الرحالة والمستكشف الألماني ماكس فون أوبنهايم

رحالة ألماني بين السحر الأسطوري والواقع السياسي للشرق

كان المفكر الاستراتيجي والمستكشف الألماني ماكس فرايهِر فون أوبنهايم (1860 – 1946) مراقبا للشرق الأوسط ثاقب الرؤية، وقد أظهر في كل مراحل حياته مدى صعوبة التوفيق بين حلم الشرق الأسطوري والواقع السياسي في المنطقة. انطباعات بقلم الصحفي الألماني كيرستن كنيب لموقع قنطرة.

الأشياء العائدة للأزمنة الغابرة كانت لا تزال موجودة في الأسواق: سجادٌ ومنسوجاتٌ تعلق على الجدران وعلبٌ وصناديق ومزهرياتٌ وأوانٍ، وأعمالٌ يدويةٌ فنيةٌ لم تعُد تستخدم في أواخر القرن التاسع عشر في المدن العربية الكبرى، الأمر الذي أسعد الباحثين الوافدين.

كيف كانت الحياة في الشرق يا ترى قبل وصول الأوروبيين – في زمان كانت الحياة تسير فيه في القاهرة وبيروت ودمشق على إيقاعٍ مختلفٍ تمامًا؟ كانت التصورات في أواخر القرن التاسع عشر حول هذا الزمن تكاد تكون غير موجودة فعليًا.

لم يكن يوجد مسرحٌ أوروبيٌ في بيروت بحسب ما كتب عالم الآثار ماكس فون أوبنهايم (1860 – 1946) في كتابه "من البحر الأبيض المتوسط حتى الخليج الفارسي" ولكن فيها العديد من مقاهي الغناء التي يمكن فيها سماع أعمال معتبرة لمنشدين متجولين ولمغنيات الطقاطيق الفرنسية ولفرق موسيقية نسائية بوهيمية.

كل هذا لطيف، بالتأكيد، ودلالة على تقدم التحديث، إلا أنه كان زمنًا مختلفًا، إنه زمن التغيير الذي يقود إلى عصرٍ جديدٍ يتجاوز القديم. بطبيعة الحال لا يخلو الأمر أيضًا من وجود مقاهٍ شرقيةٍ تعزف فيها الموسيقى العربية.

بيد أنَّ الأمر يختلف عما كان من قبل: الموسيقى العربية ليست إلا أحد العروض العديدة، ويمكن لسكن بيروت وزوارها أنْ يختاروا ويقرروا بحرية ما يريدون سماعه. ولكن هذا يعني أيضًا أنَّ التقاليد والزمن الذي لم يُعزف فيه إلا الموسيقى العربية قد ولّى إلى غير رجعة، ولم يعُد الشرق القديم إلا عبارة عن كواليس.

الشرق القديم هو مجرد كواليس في أحسن الأحوال، هذا ما لاحظه ماكس فون أوبنهايم في دمشق أيضًا. إذ يكتب أنه استطاع زيارة المساجد هناك دون صعوبة. "لم أُمنع من زيارة مسجدٍ إلا مرَّةٍ واحدة، وكان هذا في تكية الدراويش الذين لم يسعوا لأن يجعلوا من عاداتهم الدينية حرفةً مربحةً كما هي الحال في أماكن أخرى".

كان ماكس فون أوبنهايم مراقبًا للشرق الأوسط ثاقب الرؤية. كتابه "من البحر الأبيض المتوسط حتى الخليج الفارسي" مليءٌ بالملاحظات النبيهة حول التغييرات الجذرية التي تحصل في العالم العربي. وباعتباره كان موظفًا في القنصلية الألمانية العامة في القاهرة، أعدّ في عام 1896 مئات التقارير حول الوضع في مصر التي كانت تحت الحكم البريطاني، وقد أمعن ماكس فون أوبنهايم التفكير في كيفية زيادة نفوذ ألمانيا في ذاك البلد الوقع على ضفاف النيل.

كان ماكس فون أوبنهايم يدير مكتب استخبارات الشرق في خريف عام 1914، في الوقت الذي كانت ألمانيا تخوض فيه الحرب العالمية الأولى. وبحث عن طريقة لكسر هيمنة البريطانيين والفرنسيين المتزايدة في الشرق الأوسط أو الحد منها على الأقل، أي هيمنة من باتوا معادين لألمانيا. وقد لخّص أفكاره في "مذكَّرة بخصوص تثوير المناطق الإسلامية الخاضعة لنفوذ أعدائنا".

تكشف المذكَّرة عن كونه قوميًا متحمِّسًا وعازمًا بلا قيد أو شرط على إيقاف الخصم عند حدِّه: "ينبغي على قنصلياتنا في تركيا والهند ووكلائنا وغيرها أنْ يشعلوا ثورات عارمة في مجمل العالم المحمدي ضد شعب صغار التجار البغيض والكاذب والعديم الضمير، فعندما يكون علينا أنْ ننزف، ينبغي لإنكلترا أن تفقد الهند على الأقل".

Bild "Sultan mit Gefolge"; Foto: © Max Freiherr von Oppenheim-Stiftung
تخيُّل الشرق: لالتقاط صورة حيَّة لـ "السلطان وحاشيته" تم استخدام ملابس من مجموعة ماكس فون أوبنهايم.

وينطبق على حدِّ قوله في هذا السياق، "دفع العنصر الديني من خلال مسجد الأزهر والروابط الأخوية وما إلى ذلك إلى المقدمة". لأنه يرى أنَّ الانقلابات الصغيرة والاعتداءات من شأنها أنْ تساهم في "جعل الانكليز في مصر يتخبطون أكثر من تخبطهم الحالي". بيد أنَّ هذا المخطط لم يتحقق كما هو معروف. لم يكُن الألمان، بل البريطانيون والفرنسيون هم من استطاع جذب العرب إلى جانبهم. لكن أمرًا واحدًا كان قد تبيّن لماكس فون أوبنهايم بوضوحٍ شديدٍ: إمكانية تعبئة المسلمين سياسيًا. ولا يتطلب الأمر إلا استخدام مشاعرهم الدينية لأغراض خاصة، أي باختصار، وضع المعتقد الديني في خدمة السياسة.

حفلة تنكرية

إلا أنَّ ما يوصي به المفكر الاستراتيجي ماكس فون أوبنهايم ، ينكره أوبنهايم كشخص خاص، أي أنَّ الشرق كان في مرحلة انتقالية، وهذا التغيير سوف يشوِّه الشرق.

لم تكن اتفاقية سايكس بيكو التي تضمنت تقسيم جزءٍ كبيرٍ من العالم العربي بين فرنسا وبريطانيا قد وُقـِّعت بعد. لكنَّ ماكس فون أوبنهايم توقَّع الاتجاه الذي ستسير فيه الحرب العالمية الأولى ونتائجها.

يكتب أوبنهايم في ورقته الاستراتيجية: "كلما زادت قسوة أعمال القمع المتوقعة، وكلما أصابت أبرياء كما هو متوقَّع، يتضاعف غضب وتشدُّد الشعب". وقع هذه الكلمات يشبه ما يرد في كتابٍ توجيهيٍ معاصرٍ بخصوص الدعوة للجهاد وانحراف الدين، كما كان معهودًا في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، إلا أنها توصيات أوبنهايم التي كان قد فكَّر بها بغية إبعاد البريطانيين والفرنسيين من الشرق.

Virtuelle Rekonstruktion: Bildwerke der Eingangsfront Westpalast; Foto: Projekt der Bundeskunsthalle, des Vorderasiatischen Museums (SMB), der TU Darmstadt und Architectura Virtualis.
ماكس فون أوبنهايم (1860 – 1946) اكتشف في سنة 1899 مدينة تل حلف الأثرية الواقعة اليوم في شمال شرق سوريا، حيث قصر أحد الأمراء الآراميين من القرن الأول قبل الميلاد في مدينة غوزانا. يشمل المعرض الذي يقام للمرة الأولى واجهة قصر تل حلف الشرقي وارتفاعها خمسة أمتار كما يشمل الرسومات الأصلية.

لعبة ساخرة يعارضها ماكس فون أوبنهايم على المستوى الخاص حيث يكون نقيض ذلك في عالم الشرق القديم، الذي يظهر من جهة في عمله الدؤوب في مجال الآثار الممتد على مدى عقود من الزمن، ومن جهة أخرى في شغفه في جمع كل ما حصل عليه في جولاته في الأسواق من أشياء تعود إلى الشرق الأسطوري القديم.

كان يجلب الآثار من أماكن مختلفة ويجمعها بعناية، ويعدّ الفيلا التي يسكنها في القاهرة بحيث ينظم فيها مرتين في السنة حفلة تنكرية خيالية، يلتقي فيها سلاطين وحريم وأمراء وخِصيان وذلك بمشاركة شخصيات بارزة من المجتمع الأوروبي، يبدلون في فيلا ماكس فون أوبنهايم ثيابهم المعهودة - عالم الأزياء التنكرية الخاصة بالمضيف، ومن هذه الشخصيات التي كانت مستعدة للتنكّر يمكنُ ذكر باولين برينتسيسين فون تورن أوند تاكسيس، ويوهانس نيبوموك غراف براشما، وكارل إيغون أمير فورستنبرغ، وكذلك كان كارل ماي من المشاركين في حفل أوبنهايم التنكري.

حب الأسطورة

لسنوات طويلة لم يدَّخِر ماكس فون أوبنهايم جهدًا في التنقيب عن كنز تل حلف الذي يمكن رؤيته الآن في قاعة الفنون الاتحادية، وفي عرضه على الناس في الشرق الأوسط وأوروبا على حدٍّ سواء.

 لا يمكن اكتساب هذه الطاقة من دون دوافع قوية. إعجاب أوبنهايم بالعالم العربي أُوقِظ بحسب ما هو معروف من خلال قراءة قصص ألف ليلة وليلة. أي من خلال عالم أسطوري قد زال منذ فترةٍ طويلة، لكنه يمتلك الطاقة الكافية للشروع بعملٍ يمتد على مدى عقود والحفاظ عليه. ربما كان حب الأسطورة حتى يومنا هذا أحد أقوى الدوافع لكل أولئك الذين يعنون بشؤون الشرق الأوسط، دون أن يكونوا منحدرين منه، أي لكل أولئك الذين لا يتكلمون اللغة العربية باعتبارها اللغة الأم، بل يتعلمونها على مدى سنواتٍ طوال.

 لا يزال الشرق باعتباره أسطورة وفضاء خيالي يخلق دوافع قوية للاقتراب من ثقافة ولغة المنطقة. وقد أظهر ماكس فون أوبنهايم طوال حياته مدى صعوبة التوفيق بين الشرق والشرق الأوسط. أما حيثية السماح بالتأثـُّر بسحر الشرق دون أنْ يدفع ذلك إلى تجاهل واقع المنطقة فتلك هي المهارة الجوهرية التي تتميَّز بها حتى يومنا كل علوم الدراسات الإسلامية والإقليمية.

 

 

كيرستن كنيب

ترجمة: يوسف حجازي

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

معرض "مغامرة الشرق. ماكس فون أوبنهايم واكتشافه مدينة تل حلف الأثرية في سوريا ". يستمر المعرض حتى 10 آب/ أغسطس 2014 في قاعة الفنون والمعارض لجمهورية ألمانيا الاتحادية في مدينة بون.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.