رجال شرطة أمام مدخل مكان قمة المناخ COP 27 في شرم الشيخ - مصر.

ما وفره مؤتمر المناخ حقوقيا
انتقاد مباشر للنظام العسكري المصري في مصر نفسها

بدل مدح الدولة المضيفة امتلأت أجواء مؤتمر المناخ بانتقاد إجراءات الرقابة وبالتضامن مع المعتقل علاء عبد الفتاح وهو ما يراه الصحفي سفيان فيليب نصر في تعليقه لموقع قنطرة كارثة علاقات عامة لنظام مصر الحاكم.

"لا عدالة مناخية من دون حقوق الإنسان" أو "الحرية لجميع المعتقلين السياسيين" أو "الحرية لعلاء": من الواضح أنَّ مثل هذه الشعارات تثير استياء النظام العسكري السلطوي في مصر وقد هيمنت على الأسبوع الأوَّل من مؤتمر الأمم المتحدة لتغيُّر المناخ (كوب 27) -الذي أقيم في منتجع شرم الشيخ الساحلي بجنوب شبه جزيرة سيناء- وليست أخبار انطلاق المؤتمر بنجاح أو إحراز تقدُّم في المفاوضات حول إجراءات الحدّ من ظاهرة الاحتباس الحراري.

لم يحدث من قبل أن ركَّزت التغطية الإعلامية الدولية لقمة المناخ السنوية بمثل هذا التركيز المكثَّف على حالة حقوق الإنسان في الدولة المستضيفة لهذا الحدث الضخم. ونادرًا ما قدَّم نظام ما نفسه للعالم بصورة لا لبس فيها مثلما هو على حقيقته: دولة بوليسية مذعورة وسلطوية لا تخجل حتى من التجسُّس الأخرق والممنهج على المشاركين في قمة الأمم المتحدة لتغيُّر المناخ.

مع أنَّ الحكومة المصرية كانت تريد في الواقع من خلال مؤتمر المناخ كوب 27 تقديم نفسها كدولة مضيفة محترفة والترويج لجنوب سيناء كمكان للأحداث والفعاليات الدولية الكبرى وجذب الاستثمارات الخضراء إلى البلاد.

ولكن مصر أثارت الانتباه في فترة التحضير للدورة السابعة والعشرين من مؤتمر المناخ وبدايتها بتقارير إعلامية عن اعتقالات جماعية ومعتقل سياسي مضرب عن الطعام ورقابة بوليسية مذعورة وإجراءات مراقبة مبالغ فيها تمامًا حول مكان انعقاد مؤتمر المناخ وكذلك عن سياسات نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي الخاصة بالطاقة والتنمية الحضرية ذات الاستدامة القليلة فقط بيئيًا.

لقد بذل قبل ذلك على مدى أشهر المسؤولون في الحكومة المصرية ووسائل الإعلام المقرَّبة من الدولة كلَّ شيء من أجل التقليل من أهمية جرائم حقوق الإنسان المنهجية والتظاهر بأنَّ النظام مهتم بشكل جديّ بتغيير المسار المتَّبع في السياسة البيئية والمناخية.

 

مؤتمر المناخ العالمي COP 27 في مصر. COP27 Weltklimakonferenz in Ägypten; Foto: Mohamed Salem/Reuters
"فشل التبييض والتلميع والغسل الأخضر"؟: الحكومة المصرية كانت تريد في الواقع من خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ كوب 27 الذي عُقِدَ في شرم الشيخ تقديم نفسها كدولة مضيفة محترفة والترويج لجنوب سيناء كموقع للأحداث والفعاليات الدولية الكبرى وجذب الاستثمارات الخضراء إلى البلاد. ولكن مصر أثارت الانتباه في فترة التحضير للدورة السابعة والعشرين من مؤتمر المناخ وبدايتها بتقارير إعلامية عن اعتقالات جماعية ومعتقل سياسي مضرب عن الطعام ورقابة بوليسية مذعورة وإجراءات مراقبة مبالغ فيها تمامًا في محيط مكان انعقاد مؤتمر المناخ وكذلك عن سياسات نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي الخاصة بالطاقة والتنمية الحضرية القليلة الاستدامة بيئيًا، كما يكتب الصحفي سفيان فيليب نصر.

 

ولكنهم لم يحقِّقوا سوى القليل من النجاح، وذلك نظرا لتمكُّن أعضاء المعارضة ومنتقدي الحكومة والمجموعات المدافعة عن حقوق الإنسان من فضح ما تبذله الحكومة المصرية من محاولات -بعضها ذكية وبعضها خرقاء هدفها الغسيل الأخضر والتبييض والتلميع- وتمكنهم من لفت انتباه وسائل الإعلام إلى الوضع الكارثي في ​​السجون المصرية.

الإضراب عن الطعام ملاذه الأخير

وتركز هذا الاهتمام في المقام الأوَّل على الناشط البريطاني المصري علاء عبد الفتاح المعتقل بشكل شبه مستمر منذ عام 2014. وهذا المعتقل البالغ من العمر أربعين عامًا والمسجون بتهم واهية، كان قد دخل في إضراب جزئي عن الطعام في نيسان/أبريل 2022 احتجاجًا على ظروف اعتقاله ومن أجل الإفراج عن معتقلين سياسيين آخرين.

وبعد مائتين وثمانية عشر يومًا من امتناعه عن تناول الطعام، صعَّد إضرابه عن الطعام في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 2022 وذلك بالتزامن مع بدء الدورة السابعة والعشرين من مؤتمر المناخ، حيث امتنع أيضًا عن شرب الماء لمدة أسبوع.

وعلى الرغم من أنَّ علاء عبد الفتاح أنهى إضرابه عن شرب الماء، إلَّا أنَّ عائلته حذَّرتْ من احتمال موته نتيجة احتجاجاته خلال المؤتمر - وهذا سيناريو تسعى الحكومة المصرية إلى منعه بأي ثمن؛ لأنَّ تأثيره الضار على صورة النظام ومصر كدولة مضيفة للمؤتمر سيكون كبيرًا للغاية.

ولا يزال من غير الواضح إن كانت سلطات السجن تقوم بإطعامه الآن بالقوة، مثلما تشير التقارير. ومع ذلك فإنَّ الإفراج الفوري عن علاء عبد الفتاح، والذي تطالب به حملات التضامن والناشطون والمدافعون عن حقوق الإنسان والآن أيضًا الحكومات الأوروبية، بات يبدو مستبعدًا أكثر. فقد كانت ردود فعل النظام على الحملات عنيفة ومألوفة.

إذ إنَّ التقارير حول إطعام علاء عبد الفتاح بالقوة وكذلك الاعتداء اللفظي العنيف على شقيقته سناء سيف من قِبَل نائب مصري موالٍ للنظام في مؤتمر صحفي في شرم الشيخ، بالإضافة إلى البيان الصادر من البعثة الدائمة لمصر لدى الأمم المتحدة في جنيف والموجَّه إلى مجلس حقوق الإنسان - تشير أكثر إلى أنَّ النظام يحاول كسب الوقت.

وصفت الحكومة المصرية مطالبة مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك مؤخرًا بإطلاق سراح الناشط المحكوم عليه في "محاكمة غير عادلة" بأنَّها "إهانة غير مقبولة" ورفضتها بفظاظة.

نهاية الصمت التام

ومع ذلك فقد أدَّى إضراب علاء عبد الفتاح عن الطعام والحملات الصاخبة من أجل الإفراج عن المعتقلين السياسيين في مصر إلى تقارب بين حركتي المناخ وحقوق الإنسان وإلى صياغة مطالبهما بصورة أكثر شمولية. لم تتم مناقشة انتهاكات حقوق الإنسان في مصر لدى الرأي العام بمثل هذا الوضوح منذ انقلاب السيسي العسكري الدموي في عام 2013. وقد ساهم في ذلك تخصيص حركة المناخ قبل مؤتمر المناخ كوب 27 مساحة أكبر بكثير من أجل مطالب سياسية خاصة بحقوق الإنسان.

 

 

 
 

ولهذا السبب أيضًا يقول حسام بهجت، وهو مدير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية": "يجب عقد مؤتمرات المناخ في كلّ مكان يحتاج فيه المجتمع المدني إلى أن يتم سماعه والنظر إليه. ولا يجب أن تتم استضافة قمم الأمم المتحدة للمناخ في البلدان الديمقراطية فقط. فمن الممكن تحويلها إلى فضاءات مقاومة"، مثلما يؤكِّد هذا الناشط المدافع عن حقوق الإنسان على موقع تويتر.

وفي حين أنَّ المؤتمرات الصحفية وحلقات النقاش والمسيرات الاحتجاجية في موقع المؤتمر بشرم الشيخ قد أتاحت المجال لأوَّل مرة منذ سنين من أجل توجيه انتقادات مباشرة للنظام العسكري المصري داخل مصر نفسها، فقد انتشرت في الوقت نفسه عناوين رئيسية حول الأوضاع في السجون المصرية، التي يُقدَّر عدد المسجونين فيها بأكثر من خمسة وستين ألف معتقل سياسي، وكذلك حول القيود الشديدة المفروضة على حرية التعبير أو التجمع وحول حملة الاعتقالات الأخيرة في عموم مصر، والتي طالت مئات الأشخاص على خلفية دعوات مريبة إلى احتجاجات مناهضة للحكومة في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2022.

إجراءات رقابة بشعة

وخلال ذلك، تم في الأسبوع الأوَّل من مؤتمر المناخ كوب 27 تذكير المشاركين فيه بالسياق السلطوي المنعقدة فيه قمة المناخ لهذا العام 2022. ويبدو أنَّ التحذيرات الملحة في بعض الأحيان للوفود الرسمية والمنظمات البيئية غير الحكومية ونشطاء المناخ من إجراءات الرقابة المحتمل فرضها من قِبَل جهازي الشرطة والمخابرات المصريين -المعروفين بالحذر الشديد الذعر والارتياب- لم تكن مبالغًا فيها على الإطلاق.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة