إذا واصلت واشنطن الضغوط على طهران، ولم تجد طهران مخرجاً لفك الحصار النفطي والتجاري عنها،  قد تقدّم إيران، مضطرة في نهاية المطاف، ورقة انسحابها من سوريا، مع حزب الله والميليشيات الأخرى العاملة بإمرة الحرس الثوري الإيراني، وتعهدها بضبط حزب الله ومنعه من القيام بأي عمل عسكري ضد إسرائيل، مقابل تخفيف الضغوط الأمريكية عليها ومبادرة باتجاه حل سياسي لأزمتها مع واشنطن، بوساطة موسكو وضمانها للانسحاب الذي سيحظى بمباركة إسرائيل بالطبع.
مواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في الخليج

"طهران" تتحدّى "واشنطن"...سياسة حافة الهاوية تحت المجهر

الباحث بدرخان علي: رغم أن فرصة إيجاد حل سياسي لأزمة إيران ليست معدومة، إلا أن من المستبعد الوصول إلى حل قريب للأزمة التي قد تطول لسنوات مع استمرار التهديدات والتوترات واستنزاف إيران وخصومها الإقليميين معاً. فنحن أمام صفحة جديدة للصراع في الشرق الأوسط.

مقدمة:

بإسقاطها طائرة "درون" أمريكية يوم الخميس 20/6/2019، نقلت إيران التوتر والتصعيد مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة إلى مرحلة تحدي خطيرة تبلغ درجة "حافة الهاوية". تنطلق إيران من أمرين: الأول تقدير مفاده أن الولايات المتحدة لن تخوض حرباً شاملة ضدها، والثاني: استعداد إيران لخوض المجابهة من مبدأ إبراز أوراق القوة ووسائل الردع المتوفرة لديها لثني الولايات المتحدة عن مخططها الهادف إلى تدمير إيران عبر الحصار الاقتصادي الخانق المفروض عليها وإركاعها، حتى دون عمليات عسكرية واسعة، تتجنبها الولايات المتحدة حتى الأن، حيث لا تملك إيران رفاهية الأنتظار ومشاهدة هذه الاستراتيجية الأمريكية المدمّرة لها مع الوقت.

كما أن وراء تأجيل، أوإلغاء، الرئيس الأمريكي ترامب ضربة انتقامية فورية مقرّرة رداً على الإهانة الإيرانية لهيبتها العسكرية بإسقاط الطائرة المسيرة دون طيار، تكمن المخاوف الأمريكية من عواقب التصعيد العسكري المباشر ضد إيران واحتمال انزلاق الأوضاع إلى نزاع شامل وغير قابل للتحكم به، ووضع المصالح الأمريكية الحيوية وقواتها في المنطقة، مع حليفتها إسرائيل وحلفائها المقتدرين اقتصادياً، في دائرة الاستهداف العسكري المباشر، وتفضيل خيارات أخرى أقل انخراطاً وكلفة عسكرياً وتؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف أوتدمير القدرات الإيرانية.

* خلفيات الأزمة في الخليج:

حفلت الأيام الماضية بتوتر متصاعد في الخليج العربي الإيراني (استهداف ناقلات نفط لعدة مرات، قصف مواقع مدنية وعسكرية أمنية ونفطية داخل أراضي المملكة العربية السعودية بصواريخ وطائرات مسيرة من قبل الحوثيين في اليمن، تهديدات إيرانية بإغلاق مضيق هرمز وضرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة..). 

يعود هذا التصعيد إلى تبعات الإجراءات القسرية أحادية الجانب من قبل الولايات المتحدة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعد إلغاء الرئيس ترامب في آيار/مايو2018، الاتفاق النووي مع إيران والأنسحاب الأمريكي وحيد الجانب من خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي الإيراني) بين إيران ودول الخمسة زائد واحد (الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي وألمانيا) المبرمة في يوليو/تموز 2015 والتي دخلت حيز التنفيذ في 16 كانون الثاني/يناير 2016، بما ترتب على قرار "ترامب" من إعادة العقوبات الاقتصادية على إيران ووقف استفادة إيران من العودة إلى السوق العالمية الاقتصادية والتبادل التجاري مع الخارج، كما كان مقرراً بموجب الاتفاق النووي والتزام إيران به مقابل عدم ذهاب إيران في طريق الحصول على القنبلة النووية.

لقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية هي الأقسى في تاريخ إيران التي سبق وتعرضت لعقوبات قبل إبرام الاتفاق النووي. تهدف العقوبات إلى جعل صادرات النفط والغاز "صفر" (وهوالعصب الأساسي للاقتصاد) وحظر التعامل مع البنك المركزي الإيراني والبنوك الأخرى وحظر بيع الأسلحة لها وتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، بالإضافة إلى مصادر مالية أخرى، وهي في تصاعد بحيث تفرض حصاراً شبه كامل على إيران. لا توافق أوروبا على هذه السياسة (لأسباب اقتصادية ومخاوف أمنية من الهجرة والأسلحة بعيدة المدى التي تمتلكها إيران والعمليات الارهابية وتجارة المخدرات في حال نشوب صراع عسكري بين طهران وواشنطن، كما أن لألمانيا دور أساسي في تطوير البرنامج النووي الإيراني وتصدير تقنياته).

وكانت فرنسا وألمانيا خصوصاً اعتقدتا أنهما أمام سوق مغرية للاستثمار في البنية التحتية وقطاع النفط والغاز والطيران بُعيد إبرام الاتفاق النووي، إلا إنهما تلقيتا خسارة كبيرة بسبب إصرار الولايات المتحدة وجدّيتها في معاقبة أي شركات أجنبية تعمل في إيران. أمِل الاتحاد الأوربي إيجاد آلية بديلة لأنقاذ الاتفاق النووي مع إيران بعد انسحاب أمريكا، إلا أنه لم ينجح، وإيران لا ترضى بآلية تلزمها بالاتفاق النووي دون رفع الحصار عنها.

 

 

 تمضي الولايات المتحدة في سياسة "الضغط الأقصى" على إيران لإجبارها على عقد اتفاق جديد وأوسع من السابق، يشمل بالإضافة إلى النووي البرنامج الصاروخي الباليستي وسياسة إيران في الإقليم ككل. الشروط الاثنى عشر التي وضعتها الولايات المتحدة، على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو،  تطلب من إيران تغييرات جذرية في سياستها الخارجية في الشرق الأوسط والأنسحاب الكامل من سوريا، فضلاً عن انكشاف جميع مقدراتها العسكرية والأمنية  ومنعها من احتمالية الحصول على القنبلة النووية إلى الأبد، وليس لعشر سنوات فقط كما هوفي الاتفاق النووي.

مع تصاعد العقوبات الأمريكية ضد إيران، وإلغاء "ترامب" الإعفاءات المؤقتة الممنوحة لبعض الدول لشراء النفط الإيراني وفشل الجهود الأوربية والصينية والروسية لأنقاذ الاتفاق النووي حتى الأن وإيجاد آلية بديلة، هدد الرئيس الإيراني حسن روحاني، في 8 آيار/مايو2018، بأن إيران ستعاود العمل ببعض عناصر برنامجها النووي (تخصيب اليورانيوم والمياه الثقيلة فوق العتبة المسموح بها في الاتفاق النووي) ومنح الدول الخمسة المشاركة في الاتفاقية 60 يوماً فقط (تنتهي في 7/7/2019، أي بعد بضعة أيام) لإيجاد آلية بديلة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق تضمن لإيران رفع الحصار الاقتصادي عنها، وإلا ستنسحب إيران من الاتفاقية بشكل كامل، وتعمل على برنامجها النووي كما في السابق.

كذلك هدد عدد من المسؤولين الإيرانيين بإغلاق مضيق هرمز ومنع تصدير النفط منه في حال الاستمرار بمنع تصدير النفط الإيراني. وكذلك مهاجمة المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

اعتبرت الولايات المتحدة هذه التهديدات جدية وحقيقية، وأرسل البنتاغون على وجه السرعة أسلحة ومعدات (برمائية) هجومية ودفاعية (منظومة باترويت ضد المقاتلات الجوية والصواريخ بعيدة المدى) ضخمة وكبيرة وأعداد إضافية من مشاة البحرية الأمريكية  إلى أسطولها في الخليج.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.