ورقة نقدية للمارك الألماني سابقاً عليها صورة الأميرة  أوروبا: واسم أوروبا يعني الوجه العريض ابنة آجينور ملك صور الفينيقي بحسب الميثولوجيا اليونانية. يُعتَقَد أن قارة أوروبا سميت على اسم الأميرة الفينيقية أوروبا المولودة في غرب آسيا وتحديداً في لبنان.
الفينيقيون سعاة بريد حضارات ما حول المتوسط

تلاقح حضاري: أثينا بنت الشرق وأوروبا أميرة شرقية

ينقل فرج العشة أن الإغريق اقتبسوا عن الفينيقيين أفكارهم وحتى نظامهم السياسي وأصل الإلهة أثينا ليبي فينيقي وجذر الإلياذة أناضولي وفيثاغورس من صيدا لبنان وهرقليطس من منبج سوريا وهيرودوت من الأسكندرون، متحدثا عن أدونيس فينيقي إغريقي وآلهة يونانية أصلها فرعوني وفينيقي كنعاني ومن بين نهري العراق.

كانت بلاد اليونان، كما سماها الفرس زمن الامبراطورية الأخمينية ـ الفارسية القديمة، تتكون من عشرات المدن/ الممالك القزمية المستقلة على نموذج (المدينة/الدولة). كان بعضها على البرّ الأوروبي مثل أثينا وأسبرطة.  والكثير منها على الجزر المنتشرة في بحر أيجة، وعلى برّ الساحل الآسيوي للأناضول (في تركيا الحالية).

كانت المدن اليونانية شحيحة الموارد، شبه معزولة بعضها عن بعض، مما دفعها إلى الاعتماد على الملاحة التجارية للتواصل الداخلي بين الجزر اليونانية. ثم التواصل التجاري الخارجي مع حضارات الشرق في مصر الفرعونية وسوريا الكبرى، ومع شمال أفريقيا وجنوب إيطاليا.

الفينيقيون، كما سماهم اليونانيون، لم يحددوا أنفسهم في عرق بعينه أو يتعينوا في قومية شاملة. هويتهم التاريخية أنهم تجّار بحريون "شعب البحر". أصولهم من سكان أراضي سوريا الكبرى (بلاد الشام ولبنان وفلسطين) التي يغلب عليها الكنعانيون وحضارتهم الأصلية في مملكة أوغاريت (ضمن سوريا الحالية) قبل 2500 عام قبل الميلاد. وفيها ابتكر الكنعانيون أقدم أبجدية لغوية في التاريخ، وقد أشاعها التجار والمستوطنون الفينيقيون في العالم المتوسطي.

المفكر البارز جورج طرابيشي.
"الفلسفة اليونانية لها أصول شرقية": بالمحصلة فإن الفلسفة اليونانية، التي هي جوهرة حضارة اليونان الفكرية العظيمة، لم ترَ النور، كما يقول المفكر البارز جورج طرابيشي: "في أثينا ولا في البَر اليوناني. بل في أيونيا ذات الأعراق العشرة، في ساحل آسيا الصغرى"، كما يكتب فرج العشة.

وتسمية الفينيقيين التي أطلقها عليهم اليونانيون مأخوذة من كلمة فينيق (فوينيكِس) وتعني في اللغة اليونانية القديمة كما يقول الخبراء اللغويون: الأرجواني/ القرمزي. ومنها التسمية الجغرافية: فينيقيا وتعني "البلد الأرجواني" نسبة إلى شهرتهم التجارية في صناعة الصبغة الأرجوانية التي اختصوا وحدهم بسرّ إنتاجها في تلك الأزمان، حيث كانوا يستخرجونها بكميات ضئيلة، حتى يُقال إن خلاصة غرام واحد من إفرازات الصبغة الأرجوانية يلزم عدد عشرة آلاف من المحار الحلزوني. لذلك كانت غالية الثمن. يُزيَّن بها ملابس الأباطرة والملوك وعلية القوم، فسُميّت بـ"الأرجواني الامبراطوري".

الفينيقيون سعاة بريد حضاري حول حوض البحر المتوسط

إن فرادة الفينيقيين أنهم سعاة بريد حضاري حول حوض البحر المتوسط. عبره وحواليه نقلوا صنائع حضارتهم، وما أخذوه عن حضارات غيرهم، إلى حيثما انتشروا واستقروا، منذ القرن العاشر قبل الميلاد، في موانئ شرق المتوسط وجنوبه، وصولاً إلى الجزر البريطانية. أنشأوا مرافئ وأسواقاً ومستوطنات.

كانوا يستوردون المواد الخام مثل النحاس من قبرص والقصدير من الجزر البريطانية والفضة من إسبانيا ونبات البردي والذهب والفضة من مصر، لتشغيل معاملهم في صيدا وصور. ويبيعون منتجاتهم من البرونز والخزف وخشب الأرز والزجاج والفخار والنسيج والحلي والمجوهرات المصنوعة من الذهب والفضة.

وكذلك يتاجرون بالسلع المجلُوبة من مصر وعبرها من أفريقيا، والمجلوبة من وسط آسيا وبلاد الرافدين. وهم الذين ذكرهم هوميروس في ملحمتهم باسم الصيدونيين نسبة إلى مدينة صيدا اللبنانية حيث وصفهم بالبحارة المهرة والتجار الماكرين.

كما تدل على تواجدهم الحضاري، منذ الألفية الأولى قبل الميلاد، الكثير من اللقى الأثرية والمسكوكات والنقوش، التي عُثر عليها في جزر بحر إيجة وعلى سواحل آسيا الصغرى في الأناضول الآسيوية المعروفة بمنطقة (أيونيا)، حيث أقاموا بها وبثوا تأثيراتهم الحضارية، التي كانت أقوى وأعمق من تأثيرات الحضارتين (الفرعونية والبابلية) في نشوء الحضارة اليونانية/ الإغريقية.

فالفينيقيون استقروا بين اليونانيين وتفاعلوا معهم عن قرب، تجارياً واجتماعياً وثقافيا. ولأزمنة تليدة. 

"الإغريق اقتبسوا عن الفينيقيين أفكارهم وحتى نظامهم السياسي"

يؤكد المؤرخون العلماء المشهود لهم أن اليونانيين/ الإغريق اقتبسوا وأخذوا ونقلوا عن الفينيقيين صنائعهم ووسائلهم وأفكارهم الحضارية المتقدمة. أخذوا عنهم: بناء المدن ونظامها السياسي، وبناء السفن الخفيفة السريعة، التي تعتمد على المجاديف بدلا من الأشرعة، ومقدمتها المزودة بمهماز برونزي هائل الضخامة غرضه تحطيم سفن الأعداء.

وأخذوا عنهم استعمال نظام المقاييس والمكاييل، واستخدام أسلوب الاسترشاد بالنجوم في الأسفار البحرية، وصناعة الزجاج والخزف وطرق المعادن، وكيفية صب الذهب والفضة والبرونز، وصناعة الأواني منها، ونسج الأقمشة واستخلاص العطور، ووصفات الطب المصري والبابلي وإقامة الأمكنة الخاصة بالاستشفاء.

وفي عالم المخيال اليوناني/ الإغريقي الميثولوجي نجد أن معظم أسماء الآلهة الواردة في أشعار هسيودوس الملحمية وفي ملحمة الإلياذة لهوميروس، تحمل أسماء غير إغريقية، كما يقول هيرودوت. وهما (هسيودوس وهوميروس) لم يبتكراها من عندهما. فقد أثبتتْ الدراسات التاريخية العلمية الحديثة أن معظم الآلهة الإغريقية أصولها فرعونية وفينيقية كنعانية علاوة على جذورها البعيدة في حضارات بين النهرين، وإن نالها بعض التعديل والتحوير في تحولاتها المخيالية.

إذ نجد، على سبيل المثال لا الحصر، أن زيوس (رب الأرباب) الإغريقي هو أمون المصري/ الليبي وبعل الفينيقي. وأفروديتي الإغريقية متحولة عن عشتروت الفينيقية/ الكنعانية التي هي عشتار السومرية.

أدونيس الفينيقي والإغريقي والأميرة أوروبا والأميرة أثينا

وأدونيس الإغريقي (وأحياناً أبولو) حبيب أفروديتي هو نفسه أدونيس الفينيقي حبيب عشتروت المتحول عن تموز حبيب عشتار في بلاد الرافدين.  بوصيدون إله البحر والعواصف هو في الأصل إله ليبي/فينيقي قرطاجني. الإلهة أثينا هي في الأصل إلهة ليبية/فينيقية وهي ابنة الإله بوصيدون. الأميرة أوروبا، شقيقة أجينور ملك صيدا، اختطفها زيوس وتزوجها، وتكريماً لها أطلق اسمها على الأراضي الواقعة غرب اليونان، فصارت اسما للقارة التي نعرفها اليوم. وتوجد صورتها الأثرية منقوشة على عملة (2 يورو).

 

 

وهرقل أو هيراكليس متحور عن "ملكارث" إله مدينة صور الأكبر. وقدموس الفينيقي، في الأسطورة الإغريقية هو مؤسس طيبة الذي عرّف الإغريق بالأسلحة والأبجدية.

وكثيرة هي تحولات وتمثلات الأساطير والميثولوجيا الشرقية التي انتقلتْ، عبر الفينيقيين، متحورة في الميثولوجيا الإغريقية.

أما أبرز الإسهامات البنيوية للحضارة الفينيقية في انبثاق حضارة الإغريق/اليونان هو  أخذهم الأبجدية عن الفينيقيين أثناء تفاعلهم الثقافي معاً في المدن الأيونية وأبرزها ميلتس (ملطية) وميوس وبرييني، والتي كان أهلها يتكلمون لهجة أيونية غريبة (يقول هيرودوت).

وذلك، في أغلب الظن، بتأثير من اللغة الفينيقية، التي أسهمت أبجديتها الحروفية في تطور نظام اللغة اليونانية، وهو ما أتاح لليونانيين الكتابة بلغتهم بدايةً مع القرن الثامن قبل الميلاد، بعدما، كما يقول هيرودوت: "استعاروا حروفهم من الفينيقيين الذين علموهم إياها. واستعملوها بعد تعديل طفيف. وإذ استعملوها أطلقوا عليها كما هو حق -نظرا لأن الفينيقيين هم الذين أدخلوها إلى اليونان- اسم فوينيقيا phoinikeia".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة