محمد أركون، الصورة: د ب أ
حوار مع الباحث والفيلسوف محمد أركون:

المحنة العربية

قليلة هي الأسماء الفكرية في الثقافة العربية التي استطاعت أن تتحرر من القراءة الايديولوجية للتراث، وتنفتح دون عقد على الآخر، بل وتساهم في ابداع منهجية جديدة لقراءة النصوص وتاريخ الأفكار. وأحد هذه الأسماء لا ريب محمد اركون.
محمد أركون، الصورة: د ب أ
يجب أن نبدأ أولا بطرح اسئلة على القرآن وعلى الطريقة التي يقرأ بها القرآن!

​​

تتحدثون في كتبكم عن الأنوار الأولى، أو ما تسمونه بالانسانوية العربية، الا يمثل ذلك نظرة رومانسية الى الماضي، إذ كما قال حسن حنفي، المجال العربي الاسلامي لم يعرف لا مفهوم الانسان ولا مفهوم التاريخ؟

محمد أركون: الأنوار. إنها الكلمة التي يطلقها الأوروبيون على الثورة السياسية والثقافية التي تحققت في القرن الثامن عشر في أوروبا والدول الأوروبية الكبرى مثل بريطانيا، فرنسا، المانيا وهولندا. والعلاقة بين الأنوار وما سبقها، علاقة يطبعها الاستمرار والقطيعة.

فالله كما يقول القرآن، "هو الذي أخرجكم من الظلمات إلى النور" من ظلمات الجهل الى نور معرفته. إن كلمة الأنوار استعارة قديمة يمكن أن نعود بها إلى الديانة المانوية. لكن أنوار القرن الثامن عشر سيتم استغلالها من طرف البورجوازية الصاعدة من أجل بدء مشروعها الاستعماري.

مشروع ينحرف عن الهدف الأساسي للأنوار التي كانت رسالة الى البشرية بأكملها. والأنوار ليست قطيعة راديكالية مع الماضي، إنها فلسفة تستعمل مفاهيم استعملت في السابق من طرف الدين، لكنها من ناحية أخرى تقول بأن العقل لن يخدم من هنا فصاعدا الدين بل إنه سيخضع الكلام الإلهي نفسه للدرس العلمي، وهذا هو الجديد.

إذن الأمر يتعلق بقطيعة واستمرار. لكن منذ البداية هناك استغلال سياسي لرمزية وعد الأنوار من أجل استعمالها لأغراض التوسع السياسي والاقتصادي".

ما اصطلح عليه في الأدبيات الكولونيالية " الرسالة التحضيرية". لكن ماذا عن الأنوار العربية؟

أركون: لا بد من الإشارة بدءا بأن الحضارة العربية تميزت بالتعدد. بغداد كانت مدينة عالمية. لقد كانت بالنسبة للقرون الوسطى مدينة كبيرة جدا، تطور فيها ما نصطلح عليه اليوم التعدد الثقافي، وتطورت بها شروط تنوير للعقل وبناء عقل نقدي.

كانت هناك أنوار، لكنها أنوار لا يمكن مقارنتها بما حدث في اوروبا خلال القرن الثامن عشر. فالقرن الثامن عشر استفاد من إنجازات القررن الوسطى في مجال العلوم الفلسفية والدينية، بل داخل هذه الأنوار نفسها يمكن الحديث عن حقب فكرية متعددة.

فابتداءا من النصف الثاني للقرن التاسع عشر جاء ماركس لينتقد العقل المثالي ويؤسس لعقل جدلي، ونيتشه الذي انتقد القيم وعبادتها واعتبرها بنت محيطها، وأنها تتغير بتغير المحيط الاجتماعي، دون أن ننسى فرويد واكتشافه لحياتنا الداخلية.

إنها إذن آفاق أخرى للأنوار، لكني أتساءل إن كنا مقبلين اليوم على حقبة تنويرية جديدة تتضمن تحريرا للأنوار من قبضة النزعات الاستعمارية للبورجوازية.

تحدثم عن عنف الأنوار، ولكن ما رأيكم بالعنف الصادر عن الخطاب الأصولي. أو ما تسمونه بالانحراف الايديولوجي، ألا يعود ذلك العنف الى نزعة هذا الخطاب الراغبة بتغيير العالم؟

أركون: أعتقد بأنها رؤية مبتسرة لمشكلة العنف. ذلك أن العنف بعد أنثروبولوجي للكائن الانساني وللكائن الحي عموما. فالعنف موجود منذ وجود المجتمعات البشرية والعنف محدد للسلوك البشري.

