فيلم "ولدي" للمخرج التونسي محمد بن عطية

قصة شاب تونسي رحل لتعلم الإرهاب

فيلم "ولدي" حول شاب تونسي أدار ظهره لأسرته من أجل الانضمام إلى تنظيم داعش في سوريا. لا بد من تقدير المخرج لأنه يستكشف تأثير مفاجآت فظيعة على أفراد الأسرة. شايان رياض شاهد الفيلم لموقع قنطرة.

بعد أوَّل عرض عالمي لفيلمه الأوَّل "نحبك هادي" في مهرجان برلين السينمائي، قال المخرج التونسي محمد بن عطية في حوار مع مجلة "فارايتي" المتخصصة: "أنا أعمل بالفعل على فيلمي القادم. وهو من جديد قصة بسيطة حول أشخاص عاديين يواجهون أشياء أكبر وأقوى من أي شيء كان يمكن أن يتخيله هؤلاء الأشخاص".

"ولدي" هو عنوان فيلمه الثاني المعروض ويؤكِّد تمامًا ما صرَّح به المخرج محمد بن عطية في ذلك الوقت. تدور أحداث هذا الفيلم في جوهره مثل فيلم "نحبك هادي" في البداية حول الحياة اليومية فقط. يعرض لنا المخرج أشخاصًا عاديين في حالات عادية جدًا: أبٌ وأمٌّ يذهبان للعمل، وابن يستعدُّ للحصول على شهادة الثانوية العامة. يجلسون سوية في البيت حول مائدة الطعام، يمزحون، ويسود بينهم جو لطيف ومفعم بالمحبة والحنان. 

لكن بعد فترة قريبة لم تعد حال الابن على ما يرام، وذلك من دون شكّ بسبب ضغط الامتحانات، وهذا أمر طبيعي أيضًا. [يصاب الابن بصداع نصفي]، يدفع الأب والأم التكاليف الطبية، على الرغم من أنَّهما يعانيان من نقص في المال. إذ إنَّ راحة ابنهما الوحيد مهمة أكثر بالنسبة لهما من أي شيء آخر، وحتى من صعوباتهما المالية.

لا أثر من هوليوود

إعلان لفيلم "ولدي" للمخرج التونسي محمد بن عطية. (distributed by BAC Films)
بحث عن آثار ومأساة أسرية: في فيلم المخرج محمد بن عطية "ولدي" لا يتعلق الأمر بشاب تم التضليل به ولا بالجهادية بحدّ ذاتها. بل إنَّ المخرج يركِّز بدلًا عن ذلك على رياض ونازلي ويستكشف كيف تؤثِّر هذه المفاجآت الفظيعة على أفراد الأسرة.

{بفيلمه "ولدي" يقدِّم المخرج محمد بن عطية أيضًا تعليقًا على طبيعة دولة تمر بمرحلة انتقالية مثل تونس، التي بدأ فيها الربيع العربي في أواخر عام 2010 ولا يستطيع فيها أشخاصٌ من الطبقة الوسطى تقديم أية آفاق حقيقية لجيل الشباب.}

وفجأة يرحل. يترك الابن سامي (يؤدِّي دوره الممثِّل زكريا بن عايد) ورقة بسيطة في الغرفة يُخبر فيها والده رياض (يؤدَّي دوره الممثِّل محمد ظريف) ووالدته نازلي (تؤدِّي دورها الممثِّلة منى ماجري) حول موقعه الجديد التقريبي. فها هو موجود في سوريا وقد انضم إلى ميليشيا إرهابية - لا يُذكَر في الفيلم اسم تنظيم داعش، لكن يمكن للمشاهد في الواقع أن يفكِّر من ذاته أنَّ المقصود هو هذا التنظيم.

لا يستطيع رياض ونازلي فهم هذا التحوُّل، وفي هذه اللحظة لا يستطيع فهمه المشاهدون بالتأكيد. سامي الذي كان يبدو حتى ذلك الحين شخصًا بريئًا، والذي كان من المفترض أنَّه سينجح في امتحانات الثانوية العامة المنتظرة وسيتعافى من الصداع الذي يعاني منه منذ أسابيع - كيف يمكن أن يصبح سامي هذا الآن فجأة شخصًا إرهابيًا؟

لا بدّ من تقدير المخرج محمد بن عطية لأنَّ الأمر لا يتعلق في فيلمه "ولدي" بشاب تم التضليل به ولا بالجهادية بحدّ ذاتها، بل إنَّ المخرج يُركِّز بدلًا عن ذلك على رياض ونازلي ويستكشف كيف تؤثِّر هذه المفاجآت الفظيعة على أفراد الأسرة.

لو كان هذا الفيلم فيلمًا من أفلام هوليوود، فعندها من المحتمل أن يحصل المُشَاهد على عدد لا يحصى من مَشاهد المعارك والاشتباكات في سوريا، وأن يُشاهد سامي دائمًا كمجاهد. غير أنَّ المخرج محمد بن عطية ليس لديه أدنى اهتمام في ذلك. فهو يضع قصته داخل الحياة المنزلية؛ من دون سامي تبدو شقة الوالدين فارغة أكثر وتنشأ بينهما برودة صامتة لا توصف.

وهكذا يبدأ الاثنان في إلقاء اللوم على بعضهما، وكذلك يتمكَّن المخرج محمد بن عطية من عدم جعل حواراتهما تنجرف إلى الميلودراما [الدراما المبالِغة في العواطف والانفعالات]. وهذا أيضًا جانب قوي جدًا في الفيلم: صحيح أنَّ هؤلاء الأشخاص في وضع لا يصدَّق، ولكن السيناريو يبقى حقيقيًا وواقعيًا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.