"قضية رقم 23" فيلم زياد دويري المرشَّح لجائزة الأوسكار 2017

قاعة محكمة كصورة مصغرة للمجتمع اللبناني والعالمي

خلاف شديد -يجسِّده فيلم "قضية رقم 23" بين مسيحي لبناني ورئيس عمال فلسطيني- يصل في بيروت إلى المحكمة ويسفر عن اشتباكات تشبه حربا أهلية. شايان رياض شاهد الفيلم لموقع قنطرة ويرى أن حالة اللبناني والفلسطيني قد تكون أيضا منطبقة على أشخاص آخرين، مثلاً: من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالولايات المتحدة، أو من الطائفتين السنية والشيعية بأي دولة إسلامية، أو البروتيستانت والكاثوليك بإيرلندا الشمالية.

تدور أحداث فيلم المخرج اللبناني زياد دويري حول موضوع أكبر بكثير مما يوحي به عنوان هذا الفيلم. رجلٌ يهين رجلًا آخر وتبدأ من خلال ذلك الأحداث، التي لا تتعلق فقط بهذين الرجلين، بل وحتى بعائلتَيْهما وعملَيْهما وأَصْلَيْهما.

ومع ذلك تصبح الإهانة الفعلية قضية ثانوية. (يقول رئيس العمَّال الفلسطيني للرجل اللبناني): "إنْتَ واحد عَرْص"، وهذا ليس أسوأ تعبير يمكن قوله، ولكن إذا نظرنا إلى هوية هذين الرجلين والسياق الذي يواجهان ضمنه بعضهما البعض في لحظة المواجهة، فعندئذ يمكننا أن نفهم بشكل أفضل بكثير خطورة هذا الوضع.

أسئلة معقَّدة تبقى من دون إجابة

طوني رجلٌ مسيحي (يؤدِّي دوره الممثِّل عادل كرم) يعمل ميكانيكي سيارات وهو مؤيِّد متحمِّس لـ"حزب الكتائب" اللبناني اليميني الشعبوي في بيروت. يحفظ طوني مجموعة كاملة من خطابات الرئيس اللبناني السابق بشير الجميل عن ظهر قلب، وفي رأيه فقد كان يجب منذ فترة طويلة محو الفلسطينيين في كلِّ مكان عن بكرة أبيهم. زوجته شيرين (تؤدِّي دورها الممثِّلة ريتا حايك) امرأةٌ حاملٌ، تريد الانتقال إلى منطقة أخرى، ولكن طوني لا يريد سماع أي شيء حول هذا الموضوع.

في أحد الأيَّام، يقف بالذّات (رئيسُ العمَّال) الفلسطيني ياسر (يؤدِّي دوره الممثِّل كامل الباشا) تحت شرفة طوني. ويلاحظ أنَّ الماء ينسكب (من شرفة طوني) على المارة العابرين - وهذا أمرٌ مخالف لقوانين البناء. صحيح أنَّ ياسر جاء كلاجئ إلى لبنان، ولكنه ارتقى في عمله ليصبح رئيس عمَّال، وبإمكانه إصلاح المزراب (أنبوب تصريف المياه). ولكن طوني لا يريد أيضًا سماع أي شيء عن ذلك - وعلى الفور يكسر طوني أنبوب المزراب الجديد.

تقع بينهما العديد من المناوشات اللفظية. وعندما يستخدم ياسر يده ويكسر لخصمه طوني ضلعين، تصل هذه القضية إلى المحكمة. وهناك يكون كلُّ شيء قد تحوَّل إلى قضية تخضّ الدولة. مَنْ هو المذنب؟ هل يعتبر ما قاله طوني عن الفلسطينيين ليس سيئًا مثل إهانة ياسر؟ وحتى لو كان الأمر كذلك، فهل كان يجب على ياسر أن يضربه؟ يطرح هذا الفيلم العديد من مثل هذه الأسئلة المعقَّدة، ولكنه لا يقدِّم للمشاهِد أية إجابات واضحة.

تحقيق توازن بين الأسلوب والمضمون

يتقدَّم السيناريو إلى الأمام بسرعة جديرة بالملاحظة. حيث يتم في الربع ساعة الأولى تقديم جميع الشخصيات الرئيسية في الفيلم ويتم توطيد الصراع الرئيسي. وبعد ذلك يمكن تخصيص الوقت المتبقي لإجراءات المحاكمة. ومن هذه المشاهد في صالة المحكمة يستمد الفيلم قوَّته العظيمة.

وجدي وهبة (يؤدِّي دوره بشكل رائع الممثِّل كميل سلامة) هو مُحامٍ واثق بنفسه، ويتحدَّث عن نفسه بصيغة الغائب. يترافع عن طوني في هذه القضية، ولديه أفضل حوارات، مثل قوله للقاضية: "حضرة الرئيسة، نحن في الشرق الأوسط. هنا تم ابتكار كلمة عدائية. مش شغلته للسيِّد طوني يوخذ بعين الاعتبار حساسية كل هالعالم.. هذه مشكلتهم هم وليست مشكلته هو".

يثبت المخرج زياد دويري طوال الفيلم أسلوبًا خاصًا به للغاية. من ناحية فهو يراهن بشكل لا يقبل المساومة على لحظات الصدمة بأسلوب هوليوودي (كمساعد كاميرا سابق لدى المخرج الأمريكي كوينتين تارانتينو، ينتقل أكثر من مرة إلى هذه اللحظات بزوايا الكاميرا واللقطات الدرامية).

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.