قراءة في رواية "مطر حزيران" من تأليف جبور الدويهي

حبكة روائية بوليسية في لبنان لا تبحث عن مرتكب الجريمة

رواية بوليسية تُركَب فيها جريمة دون الكشف عن هوية القاتل؟ ما تبدو وكأنها وصفة مخيبة لآمال القارئ ترى فيها الناقدة الأدبية مارسيا لينكس كويلي –في قراءتها التالية لموقع قنطرة- رواية هامة وممتعة، وهي بالتأكيد ليست أول رواية لبنانية معاصرة تتبع هذا الأسلوب.

للوهلة الأولى، لا تبدو رواية "مطر حزيران" لجبّور دويهي رواية جريمة وغموض، ذلك أن القارئ يعلم بشكل عام من المسؤول عن ارتكاب الجريمة الرئيسية للرواية وهو: تبادل لإطلاق النار في كنيسة القرية. وبالنظر إلى أن كثيرين ممن ارتكبوا هذه الجريمة كانوا يطلقون النار بشكل عشوائي، من غير الواضح سبب موت شخص بعينه. فمن من الضحايا كان يطلق النار أيضاً؟ من منهم وقع ضحية تبادل إطلاق النار؟ ومع تطوّر أحداث الرواية، يعود إيليا الكفوري، وهي الشخصية الرئيسية في الرواية، إلى قرية برقة لمعرفة المزيد حول ملابسات وفاة والده عام 1957.

"مطر حزيران" ليست أول رواية لبنانية تسلط الضوء على جريمة قتل شخص واحد من بين كثيرين. فمنذ رواية "الأقنعة البيضاء" لإلياس خوري عام 1981، كان هناك عدد من روايات الجريمة التي فتشت، على خلفية الحرب الأهلية، عن قاتل بين الكثير من القتلة.

وفي رواية الدويهي، كما في الروايات الأخرى، فإن مرتكبي جرائم القتل هذه لا يخفون أنفسهم، بل إن حبكة الرواية لا تبذل جهداً للبحث عنهم. ففي رواية "الأقنعة البيضاء"، يقرر الراوي أن "من الفاعل؟" سؤال خاطئ. أما في رواية "تقرير ميليس" لربيع جابر عام 2005، فإن بيروت بأكملها تتابع مسعى محكمة الأمم المتحدة للبحث عن قاتل رئيس الوزراء رفيق الحريري، ولكنها لا تجد أحداً، ولا أحد يتوقع منهم أن يجدوا أحداً.

دفء ودعابة

هذه الروايات الثلاث الرائعة تصل إلى خاتمة واحدة: في مثل تلك الظروف، من المستحيل، أو من غير الضروري، إيجاد "الفاعل" في رواية جريمة. كل تلك الروايات قراءات مُرضية، سواء على المستوى العقلي أو الجمالي، إلا أن رواية الدويهي بها ما ينقص الروايات الأخرى، ألا وهو الدفء وروح الدعابة التي تضفي مزيداً من الحيوية على كل شخوص الرواية العديدة.

تبدأ أحداث رواية الدويهي عام 1957، قبل وقت طويل من اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، التي دامت 15 عاماً. وبالرغم من أن معظم الأحداث تقع قبل عام 1975 أو بعد عام 1990، إلا أن الحرب الأهلية دائمة الحضور، والدويهي لا يقفز على العنف اليومي في البلاد أو حالة الاستقطاب المتزايدة فيها. وبالفعل، فإن البحث عن جذور العنف شيء مركزي بالنسبة للقصة. لكن على الرغم من وجود العنف بشكل دائم، إلا أن سياق الرواية لا يفقد روح الدعابة الهادئة أو محبته لشخوص القصة.

Cover of Jabbour Douaihy's novel "June Rain" (source: Bloomsbury Publishing)
"مطر حزيران" ليست أول رواية لبنانية تسلط الضوء على جريمة قتل شخص واحد من بين كثيرين. فمنذ رواية "الأقنعة البيضاء" لإلياس خوري عام 1981، كان هناك عدد من روايات الجريمة التي فتشت، على خلفية الحرب الأهلية، عن قاتل بين الكثير من القتلة.

"مطر حزيران" تبدأ بالتراجيديا، عندما يتلقى أطفال مدرسة داخلية بعيدة عن قريتهم خبر عودتهم مبكراً إلى منازلهم، إلا أنهم لا يتلقون تفسيراً. ويفهم الأطفال بشكل تدريجي ما الذي حدث، ومعهم القارئ، إذ وقع تبادل لإطلاق النار أثناء تشييع جنازة، ما أدى إلى عشرات الوفيات، وهو عدد هائل بالنسبة لقرية صغيرة.

طوال الرواية، يعلم القارئ بالأحداث من خلال هذه الطريقة. فالقارئ ليس شخصاً يعيش في القرية ولا يقرأ أفكار أي من الشخصيات المؤثرة في الرواية. بدلاً من ذلك، فإنه يتلقى أخبار العنف من الأطفال والرجال والنساء، الذي يحاول بعضهم أن يشق طريقه في الحياة، بينما يسعى البعض الآخر إلى إثارة الكراهية ضد جيرانه.

هوية ممزقة

الجزء الرئيسي من الرواية يتبع عملية البحث المتأخرة التي يقوم بها إيليا الكفوري عن معلومات حول والده يوسف، الذي أردي قتيلاً في "الحادث" عام 1957، والذي وقع قبل تسعة شهور من ولادة إيليا. والدة إيليا، كاملة، ذات الشخصية الرائعة والمركّبة، تحاول أن تبقي ابنها بعيداً عن العنف في البلاد، وتنجح في ذلك عندما تدفعه إلى الرحيل لنيويورك، ليعود بعد ذلك بعقود من أجل زيارتها.

جزء من سحر الرواية هي هوية إيليا الممزقة، فمنذ أن غادر البلاد، لم يكن قادراً على الالتزام بلبنانيته، وبالتالي كان مضطراً دائماً لاختراع أسماء وحيوات جديدة. فمن أجل لقاء غرامي محتمل يتحول إلى يهودي مصري، ومن أجل لقاء آخر يصبح يمنياً، ولثالث يونانياً. وفي عقده الرابع، تعتمل الرغبة في إيليا كي يعود إلى لبنان لرؤية والدته قبل أن تفارق الحياة.

سكان القرية يصفون إيليا بشكل رائع على أنه يشبه "أحد هؤلاء الأمريكيين المهتمين بالشرق الأوسط، الذين يلقون المواعظ بلغة متصلبة حول ضرورة الإصلاحات الهيكلية في العالم العربي على قناة سي إن إن في ساعات الليل المتأخرة أو ساعات الصباح المبكرة". وبالفعل، بمجرد وصوله إلى قريته، يبدأ بالتصرف هكذا. فهو يسير حاملاً دفتر ملاحظات ويقوم بإجراء مقابلات مع الرجال والنساء الذين ربما شهدوا أحداث عام 1957.

وفي النهاية، فإن إيليا -مثله مثل راوي قصة "الأقنعة البيضاء" لإلياس خوري- يتخلى عن بحثه ويترك دفتر ملاحظاته عند والدته. وعندما يقوم صديق بقراءة ما في الدفتر لـ كميلة، التي قاربت على فقدان بصرها بالكامل، فإنها تقوم بتمزيق الدفتر بغضب بسبب ما جاءت فيه من توصيفات لزوجها. مشاكل إيليا، مهما كانت، لا يمكن أن تُحل بالنظر إلى الماضي.

"أصعب رواية كتبتُها"

في مقابلة نُشرت مؤخراً وأجرتها معه المدونة الإيطالية كيارا كوميتو، أكد دويهي قائلاً: " 'مطر حزيران' أصعب رواية قمتُ بتأليفها". وأضاف: "إنها رواية غير مترابطة ومحشوة بالقصص والشخوص ووجهات النظر. عندما كنت أكتبها، كنت أشعر بأن كل جزء منها يتسرب من بين أصابعي، وتساءلت حول كيفية إعادتها من جديد". لكن رغم ذلك كله، فإن دويهي تمكن من ربط كل هذه الشخوص المتباينة من خلال قوة قرية برقة.

وإذا ما كان هنالك خطأ في "مطر حزيران"، فإنه سيكون صعوبة إيجاد نهاية لرواية جريمة دون "فاعل". فالصفحات الأخير من رواية "الأقنعة البيضاء" لخوري تدور في حلقات، جالبة معها أسئلة لا يمكن حلها ولا حل لها. أما "مطر حزيران"، فتتبع خطى عودة إيليا إلى نيويورك مرة أخرى وتخليه عن تذكاراته اللبنانية والطعام الذي أعدته له أمه. وبمجرد عودته إلى نيويورك، فإن إيليا يصبح بعيداً عن لبّ القصة، التي تعود مرة أخرى إلى قرية برقة.

رواية "مطر حزيران" قصة هامة وممتعة من أحد النجوم الصاعدة في سماء الأدب العربي. كما أن الرواية مرشحة للجائزة الدولية لأدب الرواية العربي (IPAF)، مثلما كانت رواية الدويهي السابقة "شريد المنازل"، التي صدرت عام 2012، والتي ترجمت إلى الفرنسية تحت عنوان "Saint Georges regardait ailleurs" وفازت بجائزة "حنا واكيم" اللبنانية وجائزة الأدب العربي الشاب الفرنسية لعام 2013. وستكون مفاجأة إذا لم تقرر لجنة التحكيم للجائزة الدولية لأدب الرواية العربي هذا العام إدراج أحدث رواية للدويهي "حي الأميركان" (2014) على قائمة الروايات المرشحة للفوز بالجائزة.

لم تلقَ أعمال جبور دويهي بعد اهتماماً كبيراً خارج إطار اللغتين العربية والفرنسية، لكن بوجود مترجمين متمرسين مثل بولا حيدر، القادرة على محاكاة أسلوب الدويهي الدافئ والأنيق، فإن صدى أعماله وسحرها سيصلان إلى جمهور أكبر.

 

مارسيا لينكس كويلي

ترجمة: ياسر أبو معيلق

حقوق النشر: قنطرة 2014

 

ولد جبور دويهي في لبنان عام 1949. وتم ترشيح روايته "مطر حزيران"، التي صدرت عام 2006، للجائزة الدولية لأدب الرواية العربي عام 2008. كما قامت  بولا حيدر بترجمة الرواية إلى الإنجليزية عام 2014.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.