مهاجرو أفريقيا عبر البحر إلى اليمن أكثر منهم إلى أوروبا

لاجئون أفارقة في اليمن كمستجير من الرمضاء بالنار

مسافات طويلة يقطعها باتجاه اليمن آلاف المهاجرين الأفارقة، راكبين البحر بقوارب متهالكة تتقاذفهم الأمواج لتوافي عددا منهم المنية، وحين يصلون إلى الضفة اليمنية تتحطم أحلامهم -بحياة أفضل في الخليج والسعودية- على صخور الجبال اليمنية وتتبخر مع سراب الصحاري الجنوب عربية. صفية مهدي التقت بعدد منهم في اليمن.

تحت أشعة الشمس الحارقة وموجات الرياح المحملة أحياناً بالغبار، يعبر المهاجرون القادمون من دول القرن الأفريقي، سيراً على الأقدام مسافات تمتد لمئات الكيلومترات في مناطق الساحل اليمني، بعد أن وصلوا على متن قوارب تهريب متهالكة، إلى البلد الذي طحنته الحرب منذ أكثر من خمس سنوات.

لكنهم وفي ظل عدم إدراك العديد منهم بحقيقة المخاطر التي تعترضهم، يستمرون بالتوافد، وتدفع العديد منهم في ذلك أحلام الحياة الوردية التي يرسمها المُهربون وإغرائهم بالوصول إلى السعودية المجاورة لليمن، في رحلة قد تنتهي ببعضهم بالموت في عرض البحر أو على قارعة الطريق.

ووفقاً للقاءات الميدانية وشهادات سكان محليين على الطريق الساحلي الواقع بين مدينة عدن اليمنية ومنطقة مضيق باب المندب لدويتشه فيله، لا يكاد يمر يوم دون عبور العشرات بل والمئات من المهاجرين، لا يحملون في الغالب سوى ما يرتدونه من ثياب تعكس حالتها الأوضاع المادية الصعبة التي دفعتهم إلى الهجرة، بالإضافة إلى علب مياه بلاستيكية أو حقائب صغيرة حصلوا عليها من منظمات دولية  لدى وصولهم إلى السواحل اليمنية.

وعادةً ما يطلبون ممن يواجهونهم أو من المركبات التي تتوقف في طريقهم "شربة ماء"، على أن جزءاً آخر ممن يصلون السواحل اليمنية، ينتقلون على متن مركبات يوفرها المسؤولون عن تهريبهم، دون الاضطرار لعبور مسافات طويلة سيرا على الأقدام.

ولدى توجيه دويتشه فيله أسئلة لمجموعات متفرقة تتألف الأولى من نحو 15 فرداً وأخرى من سبعة وثالثة أربعة من أفراد بين منطقتي "رأس العارة" و"خور عميرة" بمحافظة لحج اليمنية في الـ 25 من مايو/أيار 2020، عن الوجهات التي يقصدونها، أفاد عدد منهم، بأنهم يهاجرون للبحث عن العمل وأنهم يتخذون من اليمن طريقاً للوصول إلى السعودية، لكنهم علموا أنهم لن يتمكنوا من الوصول إلى الأخيرة حالياً، بسبب الإجراءات المشددة على إثر تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ولذلك فإنهم سيواصلون الرحلة نحو عدن حتى حين. وأبدى اثنان منهم على الأقل، رغبة بالعودة إلى بلادهم إثيوبيا، بسبب المصاعب التي تواجه هدف الوصول إلى وجهتهم.

 

السير نحو المجهول: يقطعون آلاف الكيلومترات بحث عن حياة أفضل، ولا يعرفون المصير الذي ينتظرهم - عدد المهاجرين من أفريقيا بحراً إلى اليمن أكبر من عددهم إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.
عدد المهاجرين من أفريقيا بحراً إلى اليمن أكبر من عددهم إلى أوروبا عبر البحر المتوسط عام 2019: كشفت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد المهاجرين الذين عبروا البحر إلى اليمن يفوق عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى أوروبا عبر المتوسط، لكن معظم من عبروا اليمن دخلوا إلى السعودية حيث يعيشون هناك في وضع محفوف بالمخاطر. وذكرت المنظمة الدولية للهجرة، يوم الجمعة (14 فبراير/شباط) 2020، أن عدد المهاجرين من شرق إفريقيا، الذين قاموا برحلة محفوفة بالمخاطر، عبر البحر إلى اليمن -الذي تمزقه الصراعات- أعلى في العام 2019 من عدد المهاجرين الذين سافروا عبر البحر المتوسط للوصول إلى جنوب أوروبا. وقالت المنظمة إن 138 ألف شخص أبحروا من القرن الأفريقي إلى اليمن في عام 2019، أكثر من 90 بالمئة منهم من إثيوبيا. وعبر 110 ألف شخص فقط البحر المتوسط عام 2019.

