دكتاتورية حزب البعث ومستقبل سوريا

الأبد هدف مجانين السلطة...الأسد و"ما بعد الأبد"!

يعتبر الكاتب والروائي اللبناني اللبناني المعروف الياس خوري أن هوس الاحتفظ بالسلطة الى الأبد هو ما دفع نظام الأسد الى إحراق سوريا الجميلة بشكل همجي لا مبرر له. فالعنف الفائض الذي استخدم لم يكن بهدف قمع المتظاهرات والمتظاهرين من أجل اطفاء نار الاحتجاج الشعبي فقط، بل كان يهدف أيضا الى تلقين الشعب السوري درسا لن ينساه الى الأبد.

منذ انفجار الاحتجاجات الشعبية في سوريا في آذار- مارس 2011، رفع انصار النظام الاستبدادي أو ما يطلق عليه السوريون اسم ‘الشبيحة’، شعارين:

الشعار الأول هو ‘الأسد او نحرق البلد’، واشتعلت الحرائق، وامتلأت شوارع المدن والبلدات السورية بجثث الشهداء والضحايا. بدأ النظام باحراق البلد قبل ان تطلق المعارضة السورية رصاصة واحدة. الأزهار والمياه التي قدمها غياث مطر للجنود السوريين، قابلها النظام بإعادة جثة الشاب الى ذويه مشوّهة. والرد على مظاهرات درعا السلمية اتى عبر جثة الفتى حمزة الخطيب الممزقة، وحنجرة القاشوش اقتلعت قبل ان ترمى جثة المنشد الشعبي في نهر العاصي.

لم يسبق ان استخدمت الدبابات في قمع المظاهرات، ولم يسبق لسلطة ان تجبّرت كما فعل نظام الابن الذي لم يحفظ من تاريخ والده سوى مجزرة حماه، ووأد المجتمع السوري في الصمت، وسحق المعارضة في سجن تدمر الرهيب.

بدأ النظام في إحراق البلد بشكل همجي لا مبرر له. فالعنف الفائض الذي استخدم لم يكن بهدف قمع المتظاهرات والمتظاهرين من أجل اطفاء نار الاحتجاج الشعبي فقط، بل كان يهدف أيضا الى تلقين الشعب السوري درسا لن ينساه الى الأبد.

الأبد... هدف مجانين السلطة

 الاسد انتخب على أطلال براميل النظام السوري المتفجرة; Foto: Getty Images
يرى الكاتب اللبناني البارز إلياس خوري أن استبداد نظام الأسد نجح في تحويل سوريا إلى رقعة شطرنج يتبارى فيها اللاعبان الدوليان فوق أنهار الدم والدموع، مشيرا إلى أن نزع الكيماوي يعطي مظلة حياة مؤقتة لنظام الأسد، وهذا ما يريده الروس، ولا يسمح بانتصار الشعب السوري على جلاديه، وهذا ما تريده الولايات المتحدة وروسيا!

والأبد، كما يعلم القاصي والداني، هو هدف مجانين السلطة، ونقطة ضعف جميع المستبدين. واذا كان الجنون قد قاد الامبراطور الروماني كاليغولا الى ان يعلن انه يريد القمر، كما في مسرحية البير كامو التي تحمل اسم الامبراطور عنوانا، فإن الملك المحتضر كان له طلب واحد هو الخلود المستحيل، كما في مسرحية يوجين يونيسكو ‘الملك يموت’. غير أن الأسد الأب تفوق في خياله الإستبدادي على خيال أسلافه جميعا، فانتقلت اليافطات المؤيدة له من كونه رئيسا ‘الى الأبد’ الى اعلانه رئيسا ‘الى الأبد والى ما بعد الأبد’.

لم أستطع فهم معنى ما بعد الأبد إلا حين رأيت كيف يقوم الإبن بتنفيذ أبد والده عبر إحراق سوريا وتدميرها، ثم ينتقل الى مرحلة ما بعد الأبد عبر ترشيح نفسه كي يكون رئيسا على الركام.

الأسد أو نحرق البلد’، لقد نجح الشبيحة وحلفــــاؤهم الروس والإيرانيون والميليشيات التــــابعة في إحــــراق البلد، بل نجحوا في استدراج ميليشيات تشبهـــهم في استبدادها كي تتسلط على الشعب السوري، وتدعشه وتنصره على نفسه.

وهذه مسألة يجب ان تفتح صفحتها كي نفهم من يتحمل مسؤولية هذا الإنهيار، وكي تتم محاسبة قيادات المعارضة والجيش الحر ايضا، من دون ان ننسى دور النفط الخليجي، ولؤم الغرب ونذالته ونذالة من عوّل على مساندته لقضية الحرية في سوريا.

كان الخيار هو الأسد أو احراق البلد، احـــترق البــــلد، وتشّرد الشعب، فلماذا الأسد بــــعد ذلك. حـــــرف ‘او’ يعني ان الحريق جاء بعد ان صـــار بقاء الأسد مستحيلا، او هكذا تدلّ العبارة، لكن يبدو ان للنظام طريقته الخاصة في إعراب اللغة.

بشار الاسد في مكان ; Foto: Screenshot Twitter
ألياس خوري: كان الخيار هو الأسد أو احراق البلد، احـــترق البــــلد، وتشّرد الشعب، فلماذا الأسد بــــعد ذلك. حـــــرف ‘او’ يعني ان الحريق جاء بعد ان صـــار بقاء الأسد مستحيلا، او هكذا تدلّ العبارة، لكن يبدو ان للنظام طريقته الخاصة في إعراب اللغة.

الأسد أو لا أحد

لذا اندفع الإستبداد الى تطبيق شعاره الثاني، الأسد او لا أحد’.فإذا كان الأبد يعني إحراق سوريا، فإن ما بعد الأبد يعني الدخول في عالم يصنعه خيال مريض، لا يشبع من سفك الدماء، ولم يعد له سوى هدف واحد هو استمرار الانتقام من ‘العبد’ الذي تمرّد على سيده الى ما لا نهاية.

الدعم اللامحدود الذي تلقاه ولا يزال يتلقاه النظام، سمح له بالذهاب الى شعاره الثاني، لكن الواقع السوري المأسوي أحدث عليه تعديلا، فاستبدل ‘أو’ ب ‘و’، والمسألة لا تقتضي جهدا لغويا خاصا، فاستبدال حرف عطف بحرف عطف آخر، مسألة في غاية البساطة. هكذا صار الشعار الفعلي هو ‘الأسدولا أحد’.

أي أن الخيار بين ‘السيد الرئيس′ (وهذا عنوان رواية أستورياس عن مآلات الاستبداد في أمريكا اللاتينة)، وبين الفراغ او اللا أحد لم يعد مجديا، لأن الرئيس نفسه صار هو هذا اللا أحد.

بشار الأسد اننتخب رئيسا على إيقاع البراميل المنفجرة والدماء وفي بلد ممزق الأوصال، وسينعم باللقب سبع سنوات أخرى، أو هكذا يظن.

الكاتب اللبناني المعروف الياس خوري; Foto: dpa/picture-alliance
ولد الكاتب اللبناني إلياس خوري عام 1948 في بيروت. ويعمل محرررا في جريدة النهار البيروتية. شارك في إصدار العديد من المجلات الدورية السياسية وعمل لفترة معينة مديرا فنيا لمسرح بيروت. ومن روياته "باب الشمس" التي تتحدث عن تاريخ الفلسطينيين الحديث.

ولكن من هو هذا الرجل اليوم؟

هل هو الأمين القطري لحزب البعث، الذي تدعمه وتقاتل بالنيابة عنه ميليشيات أصولية عراقية ولبنانية؟
أم هو زعيم الممانعة الذي سلّم سلاحه الكيميائي مقابل ان يبقى في السلطة؟
أم هو بطل استكمال ذاكرة مذبحة تل الزعتر بحاضر مأساة مخيم اليرموك؟
أم هو بطل الجولان الذي لم تطلق فيه رصاصة واحدة منذ أربعة عقود؟
أم هو القائد العام لجيش لا يقود، بل يقاد من قبل الحرس الثوري الايراني؟
أم هو الإبن الذي نسي سر أبيه بأن تكون سوريا لاعبا إقليميا على جماجم أبنائها، فأبقى سور الجماجم الهولاكي، متخليا عن دوره كلاعب ومحولا سورية الى ملعب لكل من هب ّودب ّمن القوى الإقليمية والدولية؟
هل يحكم هذا الرجل ركام بلاده أم أنه صار جزءا من هذا الركام، وما عليه سوى ان يدفع الجزية لأسياد سوريا الجدد؟

الأسد … ولا أحد
الأسد هو اللا أحد

انه كائن ضبابي يسبح فوق الدم والأشلاء، ويدّعي انه سيكون رئيسا لجمهورية لم تعد موجودة.

هذا هو ‘ما بعد الأبد’، الذي بشرتنا به يافطة علقها الأزلام، في يوم مضى، على مداخل طرابلس الفيحاء، أو طرابلس الشام، او مدينة القهر والدم، التي لا تزال تدفع من دم أبنائها ثمن الأبد الأسدي وما بعده.

 

الياس خوري

حقوق النشر: الياس خوري 2014

هتلر وستالين وموسيليني وتطرف كاثوليكي تحت راية الأسد: لماذا يدافع متطرفون من أوروبا عن نظلم الأسد

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الأبد هدف مجانين السلطة...الأسد و"ما بعد الأبد"!

شكرا الياس خوري على هذا المقال في عمق الكارثة السورية التي سببها الاسد وزمرته الفاسدة في سوريا الجميلة. نعم أنت محق في ان مجرم الحرب وقاتل الأطفال ومجوع الاجئين هو كائن ضبابي يسبح فوق الدم والأشلاء، ويدّعي انه سيكون رئيسا لجمهورية لم تعد موجودة. نعم الجمهورية السورية انتهت.

علي سعد الدين25.06.2014 | 21:12 Uhr