الأحزاب السياسية مثلا هي أركسترا للعنف. ولم نحاول أن نظهر العلاقة بين العنف وبين قوى أخرى لم يستطع الانسان التحكم بها، وهذه القوى التي تشتغل داخل كل مجتمع هي المقدس والحقيقة. الحقيقة التي يتضمنها النظام الديني القائم على الاعتقاد واللااعتقا

ذلك أن اللااعتقاد هو ما سيحدد هوية الدين الجديد. وهكذا يتأسس الدين منذ البداية على مظاهر عنف يتم التعبير عنها عن طريق الحقيقة. حقيقة تقوم على العنف. تقول لأتباع الدين بأنه لا وجود الا لعقيدة واحدة وإله وحيد.

هذا مثال من الدين، وهذا مثال من الايديولوجيا: لينين يستولي على السلطة باسم البروليتاريا وكل الآخرين يجب أن يخضعوا لسلطة البروليتاريا التي تمتلك الحقيقة، وهذا يحدث في قلب عصرنا.

لهذا أعتقد بأننا نحتاج الى أنوار جديدة تقول للجميع بأن هناك حقائق كثيرة، وتنزع صفة المقدس عن الحقيقة. والمقدس وظيفة الدين، الذي سيخلع القداسة على مايقوله، ليتحول إلى أمر غير قابل للنقاش.

والحقيقة أيضا في النظام المعاصر تتسم أيضا بالقداسة، وعملية خلع صفة المقدس على الحقيقة تتم عن طريق الأعياد والاحتفالات الرسمية والبنايات، هذا ما أسميه بالمثلث الأنثروبولوجي. وما قلته عن هذه القوى الثلاث: العنف، الحقيقة، المقدس، نجده في المجتمعات القديمة كما نجده في المجتمعات الأكثر عصرية.

وماذا عن الصعود القوي للخطاب الأصولي؟ ماالعمل من أجل وقف هذه الايديولوجية؟ هل على العالم العربي أن يقف إلى جانب سياسة الرئيس الأمريكي جورج بوش؟

أركون: أنا جزائري، وعشت حرب التحرير كما عشت بألم كبير الحرب الأهلية الأخيرة، والتي أعرف بأنها نتاج استقلال مصادر من طرف نظام الحزب الوحيد. يجب أن نعرف الأصول التاريخية لنظام الحزب الوحيد والذهاب أبعد من ذلك إلى دراسة النظام السلطوي في كل الدول التي لم تعرف تنويرا.

يجب أن نبدأ أولا بطرح اسئلة على القرآن وعلى الطريقة التي يقرأ بها القرآن، خصوصا من طرف هؤلاء الأصوليين الذين عاشوا في مدرسة الاستقلال والحزب الوحيد. وبالنسبة للشق الثاني من السؤال، فالاشكالية التي نعيشها منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 اشكالية معقدة.

يجب أن نعالجها بعقل نقدي، إلا أن ردود الفعل حول هذا الحدث ظلت في أغلبها عاطفية وايديولوجية، الخير والشر، الرب والشيطان، حتى في الخطاب الأمريكي. لا يجب أن ننسى بأن الرئيس الأمريكي أول من استعمل مثل هذا المعجم وسمح لنفسه، بعد أن تم طي صفحة الاستعمار، بغزو بلد، محاولا إجباره على الدخول في النظام الديمقراطي، رغم أنه لا يملك وسائل تسمح له بذلك.

إنه إنحراف. فكيف نفرض نظاما ديمقراطيا على بلد لا تملك الأسس الأولية التي تحدد النظام الديمقراطي، وعاشت لأكثر من ثلاثين سنة تحت حكم ديكتاتور أشبه بالغول. لكن من جهة أخرى كيف نطلب من الولايات المتحدة أن لا تتدخل مادام الأمر يتعلق بمثل هذا النظام الديكتاتوري؟

إن هناك واجبا للتدخل. الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران يقول بأن واجب عدم التدخل يتوقف إذا ما كان الآخر يتعرض لخطر ما. أنا مع التدخل إذا تعلق الأمر بأنظمة ديكتاتورية. لكن من خلق هذه الأنظمة؟ لا غرو أن هناك تورطا للدول الكبرى، لكن هناك أسبابا داخلية، الأسس الدينية والثقافية لهذه الدول المارقة.

أجرى الحوار رشيد بوطيب
حقوق الطبع قنطرة 2006

قنطرة

ناقد معاصر للعقل الإسلامي
إصدار جديد للباحثة الألمانية أرزولا غونتر يتناول المنظومة الفكرية وسيرة حياة المفكر الجزائري المقيم في فرنسا محمد أركون. مراجعة برهان شاوي

ملفات خاصة من موقع قنطرة