كتاب "موجة سوداء" - تاريخ عالمي لتنافس إيران والسعودية
ظلال عام 1979 المخيمة على الشرق الأوسط

في كتابها الصادر عام 2020 تصف الصحفية اللبنانية الهولندية كيم غطاس -العاملة في مؤسسة بي بي سي الإعلامية- تاريخ الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المعاصر بأنه تاريخ صراع على الهيمنة بين إيران والسعودية. وتولي المؤلفة البعد الاجتماعي لهذا التنافس أهمية خاصة. الباحث الألماني دانيال فالتر قرأ الكتاب لموقع قنطرة.

المكان: مدينة بيشاور الباكستانية؛ الزمان: مطلع الثمانينيات؛ المدينة تتحول إلى خزان للإسلامويين الدوليين عقب الغزو السوفييتي لأفغانستان المجاورة، حيث تدفق المقاتلون وعمال الإغاثة إليها، قادمين من دول شتى يجمعها عداء الجيش الأحمر السوفييتي. وقد ضمن تدفق السيولة المالية المستمر من المملكة العربية السعودية ومن الولايات المتحدة عدم وجود أي نقص في المواد اللازمة للقتال.

وفي بيشاور أيضا في ذلك الوقت كان يوجد صحفي سعودي شاب، كان يرسل تقارير بهيجة وحماسية للنشر في صحف سعودية محلية، وكان يرى في الجهاد العالمي حينذاك رمزًا لوحدة الأمة، وكان المجاهدون في نظره يشنون حربًا مشروعةً ضد الغُزاة السوفييت الكفار المحتلين. هذا الصحفي هو جمال خاشقجي.

الغلاف الإنكليزي لكتاب كيم غطاس "موجة سوداء: السعودية وإيران وتنافس على مدى أربعين عامًا أدى إلى انهيار الثقافة والدين والذاكرة الجماعية في الشرق الأوسط"، دار النشر هنري هولت، نيويورك 2020.
"لا توجد شوفينية ثقافية وأبدية الحرب الدينية خرافة واهية": في كتابها تعارض كيم غطاس بصورة صريحة، ومن البداية، الشوفينية الثقافية والأسطورة الواهية القائلة بأبدية الحرب الدينية، وهي لا تشاطر الرأي القائل بأن الأحداث في المنطقة، والكيفية التي تتطور بها، أمر لا مفر منه. في الصورة: الغلاف الإنكليزي لكتاب كيم غطاس "موجة سوداء: السعودية وإيران وتنافس على مدى أربعين عامًا أدى إلى انهيار الثقافة والدين والذاكرة الجماعية في الشرق الأوسط"، دار النشر هنري هولت، نيويورك 2020.

وقد تمت لاحقًا تصفيته بوحشية في القنصلية السعودية في إسطنبول، نهاية العام 2018، بعد أن تطور [موقفه] من داعم سابق لطموحات السلطة السعودية إلى منتقد لمسار التحديث التصادمي الذي تبناه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وتأخذ كيم غطاس حياة جمال خاشقجي وموته كأحد الأمثلة على التاريخ المعاصر للشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وترى هذه الصحفية -التي عملت لمدة طويلة لصالح هيئة الإذاعة البريطانية- أن جريمة القتل هذه تمثل "أحدث التطورات غير المتوقعة وأكثرها بشاعةً في خضم الصراع بين إيران والسعودية".

تنافس مدمر

يمثل هذا التنافس السعودي-الإيراني الجدلية المركزية لكتاب المؤلفة اللبنانية-الهولندية المعنون بـ "موجة سوداء"، وترى المؤلفة أن هذا التنافس طبع تاريخ المنطقة بطابعه خلال الأربعين عامًا الماضية أكثر من أي شيء آخر، وتحاول على مدار ما يقارب 400 صفحة تبيان تأثير التناهُض بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ابتداءً من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وصولًا إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية.

وبذلك، تسعى المؤلفة للإجابة عن سؤال رئيس هو "ماذا حدث لنا؟" فما يخفيه هذا السؤال من شَجَنٍ -في ضوء التاريخ العنيف للمنطقة والرعب المحسوس ضمنًا- هو ما يشكل إيقاع الكتاب.

وفي هذا المقام، نقول للذين يستشعرون حضور برنارد لويس اللاحق أو يخشون تكرار قراءة شيء مشابه لأفكاره وآرائه، أي قراءة مجرد كتاب آخر عن الخلافات الطائفية المزعومة منذ قرون: لا داعي للقلق. إذ تعارض كيم غطاس في كتابها بصورة صريحة، ومن البداية، الشوفينية الثقافية والأسطورة الواهية القائلة بأبدية الحرب الدينية، وهي لا تشاطر الرأي القائل بأن الأحداث في المنطقة، والكيفية التي تتطور بها، أمر لا مفر منه.

ويقع الكتاب في ثلاثة أقسام مستفيضة: الثورة والمنافسة والحرب. ويتضح من هذه العناوين التي تحاكي تسلسل الحبكة في النصوص الدرامية أن المؤلفة لا تخاطب الجمهور المتخصص بدراسات الشرق الأوسط في المقام الأول، وإنما تهدف إلى كتابة تاريخ يمكن الوصول إليه من قبل عدد أكبر من القراء.

"ثورتان إسلاميتان في العام 1979"

كان يوجد حدثان ملموسان في بداية الديناميكية المستعصية التي شهدتها السنوات الأربعون الماضية، وهما اندلاع الثورة الإسلامية في إيران واستيلاء مسلَّحِين إسلامويين على المسجد الحرام في مكة [المكرمة]، والرأي القائل بأن العام 1979 كان عامًا محوريًا، ليس رأيًا جديدًا بحد ذاته، إذ سبق أن أُلفت أعداد لا تحصى من الكتب عن ذلك، إلا أن المؤلِّفة تجد خللًا في طريقة معالجة هذين الحدثين.

ففي حين تبوأت التطورات في إيران صدارة العناوين في مختلف أنحاء العالم، فإن ما حدث في السعودية "تطور بدون إحداث جلبة". وبالنسبة لكيم غطاس، فهي على قناعة بأن ما حدث في العام 1970 هو "ثورتان إسلاميتان" [وليس ثورة واحدة في إيران فحسب].

 

 

فقد كان لكل من الخطاب الديني الثوري لآية الله الخميني وصدمة الشرعية المتزامنة معها التي تعرضت لها الأسرة السعودية المالكة [بعد استيلاء مسلحين إسلامويين على المسجد الحرام لاسيما وأن الملك السعودي يلقب بخادم الحرمين الشريفين] انعكاسه على قيادات الدول في أجزاء واسعة في دول العالم الإسلامي. ويتجلى هذا بوضوح لمن يزور هذه الدول. فسرعان ما بدأ سباق [في المنطقة]، يهدف إما "للحاق بالثورة الإسلامية وتقليدها، أو مجاراتها والتفوق عليها"، وقد حصل كل من هذين الاتجاهين على دعم مالي أو تنظيمي بما يكفي غالبًا من قبل طهران أو الرياض.

ولنأخذ باكستان على سبيل المثال، حيث أصدر الديكتاتور ضياء الحق أمرًا بتطبيق الشريعة الإسلامية الصارمة، وذلك في 10 شباط/ فبراير 1979، أي بعد وقت قصير من الإطاحة بالشاه الإيراني، حيث ارتفع النفوذ السعودي في باكستان بصورة خاصة في الثمانينيات، ومن ذلك تمويل مدارس تحفيظ القرآن. وقد أفرد كتاب "موجة سوداء" للتطورات في باكستان مساحة كبيرة عمومًا إذا ما قارناه مع العديد من المنشورات المماثلة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة