لاجئون من أريتريا وإثيوبيا يتهيأون للحياة في ألمانيا انطلاقا من السودان

تنوير اللاجئين ذهنياً ونفسياً قبل مجيئهم إلى ألمانيا

قام معهد غوته الألماني بتهيئة بعض اللاجئين نفسياً وذهنياً وإزالة قلق البدايات لديهم قبل مجيئهم إلى ألمانيا، حتى لا تكون صدمة هؤلاء بالمكان الجديد كبيرة. واختير هؤلاء اللاجئون من مخيمات اللاجئين في شرق السودان من أجل إعادة توطينهم في ألمانيا. عبد السلام الحاج يسلط الضوء من الخرطوم على هذه الفعالية التنويرية للاجئين هاربين من تاريخ ثقيل مليء بالخيبات، كل ما يهمهم هو أن ينعموا بحياة كريمة في البلد الجديد.

ربما لم ينتبه الكثيرون في زحمة أزمة اللاجئين، أن هناك 156 لاجئا من أريتريا وإثيوبيا تم اختيارهم من معسكرات اللاجئين في شرق السودان من أجل إعادة توطينهم في ألمانيا. وحتى لا تكون صدمة هؤلاء بالمكان الجديد كبيرة، أعد معهد "غوته" بالخرطوم ورشة تنويرية لهم قبل سفرهم إلى ألمانيا.

أحلام لا تحدها حدود

وقفت "سارة" تتأمل الخريطة المعلقة على الحائط أمامها. أخذت تنظر بعمق. باغتتها شقيقتها الصغرى بسؤال: هل سنعيش "كلنا" في تلك المدينة؟ وهي تشير بيدها إلى مدينة "برلين". وبصوت خافت ردّت "سارة" بأنها لا تعرف. كانت الأستاذة "يوديت" تعبر الرواق في تلك اللحظة فردت على السؤال المطروح: لا يا عزيزتي، ستوزعون على مدن مختلفة، ولكن ربما تلتقون مرة أخرى في أحد الشوارع هناك. همهمت "سارة" بصوت باهت بينما أكملت شقيقتها الصغرى شرب كوب الشاي الذي كان في يدها. في تلك اللحظة جاء صوت "ليلي" من أمام باب قاعة الدراسة معلناً انتهاء وقت الاستراحة، فتدافع الجميع بصورة حماسية لمواصلة ما تبقى من الورشة  التنويرية في يومها الأول.

كانت القاعة مستطيلة الشكل، شبه مظلمة، لكنها أعدت جيدا لاحتضان الورشة. في هذا المكان، الذي يقبع داخل أحد فنادق العاصمة السودانية الخرطوم، يجلس عدد من اللاجئين، يحملون دفاتر وأقلاما وأحلاما لا تحدها حدود. 50% منهم تحت سن الـ 17 عاما، هربوا من أريتريا، وآخرون جاؤوا من إثيوبيا. جزء كبير منهم ظلوا لأكثر من ثلاثة أعوام في معسكرات اللاجئين. واليوم يشعرون بأنهم قد اقتربوا من نهاية هذا المشوار الطويل رغم مسحة الإرهاق التي تظلل ملامحهم الشاحبة.

التهيئة للعيش في ألمانيا

في النصف الأخير من شهر نوفمبر 2015، وخلال خمسة أيام متتالية، أقيمت هذه الورشة التنويرية في الخرطوم للاجئين، الذين اختارتهم ألمانيا من مخيمات اللاجئين بالسودان لأول مرة منذ زمن طويل. تم تصميم وتنظيم هذه الورشة بواسطة معهد غوته في السودان، وهي تهدف إلى تهيئة هؤلاء اللاجئين للحياة الجديدة التي تنتظرهم في ألمانيا.

جزء كبير من هؤلاء اللاجئين مروا بظروف حياتية صعبة، سواء هنا بالسودان أو في بلدانهم الأم. فبداية مشوار جديد هو عبء نفسي ثقيل، والتفكير في المستقبل مرهق جداً، خاصة إذا كان الماضي مؤلما. "صوفي الطيب" الأستاذة بمعهد غوته ومنسقة الورشة التنويرية تقول: "في هذه الورشة يتمحور عملنا حول مساعدة هؤلاء اللاجئين على كيفية تسيير حياتهم في ألمانيا، بالتركيز على الأسابيع الأولى هناك، لأنها الأصعب نفسياً وذهنياً". فقد تم تصميم هذه الورشة من أجل إزالة القلق من البدايات، مع مراعاة "توفير أكبر قدر من المعلومات التي يحتاج إليها اللاجئون من أجل مزاولة حياتهم هناك بصورة طبيعية".

تم توزيع المشاركين على فترتين، صباحية ومسائية، ويشرف على تدريسهم أربعة أساتذة من معهد غوته. الدراسة كانت بلغتين، إذ كان هنالك فصل باللغة العربية، لأن عددا كبيرا من هولاء اللاجئين يتحدثون اللغة العربية لاستقرارهم لفترات طويلة في السودان. أما الفصل الآخر فكانت الدراسة فيه بلغة "التغرينجا"، وتشرف عليه الأستاذة "يوديت" وهي ألمانية الجنسية أريترية الأصل، تم استقدامها لهذه الورشة من ألمانيا لكي تقوم بتدريس اللاجئين الأريتريين الذين لا يتحدثون سوى لغتهم الأم "التغرينجا".

احتوى برنامج الورشة على تدريب يومي على أساسيات اللغة الألمانية، كما تناولت على مدار الأيام الخمسة موضوعات كثيرة كطبيعة الحياة في ألمانيا (السكان، العاصمة، المدن الكبرى، الثقافة ،العادات والتقاليد). كذلك تم تزويد المشاركين بمعلومات عن القانون الألماني والإقامة، الحقوق المدنية، المعاملات المصرفية، السكن والتنقل والاتصالات والدراسة.

القلق والإرهاق النفسي

عندما شرعت "يوديت" في عملها ضمن فريق الورشة التنويرية، كانت تطأ مجالاً ليس بالجديد عليها تماماً، لكنها تخوض لأول مرة تجربة نفسية في غاية الصعوبة. وهي تصف تلك البداية بالقول: "عملت في ألمانيا كمدّرسة لأكثر من خمسة أعوام، ولكنني هنا الآن أقوم بتدريس أبناء بلدي باللغة المحلية، أنا أعرف تماماً ما يشعرون به... ، فأنا أيضاً كنت لاجئة .. ".

كان الفصل المسائي للأستاذة "يوديت" يضم 23 مشاركا، وهو قوام ثلاثة أسر بأطفالها، بالإضافة إلى بعض الشباب والشابات. والكثيرون منهم لا يعرفون عن ألمانيا أي شيء. بيد أن ما يتفقون عليه جميعاً هو أنهم هاربون من تاريخ ثقيل مليء بالخيبات، لذا جل ما يهمهم الآن هو أن ينعموا بحياة كريمة في البلد الجديد.

وخلال الورشة تم طرح سؤال حول مخاوفهم من الحياة في ألمانيا؟ فكانت إجاباتهم تتراوح حول الاندماج في المجتمع، العنصرية، السكن، تكوين الصداقات، تربية أطفالهم، تعلّم اللغة، السفر وحرية التنقل وممارسة الشعائر الدينية. كما كانوا يرغبون في معرفة المزيد حول كيفية تعامل الألمان معهم، هل سيتم الترحيب بهم؟ وكيف يمكنهم التواصل وهم لا يعرفون اللغة الألمانية؟

أسباب اللجوء

تعاني القارة الإفريقية من موجات كبيرة للجوء، إذ لا يمر عقد على إفريقيا دون ظهور نسب متفاوتة في أعداد اللاجئين. ومن الأسباب التي تقف وراء خروج الناس من بلادهم، المشاكل السياسية والصراعات الداخلية التي تندلع في عدد من دول جنوب الصحراء. كما لعبت مشكلة الجفاف والتصحر واستمرار التدهور البيئي والمجاعات والكوارث الطبيعية، كالتي حدثت في عام 1984، دورا كبيرا في موجات الهجرة هذه.

كذلك أفرزت الحروب الأهلية، التي حدثت في الستينيات والسبيعينيات في كل من رواندا وبورندي وأوغندا وتشاد وزائير وأخيراً السودان، عدداً كبيراً جداً من اللاجئين.

وبالرغم من عودة معظم اللاجئين إلى بلدانهم الأم، عبر فترات متفاوتة منذ مطلع التسعينيات، ظلت مشكلة اللاجئين في إفريقيا إلى يومنا هذا موضع التفجر في كل حين. وما لم يحدث إصلاح سياسي جذري في تلك الدول المصدرة للاجئين فلن يتوقف الناس عن البحث عن ملاذات آمنة.

 اللاجئون في السودان

خلال العقد الأخير برزت حركة نزوح داخلي جديدة في السودان، ناجمة عن الصراع في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. فقد شهدت البلاد في الفترة الممتدة من يناير/ كانون الثاني إلى أغسطس/ آب من عام 2014 نزوح حوالي 400 ألف شخص جديد.

ولكن مع هذه الأرقام الكبيرة في حركة النزوح في البلاد، يستضيف السودان عددا من اللاجئين وطالبي اللجوء. وهو يستضيف حالياً 167 ألف لاجئ وطالب لجوء في شرق السودان ودارفور والخرطوم، أغلبهم من الأريتريين والأثيوبيين. وانضم إليهم مؤخرا لاجئون من سوريا. ومن المرجح أن يرتفع هذا العدد، ووِفقا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يعبر كل شهر أكثر من 4 آلاف إريتري الحدود إلى إثيوبيا أو السودان بشكل غير نظامي. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول نهاية عام 2015، وصل عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في البلاد إلى 460 ألف شخص.

وفى يناير/ كانون الثاني 2014 بدأت المنظمة الدولية للهجرة IOM في السودان وبالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNCHR وبالتنسيق مع إدارة الهجرة والأجانب، وسلطات مطار الخرطوم الدولي، بتيسير مغادرة 2553 لاجئاً ومهاجراً من السودان لإعادة توطينهم فى 13 دولة حول العالم.

 

 

عبد السلام الحاج - الخرطوم

حقوق النشر: معهد غوته / مجلة فكرٌ وفن 2016

ar.Qantara.de

 

عبد السلام الحاج: باحث ومحرر رقمي ومدون من السودان، عضو شبكة مدونات عربية، يقيم في الخرطوم.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تنوير اللاجئين ذهنياً ونفسياً قبل مجيئهم إلى ألمانيا

سيصلون الى المانيا، وتصدمهم مظاهر البذخ والحرية والثراء، فيصيبهم الإحباط
ويصبح نصفهم إرهابيين
فيما يعود النصف الاخر الى بلدانهم ليصبحوا إرهابيين
المشكلة في أي انوع من المهاجرين تقبل أوروبا العمياء؟
المهاجرون العلمانيون واليساريون لا طريق لهم لأوروبا
الحريصة على استقبال الاسلامويين والقتلة لترويضهم ام لتخريب نسيجها ؟؟ لا ادري والله ...لا اعرف كيف افسر سياسة أوروبا

هتوان غثوان عريبي12.12.2016 | 12:15 Uhr