحة التحرير ببغداد: "من الصعب علينا أن نقبل الآن فكرة البقاء في البيت بسبب فيروس. هذه مجرَّد طريقة للقضاء علينا".

اتَّخذ العراق إجراءات صارمة للحيلولة دون انتشار الفيروس، على الرغم من أنَّ عدد المصابين حتى تاريخ إعداد هذا التقرير لم يتجاوز بحسب وزارة الصحة في بغداد مائتي شخص (بلغ عدد الإصابات حتى يوم السبت 28 / 03 / 2020 أكثر من 450 إصابة بالإضافة إلى 40 حالة وفاة). لكن على الأرجح أنَّ عدد المصابين الفعلي أعلى بكثير. ومع ذلك يبدو أنَّ معدَّل الوفيات محتمل جدًا: فقد توفي حتى الآن أربعون شخصًا بسبب فيروس كوفيد-19. وهذا العدد كيير بالمقارنة مع عدد الإصابات (450 إصابة).

 

 

العراق غير قادر على محاربة الوباء بشكل فعَّال

اعترف وزير الصحة العراقي، جعفر علاوي بأنَّ العراق غير قادر على مكافحة هذا الوباء الجديد. وقال إنَّ الفيروس إذا انتشر في العراق كما حدث في دول أخرى، "فليست لدينا أية قدرة لمكافحته. لا توجد لدينا أية إمكانيات للعلاج". وأضاف أنَّه قد طُلِبَ من الحكومة خمسة مليارات دولار من أجل التمكُّن من مكافحة فيروس كورونا، ولكن حتى الآن لا توجد أموال إضافية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة