فيروس كورونا: الأوبئة في كتابات المؤرخين

كيف تسهم الجوائح في تشكيل التاريخ البشري

تمامًا كما للمايكروبات طرق عديدة لإصابة جسم الإنسان بالعدوى، فإن للجوائح طرق أيضًا للتلاعب بالنظام السياسي. في هذا المقال تستعرض الكاتبة إليزابيث كولبرت بعض النماذج التاريخية حول الدور الذي تلعبه الأوبئة في تغيير مسارات البشرية، وفي كتابة التاريخ.

ظهر ما يشار له عادةً بالجائحة الأولى في مدينة الفَرَما، بالقرب مما يعرف اليوم ببورسعيد شمال شرقيّ مصر، عام 541. ووفقًا للمؤرخ بروكوبيوس الذي عاصرها، فقد انتشر «الوباء» إلى الإسكندرية غربًا، وإلى فلسطين شرقًا، ثم استمر في الانتشار. برأي بروكوبيوس، فقد بدت الجائحة كما لو كانت تنتشر بشكل واعٍ، «كما لو أنها خشيت ألّا تأتي على أطراف الأرض جميعها».

أول أعراض الوباء كانت الحمى. لكنّها وفق مشاهدات بروكوبيوس كانت خفيفة جدًا لدرجة «أنها لم تنذر بأي خطر». لكن بعد عدة أيام، تطورت لدى المصابين الأعراض الكلاسيكية للطاعون الدُمَّلي؛ مثل التوَّرمات أو الدُمَّل في الفخذ وتحت الإبطين. كانت المعاناة رهيبة حينئذ. بعض المصابين دخلوا في غيبوبة، آخرون دخلوا في حالة هذيان حادة، وكثيرون تقيؤوا دمًا. كان القائمون على رعاية المرضى «في حالة إجهاد دائم»، يدوّن بروكوبيوس «لهذا السبب أشفق الجميع عليهم بما لا يقل عن إشفاقهم على المصابين ذاتهم». لم يستطع أحد التنبؤ بمن سيهلك ومن سينجو. 

في أوائل عام 542، ضرب الطاعون مدينة القسطنطينية. كانت المدينة حينئذ عاصمة الإمبراطورية البيزنطية التي كان يحكمها الإمبراطور جستنيان. اعتبَرت دراسة حديثة جستنيان «أحد أعظم قادة الدول على مر التاريخ». وصف مؤرخ آخر بدايات فترة حكمه -التي امتدت لأربعين عامًا- بأنها «فترة مليئة بالإنجازات، لا مثيل لها في تاريخ الرومان». في الأعوام الخمسة عشر التي سبقت وصول الوباء إلى العاصمة، ثبَّت جستنيان القانون الروماني، وعقد صلحًا مع الفرس، وأصلح الإدارة المالية للإمبراطورية البيزنطية وبنى آيا صوفيا.

مع استعار الطاعون، وقع على عاتق جستنيان، كما يقول بروكوبيوس، أن «يخصص مبلغًا للكارثة». دفع الإمبراطور نفقات دفن جثث المتروكين والمعدمين، ومع ذلك، كان من المستحيل مجاراة الطاعون، فقد كانت حصيلة الموتى كبيرة. (اعتقد بروكوبيوس أن الحصيلة فاقت عشرة آلاف وفاة في اليوم الواحد، لكن لا أحد يستطيع التأكد من دقة هذا الرقم). كتب يوحنا الأفسسي، وهو مؤرخ آخر معاصر لجستنيان: «لم يخرج أحد من المنزل إلا ومعه بطاقة تعرِّف باسمه»، تحسبًا من الإصابة المفاجئة. في نهاية المطاف، كُدّست الجثث في تحصينات على طرف المدينة. 

أتى الطاعون على القوي والضعيف، حتى أن الإمبراطور جستنيان أصيب به، لكنه نجا ضمن القلة المحظوظة. إلا أن حكمه لم يشفى بعد ذلك أبدًا. في السنوات السابقة لعام 542، استطاع جنرالات الإمبراطور استعادة معظم الجزء الغربي من الإمبراطورية البيزنطية من القوط، والفنداليين والبرابرة الآخرين. لكن بعد عام 542 عانى الإمبراطور في توظيف الجنود الجدد ودفع مستحقاتهم، كما بدأت الأقاليم التي احتَّلها جنرالاته بالثورة عليه. وصل الطاعون إلى مدينة روما سنة 543، وشق طريقه إلى بريطانيا بحلول سنة 544. انتشر الطاعون مرة أخرى في القسطنطينية سنة 558، ومرة ثالثة سنة 573، ومجددًا بعد ذلك سنة 586. 

لم تخمد نار الطاعون الجستنياني كما بات يعرف، حتى عام 750 وبحلول هذا الوقت، كان النظام العالمي قد تغير. فقد ظهر الإسلام كديانة جديدة قوية، وحَكَم أتباعها أراضٍ ضمَّت مساحةً كبيرةً مما كان يخضع لإمبراطورية جستنيان، بالإضافة إلى الجزيرة العربية. في هذه الأثناء، باتت معظم أوروبا الغربية بيد الإفرنج. انحسر عدد سكان روما لما يقارب 30,000 ألف نسمة، أي ما يعادل عدد سكان بلدة مامارونك في ولاية نيويورك اليوم. هل كان للوباء يدٌ في ذلك؟ إذا سلمنا بذلك، فالتاريخ إذا لا يكتبه الرجال فقط، بل المايكروبات أيضًا. 

....................

طالع أيضا

المغرب: كيف تغير جائحة كورونا نمط الحياة وعادات المغاربة؟

متى يتجاوز العالم العربي والإسلامي ذروة وباء كورونا؟

..................

 

تمامًا كما للمايكروبات طرق عديدة لإصابة جسم الإنسان بالعدوى، فإن للجوائح طرق أيضًا للتلاعب بالنظام السياسي. قد تطول الجوائح أو تقصر، أو تعاود الانتشار مثل الطاعون الجستنياني. وكثيرًا ما تصاحب الجوائح الحروب، أحيانًا في صالح الظالم، وأخرى في صالح المظلوم. قد تتوطن الجائحة، أي تصبح مزمنة باقية، لتعود وتصبح جائحة مرة أخرى عندما تنتقل إلى أرض جديدة أو عندما تتغير الظروف. 

تحت هذه الفئة ينطوي مرض الجدري، الذي سمي «الوحش الأرقط»، والذي قتل ما يزيد عن مليار شخص قبل أن يُجتث في منتصف القرن العشرين. لا يُعرف على وجه التحديد من أين ظهر المرض. يعتقد أن الفيروس -الذي ينتمي إلى الجنس الذي يضم كل من جدري البقر، جدري الجمال وجدري القرود- بدأ بإصابة الناس عندما شرعوا بتدجين الحيوانات. وُجِدت آثار للجدري في المومياءات المصرية، بما فيها مومياء رمسيس الخامس الذي مات عام 1157 قبل الميلاد. يبدو أن الرومان التقطوا الجدري قرب ما يعرف اليوم ببغداد، عندما ذهبوا لمحاربة أعدائهم البارثيين سنة 162. وثّق الطبيب الروماني جالينيوس أن الذين أصيبوا بهذا المرض الجديد عانوا من طفح جلدي «متقرح في معظم الحالات وجاف تمامًا» (يشار للوباء أحيانًا بطاعون جالينيوس). ويرجح أن يكون ماركوس أوريليوس، الإمبراطور الأخير ضمن من سُمّوا «بالأبطارة الخمسة الصالحين» والذي مات عام 180، من ضحايا الجدري.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة