مستقبل الديمقراطية بعد إسقاط نظام البشير

حرب العصابات في السودان تهدد الانتقال السياسي

أحرز السودان تقدّماً مشجّعاً نحو انتقال ديمقراطي من شأنه أن يدفع بالجيش السوداني إلى العودة إلى ثكناته، ولكن حرب العصابات بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية تهدّد مسار البلاد نحو الديمقراطية.

في 14 كانون الثاني/يناير، اندلع تبادل كثيف لإطلاق النار في مقر جهاز المخابرات العامة السوداني في الخرطوم. وقد اتهم المسؤولون السودانيون موظفين سابقين في جهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي كان قائماً في عهد الرئيس عمر البشير وجرى حلّه لاحقاً، بالتسبب بالصدامات من أجل زيادة قيمة المبالغ التي سيحصلون عليها في إطار تعويضات نهاية الخدمة.

وقد سارعت القوات المسلحة السودانية إلى قمع التمرد الذي قاده جهاز الأمن والمخابرات الوطني، غير أن هذه الواقعة أسفرت عن استقالة الفريق أول أبو بكر مصطفى، المدير العام لجهاز المخابرات العامة، في 16 كانون الثاني/يناير.

وعلى الرغم من أن رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يصر على أن الجيش السوداني استعاد السيطرة التامة على جهاز المخابرات، سلّطت حادثة 14 كانون الثاني/يناير الضوء على الاستقطاب العميق داخل المؤسسة العسكرية السودانية. وقد ظهرت هذه الانقسامات خلال رئاسة البشير الذي عمد، بعد استيلائه على السلطة من خلال انقلاب عسكري في عام 1989، إلى استخدام شبكات المحسوبيات لتقسيم الجيش السوداني حول الخطوط القبلية، وحافظ على السلطة من خلال استغلال الانقسامات العقائدية بين القوميين العرب والإسلاميين داخل القوات المسلحة السودانية.

وقد حالت هذه الاستراتيجية القائمة على مبدأ فرّق تسد دون تمكّن الجيش السوداني من شنّ انقلاب ضد البشير إلى أن بات هذا الأخير عاجزاً عن الاحتفاظ بمنصبه بفعل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وتقدّمه في السن. ولكن التفافالجيش السوداني حول المجلس العسكري الانتقالي بقيادة البرهان في نيسان/أبريل 2019 كان تكتيكياً إلى حد كبير، وأدّت التظاهرات المستمرة إلى إعادة إحياء الانقسامات القديمة داخل المؤسسة العسكرية السودانية.

أعلنت الحكومة السودانية، أن رئيس الوزراء عبدالله حمدوك نجا من حادثة تفجير إرهابي وإطلاق رصاص استهدفت موكبه بالخرطوم، صباح الإثنين في التاسع من مارس 2020. ونشرت وكالة الأنباء السودانية (سونا)، توجه حمدوك إلى مكتبه لمزاولة عمله في مقر مجلس الوزراء بعد نجاته من محاولة الاغتيال التي تعد الأولى من نوعها بعد الإطاحة بنظام البشير.
محاولة اغتيال رئيس الوزراء عبدالله حمدوك يهدد اتفاق المرحلة الانتقالية في السودان: بعد سقوط نظام الرئيس عمر البشير في 11 نيسان/ أبريل 2019، ومفاوضات صعبة، تخللها فض اعتصام القيادة العامة في 3 حزيران/ يونيو 2019، توصلت قوى إعلان الحرية والتغيير التي قادت الحراك الثوري، إلى اتفاق مع المجلس العسكري الانتقالي، حول الوثيقة الدستورية، التي سوف تُدار المرحلة الانتقالية.

 

اقرأ/ي أيضًا: مقالات تحليلية من موقع قنطرة

احتجاجات وانتفاضات في الجزائر ولبنان والسودان والعراق

هل هذا هو الربيع العربي الثاني؟

"إما النصر أو مصر"...مخاوف من استنساخ حفتر وسيسي جديد

أمل السودانيين في التغيير - نقطة حرجة في تاريخ السودان

 

"الصدامات العنيفة بين عناصر من قوى الأمن في السودان تهدّد مسار البلاد نحو الديمقراطية"

ظهرت الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية بعدما ارتكبت قوات الدعم السريع، وهي منظمة شبه عسكرية تزرع الذعر الشديد، مجزرة أسفرت عن مقتل 128 محتجاً في الخرطوم في 3 حزيران/يونيو. وعلى الرغم من أن انقلاب نيسان/أبريل تسبب بتغييرات واسعة النطاق على مستوى العناصر ذوي الرتب المتوسطة والدنيا في القوات المسلحة السودانية، وكان بينهم عدد كبير من داعمي التظاهرات ضد البشير، وافقت الدوائر المقرّبة من البرهان بتكتّم على ما أقدمت عليه قوات الدعم السريع في 3 حزيران/يونيو، ولكنها ظلت راغبة في التوصل إلى اتفاق مع المعارضة السودانية. وفي 13 حزيران/يونيو، زعم قائد سلاح الجو السوداني، الفريق أول صلاح عبد الخالق، أن المجلس العسكري الانتقالي لا يريد "حكم السودان إلى ما لا نهاية"، وأنه يسعى إلى تحقيق انتقال سياسي في غضون أشهر قليلة. وقد تنافى كلام عبد الخالق التوفيقي مع إصرار قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان "حميدتي" دقلو على أنه لن يتنحى إلا "على جثته".

على الرغم من أنه كان يُتوقَّع على نطاق واسع أن يؤدّي التباين في الآراء بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بشأن التفاوض مع المعارضة إلى عرقلة الانتقال السياسي في السودان، أفضى اتفاق تقاسم السلطة في 5 تموز/يوليو إلى اكتساب الموقف التوافقي للقوات المسلحة السودانية أفضلية حاسمة. فقد أدّى هذا الاتفاق إلى مأسسة التناوب على السلطة داخل مجلس السيادة بين الفريقَين المدني والعسكري، وفرض إجراء انتخابات في مختلف أنحاء البلاد في سنة 2022. ةمع أن حميدتي وقّع على اتفاق الانتقال الرسمي في 17 آب/أغسطس بحضور مسؤولين على غرار رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد ورئيس جنوب السودان سلفا كير، لا تزال قوات الدعم السريع تعرقل المسار السوداني نحو الديمقراطية.

 

 

وقد تسببت هذه القوات بتعطيل الانتقال السياسي في البلاد من خلال تنظيم حركات تمرد دورية واتخاذ إجراءات عدوانية لتدعيم السلطة المؤسسية. في 12 تموز/يوليو، شنّت قوات الدعم السريع، كما يُزعَم، محاولة انقلابية أسفرت عن توقيف 12 ضابطاً و4 جنود. وقد ربط الفريق أول ركن، جمال عمر، وهو مسؤول كبير في المجلس العسكري الانتقالي، المحاولة الانقلابية مباشرةً بالقوى المناهضة للعملية الانتقالية، وزعم أن "مجموعة من الأشخاص الذين يرفضون مطالب الشعب" تُهدد الأمن في البلاد. ويُعتقَد أيضاً أن قوات الدعم السريع أدّت دوراً في محاولة انقلابية نُفِّذت في 24 تموز/يوليو وأسفرت عن اعتقال الفريق أول بكري حسن صالح الذي كان نائباً لرئيس السودان من 2013 إلى 2019. وقد أصرّت قوات الدعم السريع على أن عناصر مارقين في الجيش السوداني حرّضوا على شن المحاولتين الانقلابيتين،وانضمت هذه القوات إلى الجيش السوداني في قمع التمرد الذي اندلع في 14 كانون الثاني/يناير. ولكن داعمي الانتقال السياسي لا يزالون يتخوّفون من سلوك قوات الدعم السريع الذي يتسبب بزعزعة الاستقرار.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة