الدول العربية والحشد الأمريكي ضد إيران

مؤتمر وارسو أو السير على حافّة الهاوية

المحلل السياسي برهان غليون: من السذاجة الاعتقاد أن واشنطن أو إسرائيل ستوقفان التهديد الإيراني إزاء الدول العربية، من أجل عيون هذه الدول وضمان الاستقرار الإقليمي والدولي.

ختم إجهاض ثورات الربيع العربي دورة كاملة من السياسات العربية، التي قامت بعد الاستقلال على إرساء أركان نظمٍ سياسيةٍ تراهن، في الحفاظ على بقائها، بتنفيذها أجندة دولية أو بتقديم الخدمات للدول الكبيرة التي تريد أن تكسب دعمها، أكثر بكثير من رهانها على كسب الشرعية من الانشغال بتحسين شروط حياة شعوبها أو التفكير بمصيرها ومستقبل أبنائها.

وقد ولدت من هذه التبعية نخبٌ محليةٌ جعلت من ضبط حركة هذه الشعوب وتكبيلها بدل إطلاق طاقاتها وتحرير قدراتها مركز اهتمامها، فأصبح وجودها كنخبة مهيمنةٍ وحاكمةٍ يتعارض، بصورة متزايدة، مع تقدّم شروط حياة محكوميها وتحسين أحوالهم.

وما كان يمكن أن تنتهي هذه الدورة إلا بما انتهت إليه من مواجهةٍ شاملةٍ كما جسّدتها ثورات الربيع العربي، بعد أن تحوّلت النخب السياسية إلى طبقةٍ من المعمرين الجدد والسياسة "الوطنية" إلى احتلالٍ وقمع، وتحولت الشعوب "رعاعا" يزداد خطر انفجارها وتمرّدها مع تجريدها المتزايد من أي هوية سياسية أو إنسانية.

ما أحدثته الثورات العربية، التي احتلت السنوات العشر تقريبا لهذا العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين أنها جرّدت النخب الحاكمة من ثقتها بقوتها واطمئنانها إلى قدرتها على شل الإرادة الشعبية، ما عزّز لديها النزوع إلى فرض مزيد من القيود على مجتمعاتها، وإغلاق نظمها على نفسها أكثر مما حصل في أي مرحلةٍ سابقة، والتخلي عن غلالة الاستقلال الواهية التي كانت تحاول أن تخفي وراءها تبعيتها الكاملة للدول الضامنة لبقائها، وترمي بنفسها من جديد على الدول الكبرى وتشتري حمايتها.

"تحوّلت النخب السياسية إلى طبقةٍ من المعمّرين الجدد، وتحولت الشعوب "رعاعاً" يزداد خطر انفجارها وتمرّدها"

وبعكس ما توقعه المتفائلون من احتمال أن تتعلّم النخب الحاكمة الدرس، وتعيد النظر في منهج حكمها، وتبذل مزيدا من الجهد لكسب التأييد الشعبي أو استعادة جزء منه، دفعتها صدمة الاحتجاجات الكبرى إلى الخوف الذي تحاول أن تردّ عليه بتبني خيارين، كلاهما أسوأ من الآخر: إقفال النظام بصورة أقسى من قبل، وتعزيز سياسات الإقصاء وتقليص هامش الحريات والحياة السياسية إلى حد الإلغاء الكامل من جهة، والالتصاق أكثر من أي حقبة سابقة بالدول الأجنبية، الإقليمية أو الدولية لطلب الحماية منها. أي إلى الذهاب في الاتجاه المعاكس لما كان ينبغي أن تتجه إليه من أجل إصلاح الأوضاع، وتقليص حجم القطيعة التي تفصلها عن شعوبها، والبدء بتفكيك الأزمة الاجتماعية والسياسية التي فجّرت الثورات، لتجنب مواجهات جديدة قادمة حتما.

لم يتردد بنيامين نتانياهو في وصف مؤتمر وارسو حول الشرق الأوسط بـ"المنعطف التاريخي" بين الدول العربية وإسرائيل
لم يتردد بنيامين نتانياهو في وصف مؤتمر وارسو حول الشرق الأوسط بـ"المنعطف التاريخي" بين الدول العربية وإسرائيل

ما دفعني إلى الإشارة إلى هذه الاتجاهات السياسية الانتحارية لنخب طار صوابُها هي الحماسة التي أظهرتها للمشاركة في ما سمي مؤتمر وارسو للأمن والسلام في الشرق الأوسط الذي عقد في منتصف شهر فبراير/ شباط الجاري، بحضور نائب الرئيس الأميركي ووزير خارجيته، وتحت إشرافهما، والذي وضع في مقدمة أهدافه مواجهة طهران وسياستها التوسعية والتخريبية في المشرق العربي، وفي ثناياها، ولكن كشرط لها، تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، وإدخال إسرائيل منذ الآن، وبموافقة عربية، طرفا رسميا في معادلة القوة الإقليمية.

يتابع العرب في مشاركتهم هذه، ويتبعون خطط واشنطن واستراتيجياتها التي لم تسهم مرة واحدة في تشجيع بلدان المنطقة على التفاهم والمنطقة ككل على الاستقرار. بالعكس كل ما فعلته في العقود الأربعة الماضية، ومعها أكبر البلدان الأوروبية، كان على حساب الأمن والسلام الشرق أوسطي، ومن أجل تلغيمه وتقويضه.

ليس الخطأ في هذه المشاركة التأكيد على ضرورة التصدّي للخطر الإيراني، ولا أولويته بالنسبة لدول المنطقة المترنّحة بسببه، وإنما لسذاجة الاعتقاد أن واشنطن أو إسرائيل سوف توقفان التهديد الإيراني إزاء الدول العربية، من أجل عيون هذه الدول وضمان الاستقرار الإقليمي والدولي. إنهما يسعيان بالعكس إلى توتير العلاقات العربية الإيرانية بشكل أكبر، وتعميق الشرخ بين الجارين المتخاصمين، من تحقيق أهدافهما الخاصة على حساب الدول العربية. وبمعنى آخر، تحميل هذه الدول ثمن مواجهة إيران وتحجيم نفوذها، من دون تقديم أي تنازلٍ سياسي أو استراتيجي للدول العربية. وفي النهاية، لن يحصد العرب من هذا اللقاء سوى إدماج إسرائيل في منظومتهم العربية، وإدخال لاعب معاد لهم فيها، من دون أي ثمن. وهو ما سوف يعمل على تعميق التناقضات والخلافات بين الدول العربية وشعوبها، وفيما بينها أيضا، ويعمق المشكلة التي كانت في أصل تراجع الموقف العربي الإقليمي، وتنامي الأطماع الإيرانية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.