الشاعر المغربي محمد بنيس لموقع قنطرة

"أخطر ما يتهدد الثقافة هو تهميش المثقفين الملتزمين بقضايا الإنسانية"

يكتب الشاعر الفرنسي برنار نويل: "إلى جانب أدونيس ومحمود درويش، أنشأ محمد بنيس عملاً لا يدين فيه إلا للبحث الصبور عن أصالته الخاصة ليصبح نموذجاً داخل اللغة العربية، وقد أصبح الآن يحمل مستقبلا هو ما يجعل منه عملاً تأسيسياً." لكن حضور محمد بنيس في الثقافة العربية لا ينحصر في منجزه الشعري المتفرد، ولا في مشروعه النقدي، أو في ترجماته عن الأدب الفرنسي التي تميزت بدقتها وشعريتها في آن، ولكن أيضا في حضوره كمثقف ملتزم بقضايا مجتمعه خصوصا، وقضايا العالم العربي عموما. فوزية حيوح حاورت محمد بنيس.

صدر لكم مؤخرا كتاب: "فلسطين، ذاكرة المقاومات". لقد أظهرتم دوما تضامنكم مع القضية الفلسطينية وجمعتكم علاقات قوية بالمثقفين والشعراء الفلسطينيين، مثل محمود درويش وسميح القاسم، بل وقدمتم أيضا للمراسلات التي جمعت بين الشاعرين والتي نشرت في دار توبقال. اليوم كشاعر، كشاعر مرتبط بالأفق الكوني، ظل ينافح عن قوى الحياة ولم يغفل الحديث عن الألم الإنساني، ما الذي ما زالت تمثله فلسطين بالنسبة لكم؟

محمد بنيس: فلسطين اليوم، بالنسبة لي، هي فلسطين البارحة. كانت فلسطين أصبحت حاضرة في حياتي وفي أفقي العربي بعد هزيمة 1967، وفي أفقي الإنساني مع غزو بيروت من طرف إسرائيل في 1982. وهي اليوم تستمر في الحضور بما هي إحدى كبريات المآسي الإنسانية في القرن العشرين، التي كان سببها الاستعمار، وأيضاً بما هي قضية شعب عربي يتعرض للتطهير العرقي ولكنه يواصل مقاومته، لا يتنازل عن حقه في الوجود ويتمسك بالحرية والاستقلال.

أخطر ما تواجهه فلسطين، اليوم، هو محو اسمها نهائياً من اللغات، بما فيها العربية. ونعلم أن غوغل هي الأخرى حذفت، في السنة الماضية، اسم فلسطين من خرائطها. ما قام به الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بإعلانه عن "صفقة القرن"، هو أنه أكمل دائرة العدوان على الشعب الفلسطيني، بعد كل من وعد بلفور (1917) وتقسيم أرض فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل من طرف الأمم المتحدة (1948). هي قصة طويلة ومهلكة. أول ما كنت كتبته عن فلسطين قصيدة طويلة بعنوان "موسم الصفات"، في أواسط السبعينيات. وبعدها تواصلت كتاباتي، مثلما تعمقت علاقاتي وصداقاتي مع العديد من الكتاب والمفكرين والفنانين الفلسطينيين. وتكاملت كتاباتي ونقاشاتي مع قراءات وأعمال حرصت دائماً عليها حتى أفهم أكثر ما يمكن عن هذه القضية الإنسانية المتشعبة، في زمن أغلق النوافذ والأبواب في وجه الفلسطينيين وأراد أن يلقي بهم في الغياهب. 

ويأتي كتاب "فلسطين، ذاكرة المقاومات" على إثر الإعلان عن "صفقة القرن"، لأنني أحسست لحظة الإعلان عن الصفقة أن القضية الفلسطينية تدخل مرحلة محو الذاكرة ووقاحة التخلي العلني عن الشعب الفلسطيني. لذلك تركت كل ما كنت أشتغل عليه وتفرغت لوضع هذا الكتاب، مساهمة مني، في العمل المطلوب اليوم، من أجل أن تبقى ذاكرة فلسطين حاضرة، بما هي ذاكرة مقاومات متعددة، متمثلة في الذاكرة الثقافية.

ما دعاني إلى هذا الاختيار الثقافي هو أن دعم القضية الفلسطينية ومناصرتها ظلا محصورين في الجوانب السياسية والمادية والمقاومة المسلحة، سابقاً. لكن القضية الفلسطينية مركبة، ذات أبعاد متعددة، استعمارية، عنصرية، تاريخية، فكرية. وهذه الأبعاد كان للأدباء والمفكرين والعلماء والمؤرخين والفنانين دور خاص في تناولها ومن خلال كتاباتهم وأبحاثهم وأعمالهم ومواقفهم، ومن خلالها بلوروا مقاومتهم للصهيونية والقوى الداعمة لها، في أوروبا وأمريكا.

جاء هذا الكتاب في شكل تقاطع بين كتاباتي وكتابات كوكبة من المؤلفين الكبار، قمت بجمعها وانتقاء المقاطع أو النصوص التي يفرضها سياق الكتاب. لذا تتركز مساهمتي في بناء إبداعي، على غير مثال، لهذه الذاكرة المتعددة، التي يجب علينا أن نسلمها إلى الأجيال القادمة حتى تبقى حية بينهم، جيلاً بعد جيل. نكاد لا ننتبه لمرور الزمن. فشبان اليوم لا يعرفون شيئاً عن نكسة 67، ولا عن الغزو الإسرائيلي لبيروت، ولا عن معاهدة أوسلو. وهم من حقهم أن يعرفوا. بل إن هذا الكتاب تنبيهٌ لكل من يناصرون فلسطين، اليوم، إلى أن البعد الثقافي للمقاومة سيدعم الرؤية النقدية إلى الصهيونية وسياسة إسرائيل التوسعية والتطهير العرقي للأرض الفلسطينية، الذي كان ولا يزال عنوان السياسة المتعبة من طرف إسرائيل، منذ ما قبل إنشائها حتى اليوم، تجاه الفلسطينيين.

 

 

رحل الشاعر الفرنسي الكبير برنار نويل عن عالمنا مؤخرا، هو الذي جمعتكم به صداقة شعرية وإنسانية، ترجمتم بعض أعماله، وترجم هو بعض أعمالكم. ما الذي تعلمتموه من هذه العلاقة؟

محمد بنيس: يصعب عليّ اختزال ما تعلمته من برنار. هو أخي الأكبر. أخ لم تلده أمي، لكنه كان الأقرب إلى نفسي مثلما كنت قريباً منه. كان التعلم، في البداية، من رؤيته إلى الكتابة في علاقتها بالجسد والموت. كتابته حررتني، منذ البدء، من ثقافة شعرية تحتمي بالسوريالية، التي كانت لها النبالة عربياً. كتابة برنار نويل مادية، تنتسب إلى كل من جورج باطاي وأنطونين أرتو، تنطلق من الجسد وإليه تعود. لغة الجسد هي ما أعطاني ثقة فيما كنت أسعى إليه في كتابتي، خاصة بعد "بيان الكتابة". وتعلمت من برنار التواضع. صمت برنار وخجله كنت أشعر معهما بضآلتي، وبأني لا شيء. كان هذا ينعشني، لأنه كان يبعدني عن اليقين بأهمية ما أكتب وعن ثقافة البطولة التي كنت أنفر منها. وهكذا أنا حتى اليوم. أنا لا شيء، ولا أطلب شيئاً، أقول. ذلك الشخص الذي يتكلم البعض عنه أحياناً ويحمل اسمي هو شخص غيري، ليس هو أنا، مهما أظهرت من موافقة وأنا محرج. أكتب فقط وعيني على الموت. لذلك فإن الكتابة هي ما ألازمه، بعيداً عن الضوضاء، والتحديق في الموت يعلمني إرادة التعلق بالحياة.

عندما أخذت أستوعب ما أقرأ تكونت لدي رؤية كنت فيها مضاداً لثقافة الحقيقة السائدة في الثقافة العربية، كما كنت أحس، شيئاً فشيئاً، بخلل في علاقتي مع الآخرين، لكنني كنت أيضاً شديد الحساسية تجاه غربيين لا يحترمون الثقافة العربية ولا يأبهون بما بعانيه الكتاب بالعربية.

وحينما تعرفت على برنار وجدت فيه، إلى جانب كتاباته، مناضلاً مدافعاً عن قضايا العدالة والحرية. كان مناصراً للقضية الفلسطينية وقريباً من الشعر العربي الحديث. هو شاعر مختلف عن نموذج الكاتب الغربي الذي نعرفه. أكثر من ذلك، كنت دائماً أخجل عندما يطلب مني أن نترجم عملاً من أعمالي الشعرية، لأنه كان يؤمن بالتعامل بالمثل. وهو، من ناحية أخرى، عارف كبير بالشعر الفرنسي وبالثقافة الشعرية الغربية. كانت العلاقة بيننا تتعمق من خلال الأعمال نفسها ومن خلال المناقشات المتواصلة بيننا ومن خلال ما اشتركنا في إنجازه. ثم جاءت الزيارات المتبادلة، والعفوية في الحديث والتعامل. كل هذا لا أصدقه حتى اليوم. لذلك فإن ما تعلمته من برنار يحتاج إلى فترة حتى أتأمله وأعيد استكشاف المغمور منه تحت طبقات الحياة الطويلة التي تقاسمنا فيها العديد من الأعمال والأنشطة والحوارات والأسفار. مدهش، أقول. ما كان بين برنار وبيني. على أن ما أحتفظ به من المراسلات المتبادلة بيننا، لأكثر من ثلاثين سنة، والأعمال المنشورة في اللغتين، الفرنسية والعربية، مرآة لتلك العلاقة الإنسانية العميقة، الصافية، التي أنشأناها معاً، عبر حوار كان يخترق الحواجز ويرحل إلى فضاءات الحرية. 

تحدثتم أيضا في نصكم التأبيني عن صديقكم برنار نويل ومواقفه الملتزمة بقضايا الشعوب. سؤالي هو: لماذا نشهد اليوم تراجعا لهذا الصنف من المثقفين، الملتزمين بقضايا الإنسانية، في الغرب والشرق أيضا؟

محمد بنيس: أخطر ما يتهدد الثقافة اليوم هو قيم العولمة، التي تحول الأعمال الأدبية والفنية إلى منتوجات استهلاكية، يتم تصنيف قيمتها حسب رواجها في السوق، ومعها تصبح أفضل الأعمال هي الأكثر مبيعاً، كما هو اليوم الشعار المفضل في مجال النشر والإعلام الموسوم بالثقافي. هذه الوضعية تؤثر لا شك على سلوك المثقفين ومواقفهم. فنحن نعلم أن سوق الثقافة خاضع لمؤسسات إعلامية واقتصادية وسياسية. والكتاب الناجح تجارياً هو المطلوب اليوم. دور النشر الكبرى تحولت إلى شركات تجارية ضخمة يهمها من الكتاب ألا يزعج سلطة المال أو الإعلام حتى يضمن لها نجاحه التجاري. ليس لنا اليوم سوى أن نيأس من هذا الوضع العام، العالمي، الذي أخذ ينعكس بعنف على الوضع الثقافي في العالم العربي، رغم الفروقات بين العالمين، الغربي والعربي. لذا فإن المثقفين النقديين هم اليوم هامشيون، ولا أرى إلى أي حد سيتمكنون من أن يجعلوا من هامشيتهم مركز إشعاع لفكرة الحرية، كما أسستها الثقافة الإنسانية، عبر لغات وحضارات، وتحصنت في الغرب الحديث، بما تمكنت من تحقيقه، عبر ثورات اجتماعية وسياسية، كان للأدب فعله فيها مثلما كان للفلسفة والفنون والعلوم.  

بعد هذه المغامرة الشعرية والفكرية والروحية الكبيرة التي جعلت منكم أحد أبرز شعراء العربية ومثقفيها، كيف تنظرون إلى حاضر الشعر وحاضر الثقافة النقدية اليوم في السياق العربي؟

محمد بنيس: الشعر العربي، اليوم، معزول، وعزلته تتعاظم مع الأيام. منطق السوق يحد من انتشاره، وأغلب الشعراء يحبذون القبول بهذا المنطق التجاري، الذي يفتح الأبواب لغير الشعر. تقلصت فاعلية المجلات وانحصر عددها، انكفأ النقاد عن قراءة الشعر، وفي المؤسسات التعليمية يكاد الشعر ينزوي في ركن معتم. نعم، هناك أسباب أخرى. منها أن الذائقة الشعرية تستلذ المعلوم، المتكرر، الواقف عند عتبة الحياة الاجتماعية والسياسية. على أن الشعر العربي أصبحت له مغامرة تتخطى هذه الذائقة الكسولة، الجامدة. فضلاً عن أن أصحاب هذه المغامرة نادرون.

هذه وضعية الشعر في سياق الثقافة العربية اليوم. وما نفتقده، عربياً، هو المبادرات الثقافية التي تظل متحركة في الغرب. ما أعرفه في أوروبا وأمريكا عن هذه المبادرات، الفردية والجماعية، بوسائل محدودة وإمكانيات رمزية، يظهر لي أن المقاومة الثقافية لجميع أشكال العولمة تترك أثرها في حياة الشعر. أما الثقافة التي تسود اليوم عربياً فهي إما تقنية، تستثمر بعض الإنتاجات الثقافية الغربية، أو إعلامية، تقوم بدور الوسيط بين السلطة والمجتمع. ويبقى أن الثقافة المهيمنة عبر البلاد العربية هي الثقافة الدينية، التي تتضخم باستمرار. تضخمها يضاعف الانغلاق الفكري، ويقلص من فاعلية الإنسان في التعرف على اللانهائي في نفسه وفي العوالم المحيطة به، ويحبب إليه العبودية مثلما يبث في نفسه كراهية المختلف والحر. هذه الثقافة الدينية تتكامل وتتناغم مع ثقافة الاستهلاك، التي تزدهر، رغم الفقر المتزايد ورغم الفوارق الاجتماعية المتفاقمة.

وباستثناء كتاب محدودي العدد، أكاد أفقد الثقة في قدرة المثقفين العرب على اختراق حاجز القبول بالواقع والتشبث بحلم فكرة التحرر، التي تتطلب التمسك بالفكر النقدي. كلما فكرت في التاريخ الحديث لإعادة بناء الثقافة العربية، في أفق تحرري، إبداعي وكوني، أحسست بالدوار. لا يستحق العالم العربي هذا الفكر المغلق الذي يصر على مضاعفة الجهل بالذات وبالعالم.      

كان عبد الكبير الخطيبي ينافح عن ضرورة الانفتاح على الفكر النقدي الغربي واستثماره في نقد الغرب والشرق معاً. اليوم نشهد تراجعا لأهمية ومكانة الثقافة الغربية في السياق العربي لصالح مطالبة بالعودة إلى الأصول وبدعوى المحافظة على الهوية. كشاعر ومثقف كيف تنظرون إلى هذا التطور؟ وكيف تنظرون إلى مسالة الهوية؟

محمد بنيس: أتى الخطيبي بفكرة "النقد المزدوج" التي لها استراتيجية نقد الذات والآخر، في الوقت نفسه. هي، برأيي، فكرة لها من الإبداع بقدر ما لها من الجرأة. فالنقد المزدوج يسمح لنا بالخروج من الفكرة التي سادت في ثقافتنا الحديثة، وكانت تخص إما نقد الثقافة العربية التقليدية أو نقد الثقافة الغربية. ففكرة "النقد المزدوج" تبني رؤية تدرك مآزق الثقافة العربية، مع ثقافة التقليد من ناحية، والثقافة الاستعمارية والاستشراقية من جهة ثانية. نقد الأولى يستلزم نقد الثانية. وهما معاً عائقان في وجه التحديث والتحرر من ثقافة الهيمنة والتبعية.

وما أشرت إليه في الجواب السابق يضيء رأيي في وضعية الانغلاق على الفكر الغربي كما على الفكر العربي النقدي، قديماً وحديثاً على السواء. يبدو لي أحياناً أن الحديث في قضايا الانفتاح الفكري، التعدد الثقافي وحرية التفكير والتعبير تتحول إلى مجرد حديث عن ماض لا أعرف كيف يمكن أن يستعيد حيويته. فالعالم العربي يواصل التشظي، منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي حتى اليوم. فما استبد بالمجتمعات العربية بعد الربيع العربي، من ثورات مضادة، ومن تصعيد وتيرة النعرات والحروب والتقاطبات، عبارة عن مهاوي كانت الثقافة العربية تسقط فيها. جميع الدعوات، التي رفعت شعار العودة إلى الأصول، كان معناها أحادياً، هو التخلي عن الانفتاح على الآخر والتعلم منه والحوار معه أو نقده. تلك هي فكرة الهوية التي كان الخطيبي يسميها "الهوية العمياء". عمياء، حقاً، لأنها لا ترى نفسها ولا ترى سواها. هوية لا تاريخية. وهي، من هنا، شبيهة بما كان دعا إليه الإيطالي بترارك. هوية لا توجد إلا بالبحث عن عدو، أكان دينياً، أم لغوياً، أم ثقافياً. من جهتي، كنت، من قبل، أقاوم في سبيل الذاتية وليس من أجل الهوية، كيفما كانت الهوية. الذاتية، صيرورة، وليست معطاة. بهذا تفتح الأفق للفردي والجماعي، للخصوصيات، لحرية النقد والاعتقاد، للانهائي في الإبداع، للجرأة على الذهاب نحو العالم، لبناء ثقافة متحررة من أي هيمنة، هيمنة الغرب أو هيمنة الشرق. أقصد الذاتية المتوثبة، التي تحتفي بالحياة، بالمتعة والشهوة والنشوة. انظروا حواليكم إلى المجتمع العربي، في تشظيه، التقوا بالناس (حتى لا أقول المواطنين)، تجولوا في الأسواق، اركبوا وسائل النقل العمومي، أنصتوا إلى رنات الهواتف، أطلوا على شاشات التلفزة، استمعوا للبرامج الإذاعية، اهجموا على المكتبات، تتبعوا الأغاني، افتحوا حواراً مع طلاب جامعيين، تفرسوا في سلوك رجال ونساء. كل هذا، مجتمعاً، يخبركم بما تسكت عنه ثقافة الاستهلاك والإعلام. انظروا إلى هذا الزمن الذي ليس هو زمني، زمن الحرية التي كان حلمي ولا يزال، انظروا إليه. تلك هي الخطوة الأولى على طريق المقاومة.      

ظلت الأندلس حاضرة في مخيالكم الشعري بقوة، وكتابكم المنشور مؤخراً عن "أندلس الشعراء" علامة على هذا الارتباط بالأندلس. ما الذي يمكن أن نتعلمه اليوم من هذه التجربة الحضارية الكبرى، خصوصا كعرب؟

محمد بنيس: كنت ألاحظ، منذ شبابي، أن الذين اعتنوا بالأندلس هم المستشرقون والمفكرون الغربيون. أما إخواننا المشارقة فكانوا دائماً مشغولين فقط بالتقليل من شأن الأندلس وإخضاعها لقراءة فوقية، استعلائية، تعطي الثقافة الأندلسية مرتبة التابع للثقافة المشرقية، الخضوع لها، الطالب شفاعتها. كنت ألاحظ وأتألم كثيراً. لأنني كنت أتعلم دائماً من الثقافية الأندلسية، كما من المجتمع الأندلسي، أو من الحضارة الأندلسية. في مقدمتي الموسعة لكتاب "أندلس الشعراء" تعرضت لجوانب من خصائص الثقافة الأندلسية وموقف المشارقة والغربيين منها، وفي مقدمتهم فريدريك نيتشه. وأنا من الذين يحتفون بالأندلس ولا يبكونها أو يعرضون استيهاماتهم على ما بقي من أسوارها.

أول ما يمكن أن نتعلمه من الأندلس هو الحرية، في الفكر، في الشعر، في السلوك الفردي، في العلاقة بالآخر، في قراءة الثقافة القديمة، العربية واليونانية، على السواء، في الفنون. هذه الكلمة "الحرية" هي أعز ما يمكن أن نتعلمه من الأندلس. ويمكن أن نتعلم أيضاً ثقافة التعدد والتعايش، التي نجهلها، بل نمقتها، في العالم العربي اليوم. ويمكننا أن نتعلم أيضاً من تعلق الأندلسيين باللغة العربية واختراعهم لغة عربية أندلسية، لغة المعرفة والإبداع والحياة، حيث تحقق للأندلسيين ما يلخصه ابن رشد بـ"الأمور الطبيعية" التي "إنما توجد للأمم الطبيعيين"، حسب تعبيره.

هذه أبجديات ما يمكن أن نتعلمه كعرب، من حضارة الأندلس، التي ورث الغرب جوانبها المشرقة. ولأني أومن بالزمن المفتوح، فإن يأسي، مما يسود اليوم عالمنا العربي، يظل يأساً خلاقاً، لأنه يتشبث بالحياة وبالممكن الذي يمكن أن نسير باتجاهه ذات يوم، لست أدري موعد قدومه. فنحن اليوم أبعد الناس عن الحضارة الأندلسية، وما نتوهم أننا ورثناه منها هو فقط ما ليس له نبضات الحياة.

 

حاورته فوزية حيوح   

حقوق النشر: قنطرة 2021

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة