مظاهرة تأييد لحزب الله في العاصمة الأردنية في 21 تموز/يوليو 2006، الصورة: أ ب
الظلال الإقليمية لحرب لبنان:

تجذر مرعب للشمولية والشعبوية في الحياة السياسية العربية

ستغير حرب لبنان، حسب رأي عمرو حمزاوي، خريطة اهتمامات النخب والمواطنين في المجتمعات العربية. فبعد أن تميزت السنوات الماضية بحراك سياسي وبنقاشات حول إمكانات التحول الديمقراطي عربياً، يعود اليوم الصراع مع إسرائيل إلى الواجهة.
مظاهرة تأييد لحزب الله في العاصمة الأردنية في 21 تموز/يوليو 2006، الصورة: أ ب
مظاهرة تأييد لحزب الله في العاصمة الأردنية في 21 تموز/يوليو 2006.

​​ستغير حرب لبنان 2006 ولفترة طويلة، خريطة اهتمامات النخب والمواطنين في المجتمعات العربية. فبعد أن تميزت السنوات الثلاث الماضية بحراك سياسي غير مسبوق، وبنقاشات موسعة حول فرص وإمكانات التحول الديمقراطي عربياً، يعود اليوم الصراع مع إسرائيل إلى الواجهة ويدفع بمأساوية لحظته الراهنة الرأي العام العربي في اتجاهات بعيدة كل البعد عن حديث الديمقراطية. تحليل عمرو حمزاوي

بالقطع لم تقتصر أحداث السنوات الماضية على صناديق الانتخابات والمظاهرات السلمية المطالبة بالحريات المدنية وحقوق الإنسان، بل التأم في ثنايا مشاهدها من التفجيرات الإرهابية والعنف الطائفي والممارسات القمعية من جانب النظم السلطوية الشيء الكثير.

كذلك لم يغب الصراع العربي الإسرائيلي تماماً عن الأنظار، فدوامات العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة استمرت وتسارعت حركتها في لحظات عديدة عن معدلات البداية مع اندلاع الانتفاضة الثانية.
إلا أن الواقع ينبئنا أن أحداث فلسطين كانت قد أضحت جزءاً من روتين الحياة اليومية للمواطنين العرب بكل ما يعنيه ذلك من هامشية الأثر ومحدودية التفاعل، في حين بدأت أغلبية واضحة تدرك أن المخرج الوحيد من وباء الإرهاب وشبح الطائفية وجموح السلطوية يتمثل في إنجاز تحول ديمقراطي فعلي يضمن تداول السلطة ومسؤولية الحاكم والمشاركة الشعبية في تسيير الشأن العام.

التركيز على الداخل

بدا مجمل القوى السياسية في العالم العربي، نخبا حاكمة وحركات معارضة، كالراغبة في التخفف من عبء القضايا والصراعات الإقليمية، الذي أثقل كاهلها وأعاق تقدمها عقوداً طويلة والتركيز على التحديات الداخلية علها تصيب بعض النجاح.

تراجعت، إذا ما استثنينا شرائط بن لادن والظواهري والزرقاوي، شعارات الجهاد والمقاومة والتحرير ذات الطابع الأيديولوجي شديد الحدية لتحل محلها وعود وبرامج الإصلاح الدستوري والسياسي الحكومية ومطالبة المعارضات بالشروع الفوري في تطبيقها.

بالتأكيد لم تتحول المجتمعات العربية إزاء تحايل الحكام وضعف المعارضة والعنف المتواصل هنا وهناك إلى واحة للديمقراطية، إلا أن الأخيرة أصبحت مناط النظر والمعيار الأساسي للحكم على الأمور.
الآن وعلى وقع الضربات التدميرية للآلة العسكرية الإسرائيلية في لبنان وأشلاء المدنيين المتناثرة في قانا والقاع وغيرهما من قرى الجنوب والبقاع، ومع تواطؤ القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة واستمرار عذابات الفلسطينيين يطل الوجه القبيح للصراعات الإقليمية ويصيغ وجدان وإدراك المواطن العربي مجدداً حول ثنائية المقاومة والاستسلام، إما مقاومة مشروع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية في الشرق الأوسط أو الاستسلام والتنازل عن حق الأمة العربية الإسلامية في الوجود وحماية مصالحها المشروعة.

قضايا التحول الديموقراطي

تتبدل خطوط الاصطفاف السياسي في المجتمعات العربية، في المقام الأول في المشرق القريب جغرافياً من لبنان، من تباينات تستند إلى الموقف من قضايا التحول الديمقراطي إلى انقسام حدي بين نخب حاكمة تنأى بنفسها عن الصراع الدائر رافعة شعار العقلانية ومعارضات إسلامية وعروبية تتهمها بالتخاذل وتدعو إلى فتح باب الجهاد والمقاومة، بعد أن وجدت في حزب الله ونصر الله الأبطال المنتظرين.

عمرو حمزاوي، الصورة: مؤسسة كارنيغي
الباحث عمرو حمزاوي

​​وعلى الرغم من أن البعض في صفوف حركات المعارضة، خاصة الإسلامية منها، يسعى إلى الربط بين مواقف الحكومات وغياب الديمقراطية داخلياً ويدلف منه إلى المطالبة بإصلاح جذري، إلا أن الأمر المؤكد أن عودة الصراع مع إسرائيل إلى قلب النقاش العام والحياة السياسية في العالم العربي، تضعف عملاً من أهمية قضايا التحول الديمقراطي، وتقلل بحكم حدية الانقسام بين النخب الحاكمة والمعارضة من إمكانات إنجاز خطوات إصلاحية على الأرض تقتضي قدراً أدنى من التوافق والمرونة وقبول التدرجية من القوى السياسية الرئيسية.

الأخطر من ذلك، هو أن مضامين مواقف جل حركات المعارضة العربية المطالبة بالديمقراطية من حرب لبنان، إنما تدلل على شمولية وشعبوية تثير العديد من الشكوك حول المعنى الفعلي لالتزامها الديمقراطي المعلن.

فالبون شاسع بين اعتماد خطاب عقلاني يروم محقاً فضح الآلة العسكرية الإسرائيلية والكشف عن جرائمها ضد المدنيين وانتقاد القبول الأمريكي والانتصار لحق اللبنانيين في المقاومة وبين استخدام مفردات عنصرية، إن ذات خلفية دينية أو عروبية، من شاكلة حرب اليهود القتلة وجرائم بني صهيون وتحالف الصليبيين والصهاينة أو التهليل اللاأخلاقي لسقوط ضحايا مدنيين في إسرائيل من جراء قصف حزب الله بعد أن نزعت صفة الإنسانية عن مواطني مجتمع اختزل وجوده في عبارة الكيان الغاصب.

وليت الأمر مجرد حس شعبوي تتسم به حركات المعارضة الإسلامية والعروبية ويدفعها للتجاوب ببرجماتية مع عواطف قواعدها الجماهيرية واستغلالها لأغراض الحشد والتعبئة، بل هو تعبير عن قناعات ثابتة في قلب رؤى وبرامج هذه الحركات حالت دوماً دون اضطلاعها بواحدة من أهم وظائف القوى السياسية الساعية للإصلاح ألا وهي عقلنة مشاعر الجماهير وترشيدها ديمقراطياً عوضاً عن التلاعب النفعي بها.

ادعاء الديموقراطية

تلك الحركات مدعية الديمقراطية لا تدرك الجوهر اللاديمقراطي لفعل حزب الله، حركة المقاومة والجماعة السياسية، المصادر على حق حكومة لبنانية منتخبة هو أحد أطرافها في احتكار القرارات السيادية المتعلقة بالحرب والسلم والاستخدام المشروع للقوة المسلحة على أراضي الدولة أو انطلاقاً منها.

نعم توحشت إسرائيل واستهدفت عموم المجتمع اللبناني بعدوانها وصارت المقاومة حقاً مشروعاً، إلا أن حزب الله تصرف كدولة داخل الدولة مستغلاً ضعف مؤسسات الحكم ومتعدياً على مبدأي المشاركة والتوافق، وهما عماد التوازن الديمقراطي الهش في لبنان.

عندما تبدو نظم سلطوية حاكمة تتحايل على الديمقراطية أكثر اتزانا وعقلانية، بل وإنسانية من حركات معارضة تطالب بها، عندما تسفر قطاعات جماهيرية واسعة عن وجهها الشعبوي القبيح أو يزج بها في هذا الاتجاه لغياب القوى القادرة على ترشيد عاطفتها، يتراجع بعنف الأمل في مستقبل قريب يشهد تحولاً ديمقراطياً حقيقياً على أرض العرب.

أما الدفع هنا باستثنائية لحظات الصراع الإقليمي وبإرثها الديماغوجي المتراكم في جنبات مجتمعاتنا فلا يخرج عن كونه تجاهلاً اعتذارياً لحقيقة التجذر المرعب للشمولية والشعبوية في الحياة السياسية العربية.

لن تتوارى الظلال والرتوش القاتمة لحرب لبنان سريعاً، بل ستبقي معنا، نخب وجماهير، لفترة طويلة قادمة مذكرةً بأن الخاسر الإقليمي الأكبر في صيف 2006 ربما كان فرص التحول الديمقراطي في العالم العربي.

بقلم عمرو حمزاوي
حقوق الطبع عمرو حمزاوي 2006
صدر المقال في صحيفة الشرق الأوسط

عمرو حمزاوي باحث مصري بمؤسسة كارنيغي للسلام العالمي بواشنطن

قنطرة

الحل السياسي الشامل بدل المغامرات العسكرية
مرة أخرى تشتعل الحرب في منطقة تعاني من الكثير من الأزمات، حيث تشن الطائرات الإسرائيلية الغارة بعد الأخرى، فيما يقصف حزب الله المدن الإسرائيلية بالصواريخ. ما هو الحل؟ موريل أسبورغ تقدم تحليلا للأزمة وتطرح جدولا من الحلول الضرورية

أي مستقبل للعلمانيين العرب إذن؟
يدعو الكاتب والباحث المصري عمرو حمزاوي ممثلي الاتجاهات اليسارية والليبرالية في العالم العربي إلى مخاطبة القواعد الشعبية في بلادهم بهدف اجتذابها، ويرى أن تجربة حركة كفاية المصرية وغيرها من الحركات الاحتجاجية الجديدة نموذجاً ينبئ بتزايد نسبي في إمكانية العلمانيين في تنظيم قدر من التأييد الشعبي من خلال الخروج إلى الشارع واستعادة ذاكرة العمل السياسي الكفاحي.

علينا الإلتزام بالحذر في تفسير الواقع
مشاهد غير معهودة في الشرق الأوسط: مظاهرات سلمية في لبنان، إسلاميون وليبراليون يحتجون في مصر ضد نظام مبارك وانتخابات بلدية في السعودية، بلاغات صادرة عن مجموعات المقاومة الفلسطينية بشأن التخلي عن استخدام العنف ومفاوضات الأحزاب في العراق من أجل تشكيل ائتلاف حكومي. هل يمر العالم العربي بمرحلة تحول جذري؟ تحليل الباحث عمرو حمزاوي

www

مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.