العالم العربي والوحدة العربية

اللغة العربية...حلقة الوصل الأخيرة بين الدول العربية

يرى الصحافي الألماني كِرستن كنيب أن الدول العربية تسير في طرق مختلفة سياسياً واقتصادياً ودينياً، وأن الوحدة العربية باتت وعوداً من الماضي. لكنه يعتبر أن شيئاً واحداً فحسب ما زال يربط بين سكان هذه الدول: وهي اللغة العربية. ويرى أن هذه اللغة هي التي ما زالت تتخطى حدودهم وتؤدي إلى تماسك عالمهم العربي، وتساهم في هز أعماقهم، مثلما حدث في ثورات الربيع العربي، وأنها هي التي في النهاية سوف تدفعهم إلى الأمام.

"اقرأ!" كان الأمر الذي تلقاه نبي الإسلام محمد واضحاً لا لبس فيه. ومن المأثور في التراث الديني المتعلق بنشأة الإسلام في مطلع القرن السابع أن الله نفسه هو الذي أصدر هذا الأمر، ولم يستطع النبي سوى أن يلبي الأمر، فقرأ بصوت عال أمام أتباعه ما أُملي عليه من السموات العلا. ما استمعوا إليه كان وقعه على الأذن مميزاً وفريداً تماماً. وليس من المصادفات أن يكون اسم الكتاب المقدس للمسلمين هو القرآن، المشتق اسمه من جذر مؤلَّف من ثلاثة حروف: "القاف" و "الراء" و "الهمزة" غير المعروفة في اللغات الأوروبية. "القرآن" إذن هو ما ينبغي أن يُقرأ.  بصوت عال ينبغي قراءة القرآن حتى يستمع المرء إلى الجرس المميز للغة الضاد.

الوحي بالعربية

التعرف على الذات عبر اللغة العربية، وإدراك قدرتها على التعبير عن الأفكار اللاهوتية لعصرها: هذا، حسبما يرى شتيفان فيلد، الباحث في العلوم الإسلامية من مدينة بون، هو ما أدى إلى نجاح الدين الجديد إلى حد كبير.

"يمكننا القول إن القرآن لم يُكتب مصادفة باللغة العربية، بل إنه – وهذا شيء مذكور في النص المقدس نفسه – قرآن عربي في المقام الأول. وفي بدايات هذا الدين العربي لم تكن السمة الرئيسية للدين الجديد أنه جاء بأفكار جديدة عن الله والملائكة والأنبياء، بل كون كل هذه الأمور - التي قيلت وتم التفكير فيها قبل ذلك بلغات أخرى – قد نزل بها الوحي الآن بالعربية."

تكوّن اللغة العربية مع الإسلام وحدة متماسكة متلاحمة. وإذا كان العرب منذ القرن السابع الميلادي قد توغلوا شيئاً فشيئاً غرباً وشرقاً، وغزوا خلال ذلك مناطق كانت تتضخم يوماً بعد يوم، فإنهم كانوا ينشرون ثقافتهم على نحو مزدوج، أي دينياً ولغوياً. بالتأكيد كان يعيش في ظل حكمهم أتباع ديانات أخرى. ولكن على الأقل لغوياً توثقت صلة الخاضعين بسادتهم الجدد منذ ذلك الحين. "صحيح أن غير المسلمين – مثل المسيحيين في لبنان والعراق – لم يدخلوا دين الإسلام، غير أنهم قبلوا استخدام لغة الحضارة السائدة، أي العربية"، يقول شتيفان فيلد.

صفحة من القرآن. Foto: picture alliance/Godong
وكأن القرآن، العمل اللغوي النثري الأقدم في اللغة العربية، "لم يكتب مصادفة باللغة العربية، بل إنه – وهذا شيء مذكور في النص المقدس نفسه – قرآن عربي في المقام الأول"، يقول الباحث في العلوم الإسلامية شتيفان فيلد.

هِردر وفيشته في الشرق

وكما كان الوضع في زمن التوسع الإسلامي كانت اللغة العربية هي الرابطة الموحدة الجامعة عندما سقطت الممالك التي امتدت من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي. وفي القرن السادس عشر واصل العثمانيون توغلهم في المنطقة، وبسطوا سيطرتهم على الأقطار العربية قطراً بعد الآخر. عبر ثلاثة قرون كانت تلك الأقطار خاضعة لسيطرة القسطنطينية (اسطنبول).  منذ ذلك الحين أصبحت اللغة العثمانية، وهي الشكل الأسبق للغة التركية الحديثة، هي اللغة الرسمية في العالم العربي. لكن الأقطار التي كانت عربية بدأت في القرن التاسع عشر تلتفت إلى جذورها وتتمرد على الحكام الأجانب.

عن ذلك يقول شتيفان فيلد إن "اللغة العربية لعبت دوراً مهماً كلغة قومية خلال المقاومة التي واجهت بها الدولة العثمانية التي ضمت شعوباً متعددة تتحدث لغات كثيرة. آنذاك استند العلماء العرب على (الفيلسوفين الألمانيين) فيشته وهردر لكي يشرحوا إلى أي حد يمكن للغة العربية أن تكون رابطة جامعة موحِدة. وتمت الإشارة إلى التشابهات القائمة مع اللغة الألمانية كحلقة وصل بين الدويلات الألمانية المتعددة – هذا التصور كان شائعاً تماماً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. استلهم العرب إذن هذه الفكرة من الألمان؛ فكرة أن اللغة العربية يمكن أن تكون الرابطة الموحدة للأمة العربية الكبيرة، وذلك إذا قام العرب بدعمها ونشرها بشكل كافٍ".

الانقسام الآيديولوجي

وفي القرن العشرين أيضاً لعبت اللغة العربية أيضاً دوراً كبيراً، بل ربما دوراً حاسماً في الشعور بالهوية في المنطقة. لقد اتضح بشكل متزايد أن دول المنطقة تسير في اتجاهات مختلفة. فمن ناحية كانت هناك دول، وعلى رأسها مصر وسوريا والجزائر واليمن (الجنوبي)، بدأت في تطبيق تجارب اشتراكية قومية، والسعي إلى الاقتراب من الاتحاد السوفيتي.

كما كانت هناك دول أخرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والدول الأخرى في شبه الجزيرة العربية، سعت إلى رعاية الإسلام المحافظ الذي ينظم قطاعات كبيرة من الحياة العامة. آيديولوجياً لم يحدث تلاقٍ بين الاتجاهين، وبدأ الحديث عن وحدة الدول العربية يخفت شيئاً فشيئاً. ويقول شتيفان فيلد موضحاً إن هذا ينعكس على الهيئة المركزية للدول العربية، أي على الجامعة العربية. "لدي الانطباع بأن الشيء الوحيد الذي أدى ويؤدي إلى تماسك الجامعة العربية هو لغة الضاد. اللغة وحدها، اللغة العربية الفصحى، هي القادرة على جعل هذا العالم متماسكاً."

يوهان غوتفريد هِردر. Foto: imago
كان الشاعر والمترجم الألماني يوهان غوتفريد هِردر، والباحث اللاهوتي والفيلسوف في التاريخ والثقافة، أيضاً أحد آباء القومية العربية.

تصدعات وشقوق عبر المجتمع

في الألفية الجديدة أظهر الربيع العربي بكل وضوح كيف أن هوات عظيمة تفصل بين المجتمعات في الدول العربية، كما تفصل أيضاً مجتمعات البلد الواحد. الأغنياء والفقراء، المتعلمون والأميون، المؤمنون وغير المؤمنين: كلٌ من هؤلاء له مصالحه وتصوراته ونمط حياته المختلف. السؤال حول ما يمكن أن يؤدي إلى تماسك المجتمعات هو سؤال مطروح أيضاً في الدول العربية بإلحاح كبير. وفي بعض الأحيان كانت الإجابات عنيفة للغاية على هذا السؤال، كما هو الحال في سوريا على وجه الخصوص.

وهكذا فإن الدول العربية المختلفة أصبحت لها علاقات هشة فيما بينها، تماماً مثل العلاقات القائمة بين الطبقات المختلفة داخل حدود البلد الواحد. هناك وحدة جديدة تتكون بفضل رقمنة المحطات الإخبارية والإعلامية العربية. وهكذا تعمل قناة "الجزيرة" وقناة "العربية" وقنوات أخرى على أن يكون العرب في العالم كله على نفس المستوى الإعلامي. وإن كانت الآراء تتباين تباينا كبيراً بخصوص تقييم الأخبار المُذاعة فإنها تتلاقى حول ضرورة بقاء هذه الوحدة اللغوية. وهذا ما يراه عديد من الكتاب العربي، مثلما يقول شتيفان فيلد:

"كثير من الكتاب يحذرون من توغل اللهجات العامية في الأدب المعاصر. وهم يخشون أن يتطور الأمر حتى نجد يوماً ما لغة عربية مصرية أو مغربية أو عراقية. وينتابهم القلق من أن هذه التنويعات اللغوية قد تتباعد فيما بينها شيئاً فشيئاً."

مشاعر ارتباط تلقائية

ما الذي يجعل العالم العربي متماسكاً إذن؟ لم يعد هناك الكثير. إن دول المنطقة تسير في طرق مختلفة سياسياً واقتصادياً ودينياً وثقافياً. ولكن إذا كانت الثورة التي تفجرت في تونس قد استطاعت أن تنقل شرارتها بهذه السرعة إلى البلدان الأخرى، فإن السبب الرئيسي لذلك يرجع إلى أن الناس في المنطقة تشعر بارتباط تلقائي فيما بينها. قد يختلفون حول القيم وأنماط الحياة، غير أنهم يفعلون ذلك باللغة العربية.

إنها اللغة العربية - هي التي تتخطى كل حدود عالمهم العربي وتؤدي إلى تماسكه، وهي التي تساهم في هز أعماقهم، مثلما يحدث في الثورات الحالية، وهي التي في النهاية - وهذا هو المأمول - سوف تدفعهم إلى الأمام.

 

 

كِرستن كنيب

ترجمة: سمير جريس

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: دويتشه فيله/ قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : اللغة العربية...حلقة الوصل الأخيرة بين الدول العربية

من دون غلو او تطرف وبمنطق علمي : انما العربية اللسان . فالعرب ليسوا جنس مرتبط بالعرق وانما رابطتهم اللسان ., مما يجعلهم جنس منفتح على كل من ينخرط لغويا في لسانهم ثم ان ميزة هذا اللسان لا مثيل له على الاطلاق في كل السنة العالم .فهي اللغة الوحيدة المؤتمنة على المعنى فانت تستطيع ان تورث المعنى الذي تريد عبر نصوص عربية لاجيال عديدة مع بقاء النص قابل للفهم ثم انها لغة لا تموت ولا تفنى وهي ام لغات العالم وهي ليست من صنع بشري . وانما نزلت مع آدم ولهذه الاسباب اختارها الله ليبلغنا كلامه الكريم وهي الاصل في شجرة لغات العالم وكل ما عداها متفرع منها. لهذا فهي اصلح لغة كمرجع للمعنى على مستوى العالم . وهذا ما يجعل العقل العربي العقل المرجعي على مستوى العالم رغم ما يشهده العربي من انحطاط أتمنى ان لا يدوم انه انحطاط مؤقت وستعود الى الريادة مهما طال الزمن.

عربي موس14.08.2014 | 12:15 Uhr