 

أكثر من 10 آلاف شهرياً

وفي حديث خاص لدويتشه فيله أفادت المتحدثة باسم منظمة الهجرة الدولية في اليمن أوليفيا هيدون، أن معظم المهاجرين الذين يصلون إلى البلاد هم من الإثيوبيين ويغادرون القرن الأفريقي من الصومال وجيبوتي، وذلك بمتوسط  10 آلاف إلى 12 ألف شخص شهرياً، بناءً على إحصائية العام 2019،  لكن العدد انخفض بنسبة تصل إلى 85 بالمائة بين يناير/كانون الثاني (الذي بلغ عدد المهاجرين فيه أكثر من 11 ألفاً) وبين أبريل/نيسان 2020 والذي انخفض فيه العدد إلى 1725 شخصاً.

وتضيف المسؤولة الأممية أن الانخفاض يعود إلى توقف عملية المغادرة عبر جيبوتي، بينما استمرت العملية لبعض المغادرين من الصومال، ورجحت أن يكون ذلك نتيجة زيادة المراقبة الحدودية على طول الطريق من إثيوبيا عبر الصومال وجيبوتي وحتى اليمن.

رحلة محفوفة بالمخاطر

استمر توافد المهاجرين من القرن الأفريقي إلى اليمن، خلال السنوات الماضية، على الرغم من الحرب الكارثية الدائرة في الأخيرة، وما خلفته من تداعيات على مختلف المستويات، بما فيها تلك المرتبطة بسلامة الهجرة إلى اليمن والمخاطر التي تهدد القادمين من الضفة الأخرى من البحر إلى الشريط الساحلي اليمني الممتد من البحر الأحمر وحتى البحر العربي.

وبحسب إفادات يمنيين من سكان وعاملين على الطريق الساحلي لدويتشه فيله فإن الرحلة قد تنتهي بحوادث مأساوية لبعض المهاجرين، الذين يبدون بأعمار بين 16 و35 عاماً، بعضهم يقضي نتيجة محاولته تسلق ناقلة أثناء مرورها في الطريق بغية التغلب على المسافة التي يعبرها سيراً على الأقدام، ومنها على سبيل المثال نحو 150 كيلومتراً متراً بين باب المندب وعدن، حيث أقصر الطرق، كما أن أعداداً أخرى تصل إلى مناطق ساحلية مختلفة من البلاد.

إضافةً إلى ذلك، فإن وصول بعض المهاجرين إلى السعودية أو دول خليجية أخرى، وفق شهادات، يتم عبر رحلة قد تمتد لشهور، لكن العديد منهم يتوقفون في اليمن  بالحصول على عمل ما يدر عليهم بعض المال، بما في ذلك العمل في المزارع، أو أعمال بناء ونقل حمولات، وصولاً إلى غسل السيارات في شوارع مدن رئيسية.

 

 

ويشير وسيم على رشيد، وهو يمني ثلاثيني يعمل صياداً وناشطاً محلياً في منطقة "العارة" بمحافظة لحج اليمنية لدويتشه فيله، إلى أن المهاجرين عادةً يسألون عن الطريق إلى وجهات معينة، بما في ذلك إلى عدن جنوباً، ومحافظة البيضاء (وسط البلاد). وبعضهم يريد التوجه نحو السعودية، ويضيف بأنهم "يعملون في أي شيء" يُطلب منهم أينما وصلوا.

وفي ردها على تساؤلات لدويتشه فيله، أفادت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن الحكومة اليمنية تمنح صفة اللاجئين للصوماليين، فيما تقوم المفوضية بتسجيل جنسيات أخرى معظمهم من الإثيوبيين والإريتريين، ممن يحتاجون إلى الحماية ولا يمكنهم العودة إلى ديارهم، كما تنسق مع المنظمة الدولية للهجرة، بشأن أولئك الوافدين، الذين يبحثون عن فرص عمل لتحسين حياتهم ويمكن العودة إلى بلادهم.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة