لاجئون من منطة دارفور، الصورة: أ ب
مشكلة دارفور:

السودان بين الحرب والسياسة

يتساءل فريد هاليداي من معهد الدراسات الاقتصادية في لندن حول مستقبل الحكومة الإسلامية في السودان بعد توقيع اتفاق السلام بين الأطراف المتنازعة. هل سيتوقف القتال في دارفور في ظل الضغط العالمي؟ هل من الواقعي التفكير بحل سياسي بعيدا عن تغير ثوري؟
لاجئون من منطقة دارفور، الصورة: أ ب
الصراعات المحلية المتشابكة والمتداخلة مع بعضها البعض تدل على الخلفية التاريخية والسياسية في المنطقة التي تعتبر على درجة كبيرة جدا من التعقيد

​​يتساءل فريد هاليداي من معهد الدراسات الاقتصادية في لندن حول مستقبل الحكومة الإسلامية في السودان بعد توقيع اتفاق السلام بين الأطراف المتنازعة. هل سيتوقف القتال في دارفور في ظل الضغط العالمي القائم من قبل محكمة الجنايات الدولية؟ هل من الواقعي التفكير بحل سياسي بعيدا عن تغير ثوري؟

ليس من السهل بمكان معرفة حقيقة ما يدور حاليا في السودان، البلد الإفريقي الأكبر، لا من منظور الدكتاتوريين الإسلاميين في البلد ذاته ولا من منظور المراقب من الخارج الذي يبدو وكأنة موضوعي. إذ يوجد في السودان أكثر من 100 لغة حية وعلى نفس المنوال أديان متعددة لمجموعات مختلفة كما هو الحال عليه في الهند ونيجيريا على سبيل المثال لا الحصر.

إن الصراعات المحلية المتشابكة والمتداخلة مع بعضها البعض تدل على الخلفية التاريخية والسياسية في المنطقة التي تعتبر على درجة كبيرة جدا من التعقيد، حتى يصبح الأمر صعب الفهم حتى بالنسبة للكثير من الخبراء في العاصمة الخرطوم والمشهود لهم بالقدرة والكفاءة.

ان هذا التعقيد يظهر على السطح لمن يزور الخرطوم مباشرة حيث تتوفر مياه النيل الأزرق والأبيض بكل مكان في العاصمة الخرطوم، كما تحيط الأشجار الخضراء جانبي الطريق العريض الذي تمتد على طرفيه بنايات بيضاء تذكر بعهد الاستعمار.

الرقص بين الأشباح

منذ عام 1989 والسودان يحكم من قبل حزب واحد على أثر قيام الجبهة الإسلامية، التي هي عبارة عن تجمع من متطرفين إسلاميين مسلحين يتمسكون بإيديولوجية إسلامية، باعتلاء سدة الحكم. الا أن الانشقاقات التي حصلت في صف النخبة القيادية أدت في الواقع الى قيام حزبين ضمن هذه الجبهة، ومن الجدير بالذكر أن المنظر الإيديولوجي للنظام، حسن الترابي، مازال حتى هذه اللحظة يقبع في السجن.

وهناك إجماع حاليا على وجود جدل علني ضمن صفوف الجبهة الإسلامية، حتى وان كانت الجهات الرسمية ما زالت لا تعير ذلك أهمية. يعمل حزب الأمة بشكل علني، وهو الحزب الذي يتزعمه الصادق المهدي، الذي درس في جامعة اكسفورد وكان في وقت سابق رئيسا للوزراء في السودان وهو حفيد القائد المهدي الذي عاش وناضل ضد الإمبريالية في القرن التاسع عشر.

أما الحزب الشيوعي السوداني الذي كان يعتبر يوما ما أهم قوة سياسية في البلاد والذي كان مثالا يحتذى من قبل الجبهة الإسلامية، فانه يعمل الى حد ما بشكل رسمي الا أنه ما زال في عمله أقرب الى الشكل السري.

مسؤولية القيادات السياسية

وكما هو الحال في العراق فقد نجحت القوى السياسية الأساسية في السودان ايضا ولسنوات طويلة في تخطي الصعوبات والإشكالات المحلية. ويبدو هذا واضحا بشكل خاص من خلال اتفاق السلام الذي تم التوقيع عليه في يناير/كانون ثاني 2005، وذلك بعد مرور 22 عاما من الحرب الأهلية في جنوب البلاد، على أمل أن يضع هذا الاتفاق حدا لهذه الحرب.

ويتحمل زعماء المجموعات المختلفة، الذين استفادوا من تلك النزاعات والصراعات العنيفة التي سلبتهم طاقتهم، معا مسؤولية الرشوة والانهيار التدريجي للمجتمع المدني السوداني وخراب بنيته التحية واقتصاده الزراعي.

ولقد كان الطمع بالاستفادة من عائدات النفط حافزا هاما وكافيا من أجل تحقيق الاعتراف الدولي لجعل الأطراف المتنازعة تجلس الى طاولة المفاوضات. ولكن الجيل الثاني الذي نشأ وترعرع في ظل الحرب الأهلية فقد بدأ بفقدان الصبر تدريجيا.

إرسال القادة السياسيين الى غوانتانامو

أجاب شاب سوداني في ندوة أقيمت منذ فترة وجيزة حول خدمات المساعدة العالمية على سؤال دار حول ما يمكن أن تقدمه الاسرة الدولية للسودان قائلا:

"اجمعوا القادة السياسيين لمختلف القوى السياسية ثم ضعوهم في طائرة وأرسلوهم الى غوانتانامو، واعملوا على عدم خروجهم من هناك." حتى وبالرغم من أن هذه الكلمات لم تبرز في الصحافة السودانية، الا أن قائلها يشعر بالحرية الكافية لقولها.

من الملفت للنظر في الحقيقة أن النظام السواني يتوخى الهدوء والتريث مقارنة مع بعض الأنظمة المتسلطة في الشمال.

ويذكر قادة معارضون سودانيون وليبراليون وشيوعيون تجربتهم في التعرض للتعذيب الشنيع في السجون السرية على أثر الانقلاب الذي قام عام 1989، وما زال أيضا هناك مناهضون للنظام يتم اعتقالهم ويشار كثيرا الى المنطقة القريبة من مطار الخرطوم التي تعود لقوى الأمن والمسيجة على الجوانب، ولكن وبالرغم من ذلك فلا يرى المرء على سبيل المثال في السودان أي صورة للرئيس عمر البشير أو أي قائد آخر حتى وان بحث عنها عبثا.

لافتات للسلام والحوار

وعلى العكس من ذلك فمما يلفت النظر هي اللافتات التي تشير الى السلام والتطور الإيجابي الذي ترتب عليه والأمل بالديمقراطية وهو ما قام السلام مع الجنوب من أجله. وقد كتبت على الملصقات آية قرآنية تشير إلى الحوار والتعددية وهو ما يجده المرء اليوم كثيرا في الشرق الأوسط:

"يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. ان أكرمكم عند الله أتقاكم ان الله عليم خبير." (سورة الحجرات)

ومما يشد الانتباه أنه بالرغم من النظام الذي كان وحتى فترة وجيزة يعتبر نظاما إسلاميا متزمتا، فإن العادات الاجتماعية ايضا في الخرطوم مرنة بحيث نرى الكثير من النساء، خاصة غير المسلمات من الجنوب، لا يرتدين غطاء الرأس.

مقبرة أم درمان وإيقاعات الصوفية

وعندما تغيب الشمس على مقبرة أم درمان تعج الأرض بأغاني ورقصات وإيقاعات طبول الصوفيين حول ضريح أحد الأولياء المسلمين – وذلك ضمن تقليد صوفي إسلامي شعبي، يعتبر شوكة في حلق الجبهة الإسلامية.

ويقدم منظموا المسيرة أواني البخور والفحم التي تعج روائحها في كل مكان ويستنشقها المشاركون، بينما لا تقدم النساء الشاي فقط وانما أكثر من ذلك.

ويتناقل الناس حكاية بينهم مفادها أن حاكم الخرطوم، الإسلامي المتحمس دعى الى تحريم شرب ذلك المشروب الذي يقدم هناك بعد أن جربه قائلا: "ان هذا المشروب لا يتماشى مع تعاليم الإسلام، لذا فهو ممنوع. وهل تعرفين من أنا؟ أنا حاكم الخرطوم." حينها ردت المرأة التي ناولته الخمر عليه قائلة: "أجل، ولو ناولتك كأسا ثانية، فأنت ستكون بالتأكيد الرئيس عمر البشير شخصيا!"

السودان والكوارث الانسانية

يرتبط السودان بحدود مع تسعة دول مجاورة. وبذلك فهو أكبر بلد أفريقي متعدد الجوار، هذا بغض النظر عن جمهورية الكونغو الديمقراطية. لقد عايش السودان في العقدين الأخيرين ثلاثة صراعات داخلية مختلفة الابعاد والفترة الزمنية.

منذ عام 1983 سقط مليون انسان ضحية الحرب الأهلية في الجنوب، وهناك اربعة ملايين أخرى في عداد المفقودين. وفي منطقة إقليم دارفور بغرب السودان راح منذ مارس آذار 2003 حوالي 300000 انسان من المدنيين ضحية هجمات مليشيات الجنجويد – كارثة انسانية، ناقشها مجلس الأمن في الأمم المتحدة وقدم تقريرا حولها لمحكمة العدل الدولية استنادا الى قراره رقم 1593 الصادر بتاريخ 31 مارس/آذار.

أما في شرق البلاد فيخوض متمردو ما يسمى بالجبهة الشرقية الحرب في اقليم كسالا والبحر الأحمر قتالا ضد الحكومة المركزية في الخرطوم.

وفي الخرطوم يطغى صراع الشمال والجنوب وهو ما يستولي بشكل أساسي على الانتباه. وينص اتفاق السلام الذي وقع في يناير/كانون الثاني على أن يتم اجراء استفتاء شعبي في جنوب السودان بعد مرور ست سنوات على الفترة الانتقالية تقرر من خلاله مصير مسألة الاستقلال الذاتي للجنوب.

ويعتقد المراقبون السودانيون والأجانب بأن الجنوب سوف يصوت لصالح الاستقلال الذاتي، لأن السكان في الجنوب سئموا الضغوط الواقعة عليهم من قبل العرب والمسلمين في الشمال.

عندها يجب ان تبحث المنطقة عن اسم جديد – حاليا يوجد اسم "السودان الجديد" كاقتراح متداول. ومن الطريف في الأمر أن هناك في الشمال من ينادي بإقامة دولة إسلامية وبالتخلص من الجنوب بفصله عن السودان.

الإسلام الثوري وأسامة بن لادن

لقد أثر التطرف بشكل خاص، وهو الذي عرف عن الخرطوم والذي أثر على التحالفات المحلية والإيديولوجية، التي قام بها أرباب السلطة هناك، في الماضي على الصراعات الداخلية في البلد كمن يصب الزيت على النار.

كان النظام السوداني بجبهته الإسلامية في سنواته الاولى يؤمن بالتصور الإسلامي العالمي الثوري وبمسئوليته في هذا الخصوص، ومن الجدير بالاشارة في هذا الخصوص هو الدعم الكبير الذي كان يحظى به من قبل أسامه بن لادن الذي عاش في الخرطوم ما بين 1991 و1996.

وكان النظام يطمح في تلك المرحلة الى نشر ثورته في دول افريقية أخرى ذات اغلبية سكانية مسلمة خصوصا في مصر وأريتريا وتونس والجزائر.

لقد أدت النزاعات القائمة في غرب وجنوب وشمال السودان الى زج البلد في نزاعات وفي تحالفات مع دول أخرى. فعلى مدار سنوات طويلة كانت تصل الأسلحة للمقاتليين الاريتريين عن طريق السودان، حيث كان السودان بذلك يدعم قتالهم ضد الحكومة الاثيوبية. وتعتبر علاقة البلدين منذ استقلال اريتريا جافة.

يحصل المتمردون في اقليم دارفور على الدعم من قبل تشاد ومن قبل أفريقيا الوسطى. يمول الاتحاد الأوروبي فريقا مكونا من 2000 مراقب عسكري في دارفور من الاتحاد الافريقي.

ولقد سمح اتفاق السلام بدخول ملايين الدولارات كمساعدات مالية للسودان، كما قرر مجلس الأمن للأمم المتحدة في 25 مارس/آذار ارسال قوة حفظ سلام تصل الى 10000 شخص الى المنطقة من أجل مراقبة تنفيذ اتفاق السلام.

تناقض الدور الأميركي

إن لدور الولايات المتحدة الأمريكية في السودان ابعاد متناقضة. فردا على تفجيرات السفارات الأمريكية في كينيا وتنزانيا عام 1998 قام بل كلنتون، الذي اعتقد خطأ أن بن لادن هو الذي يقف وراء هذه العمليات، باعطاء الاوامر لتدمير شركة الشفاء للمواد الطبية في أم درمان، المدينة الثانية بعد الخرطوم والواقعة على الضفة الاخرى من النيل.

تقوم منظمات مسيحية غير حكومية أمريكية ويمينيين بروتستانتيين أمريكييين أيضا منذ زمن طويل بدعم القتال المسلح في جنوب السودان حيث يعيش الجزء المسيحي من سكان السودان الى جانب أتباع الديانات الأفريقية الأخرى.

وبالرغم من ذلك فإن حكومة جورج بوش – وعلى العكس تماما من سياستها الاستفزازية في العراق وفلسطين – فإنها شرعت في حوار مع حكومة الخرطوم ولعبت دورا هاما في مجلس الأمن الدولي أدى في النهاية الى عقد اتفاق السلام في شهر يناير / كانون الثاني.

خطاب الحرب المسؤم

لقد سئم السكان في السودان الحرب وخطاب الحرب من قبل الإسلاميين. وقد يجد المرء استلطافا للولايات المتحدة الأمريكية في السودان أكثر منه في أي بلد آخر بأغلبية سكان عربية.

يقابل مؤشرات الاستعداد للقبول بحلول وسط مشتركة ومواقف ملائمة للموقف الغربي ضغط دولي متزايد على الحكومة السودانية، حيث تتم مطالبتها باتخاذ كافة الاجراءات من أجل محاسبة المسؤولين عن مجازر دارفور البشعة.

وقد ولدت قائمة أسماء المشتبه في تورطهم بمجازر دارفور التي قام الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بتسليمها لمحكمة الجنايات الدولية الى شعور بعض السودانيين بأن ذلك يعتبر انقلاب على الدولة، يمكن أن يؤدي الى تسلم السلطة من قبل متطرفين متصلبين معادين للتقدم بدلا عن حكومة الجبهة الإسلامية الليبرالية الحالية.

ويرى بعض الدبلوماسيين الغربيين في مثل هذا الضغط والحفز من أجل السلام إمكانية مشروعة لسحب البساط تدريجيا من تحت اقدام النظام السوداني.

مستقبل السودان

بالرغم من الوضع المتدهور الذي مازال يدعو للقلق في إقليم دارفور فإن مستقبل السودان كدولة وطنية مستقلة مرتبط الى حد بعيد بتطور العلاقة ما بين الشمال والجنوب. هل يمكن للشمال التنازل عن جزء من صلاحياته؟

هل سيتم تقاسم عوائد النفط بالتساوي؟ هل سيتم توزيع المساعدات الدولية بشكل عادل؟ ولكن أيضا: هل سيبتعد جيران السودان عن التدخل في شؤونه الداخلية؟

يرتبط حل مسألة دارفور بتطور النظام الحاكم والجبهة الوطنية الإسلامية في الخرطوم. وبغض النظر عن الاختلاف والتناقضات والتعقيدات التي يمكن لها أن تنشا في السودان – فإن السياسة هي الإمكانية الاساسية في وضع الامور ضمن موازينها الصحيحة، تلك السياسة التي تصاغ في المدينة الكبرى الواقعة على ضفة منابع النيل.

بقلم فريد هاليداي
ترجمة مصطفى السليمان
صدر المقال في موقع openDemocracy
حقوق طبع النسخة العربية قنطرة 2005

فريد هاليداي أستاذ العلاقات الدولية في معهد الدراسات الاقتصادية بلندن وعضو هيئة تحرير نشرة شؤون الشرق الاوسط ومشروع المعلومات "ميريب".

قنطرة

السلام في السودان
شهدت العاصمة الكينية نيروبي حدثاً تاريخيا. فبحضور رؤساء أفارقة سابقين ووزير الخارجية الأمريكي، وقع نائب الرئيس السوداني وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، على اتفاق السلام النهائي الذي أنهى أطول حرب أهلية شهدتها القارة السمراء. تعليق أحمد حسو

www
openDemocracy.net

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.