الرواية الكردية "بنات الدخان والنار" عن أكراد إيران

تصوير لمعاناة أربعين مليون كردي في إيران

"بنات الدخان والنار" رواية تفطر القلب للكاتبة والناشطة الكردية آفا هوما وهي باكورة أعمالها الروائية، تدور حول ليلى وهي شابة كردية تترعرع في إيران المعاصرة. يغلب في هذه الرواية تصوير نضال الأقلية الكردية -ضد الإخضاع والإذابة- على قضية المرأة الشخصية. الرائع في هذا الكتاب ليس فقط تجسيد معاناة الناس في شخصية واحدة، بل أيضا توضيح كيف تؤدي الصدمة النفسية لدى أقلية مضطهدة إلى تدمير ثقة الشخص وروحه بصورة تدريجية. الناقد الأدبي ريتشارد ماركوس قرأ هذه الرواية لموقع قنطرة.

على الرغمِ من أنّ الكثير قد قيل في السنواتِ الأخيرةِ عن بطولةِ المحاربين الأكرادِ في قتالهم تنظيمَ الدولةِ الإسلاميةِ في سوريا والعراق، وأهوال الحملةِ التركيةِ ضدهم في شمالِ سوريا، إلا أننا نسمعُ القليلَ جداً عن حياةِ الأكرادِ العاديين الذين يعيشون في إيران. لكن ها هي رواية "بنات الدخان والنار" -للكاتبة آفا هوما- تُغيِّرُ كل ذلك.

إذ أنّ آفا هوما بسردها لقصةِ عائلةِ ليلى -والدها ووالدتها وأخيها الأصغر- ودائرة الأصدقاءِ المحيطة بهم، لا تخبرنا فقط بقصة عائلةٍ بل وتتمكن من نقلِ شيء من الرعبِ المتراكمِ لشعبٍ يتعرّضُ باستمرار للاعتداء.

حتى عندما كانت ليلى طفلةً صغيرةً كانت تُدرِكُ أنهم مختلفون. فمن خلال خريطةِ الندوبِ على ظهرِ والدها -التي تُظهِرُ مكانَ تعرّضه للتعذيبِ- إلى حزنهِ وغضبهِ الشديدين تعرفُ أن عائلتها ليست مثل غيرها من العائلاتِ.

الغلاف الإنكليزي للرواية الكردية "بنات الدخان والنار" عن أكراد إيران - للكاتبة الكردية آفا هوما. (published by abrams&chronicle)
الغلاف الإنكليزي للرواية الكردية "بنات الدخان والنار" عن أكراد إيران - للكاتبة الكردية آفا هوما. أحد شعوبِ العالَم التي لا وطنَ لها: وُعِدوا بعودةِ أراضيهم التقليديةِ في نهايةِ الحربِ العالميةِ الأولى، لكن الأكراد يعيشُون اليومَ في أراضٍ تخضعُ لسيطرةِ العراقِ وإيران وتركيا وسوريا. وغالباً ما يُعاملون بوصفهم مجرمين لمحاولتهم التحدّث بلغتهم الخاصة، أو بسبب وجودهم بحدِّ ذاته، بينما يواصلُ الأكرادُ المقاومةَ في محاولةٍ للحفاظِ على ثقافتهم.

 

ومع نمو ليلى وشقيقها شيا، يبدآن بإدراكِ مدى اختلافهم. ولا يقتصرُ الأمرُ على معاقبتهما في المدرسةِ لتحدثهما باللغةِ الكرديةِ، بل أيضاً والدهما مهووس بالفظائعِ التي ارتُكِبت ضدّ الأكرادِ، في الماضي والحاضرِ. فكل واحدةٍ منها هي ندبة متقيحةٌ في روحه. ولا يسعُ أطفاله إلا أن يتأثروا بعواطفهِ الحساسةِ وروحه المعذبةِ.

ومن طفولةِ ليلى وما بعد ندركُ كم صعبة هي حياتها وكيف تصبح حياةُ الناسِ المقموعين ملتويةً ومشوهةً. كما أن علاقةُ ليلى بكلٍ من والدها ووالدتها معقدةٌ بسبب مرارتهما وغضبهما.

في الواقعِ تشعر ليلى غالباً براحةٍ أكبر حين تزورُ صديقة والدها، جوانا، وابنتها شِلير. فعلى الرغمِ من قضاء جوانا بعض الوقتِ في السجنِ -وإنجابها لابنتها حين كانت محتجزةً- يبدو أنّ جوانا تتمتع بخفةِ روحٍ يفتقدها والدا ليلى.

مكروهون من قِبَل الدولةِ

في حين تستاءُ والدة ليلى من جوانا وتصفها بالعاهرةِ، تستمدُّ ليلى القوةَ والسلوان من اهتمامِ ولطافةِ "خالتها". فزيارةُ شلير وجوانا هي مهربها الأول من الجوِ القمعي الذي تولّده الدولةُ الكارهة لوجودهم.

إذ أنّ نشأتها بوصفها امرأةً وكرديةً في إيران، يعني جرعةً مزدوجةً من القمعِ. وأملُ ليلى الوحيدِ -في اكتساب مظهرٍ من مظاهرِ الحياةِ- يتمثّلُ بحصولها على قبولٍ في الجامعةِ.

بيدَ أنها تكتشفُ بسرعة أنها وإن تمكّنت من اجتيازِ الامتحاناتِ المطلوبةِ -وهو أمرٌ مستحيلٌ عملياً حين يكون النظامُ غير منصفٍ لك لكونك فقيراً وتنتمي لأقليةٍ- فإنّ فرصَ قبولها في الجامعةِ ضئيلةٌ لأنّها لا تملكُ العلاقات المناسبة. بينما يملكُ أخوها الأصغر، -لكونه صبياً- فرصةً أفضلَ بكثير ويضمن بسهولةٍ مكاناً له في جامعةٍ في طهران.

ومع امتداد قصّة ليلى نرى كيف تؤثّرُ هذه التربيةُ على إحساسها بقيمةِ الذاتِ والشخصيةِ. كما أنّنا نكتشفُ كم من روحِ والدها -التي لا تُقهَر- قد ورثت ليلى حين يُعتَقلُ أخوها العزيزُ شيا.

كان يكتبُ عن محنةِ الأكرادِ في إيران وينشرُ مقالاته على الإنترنت عبر قنواتٍ يُزعمُ أنها آمنة خارج إيران.

وقد ألقي القبضُ عليه لمشاركتهِ في مظاهرةٍ مناهضةٍ للحكومةِ ويتلاشى في غياهب نظامِ سجونِ الإيراني. ولعدةِ أشهرٍ لا يعرفُ أحد إِنْ كان ميتاً أو حياً.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة