العلاقة بين إيران والعالم العربي

"لا يمكن الحديث عن تناحر مستمر بين العرب والفرس"

تريد إيران توسيع رقعة تأثيرها ونفوذها الإقليمي بمساعدة حلفاء شيعة لها في المنطقة العربية. لكنَّ شيعةً عَرَباً كثيرين مشاركين في احتجاجات لبنان والعراق رفضوا الصلة الطائفية بإيران ولوحوا بالعَلَمَيْن اللبناني والعراقي، في إشارة واضحة إلى انتماءاتهم الوطنية. كرستن كنيب يسلط الضوء على علاقة إيران المعقدة مع العالم العربي.

كشفت موجة الاحتجاجات في إيران للقيادة مدى ابتعادها عن المواطنين ومدى عمق الهوة الواسعة بينهما. فمن أجل "صرف النظر عن إخفاقات اقتصادية وسياسية جلية في الداخل، تقدم الجمهورية الإسلامية نفسها كمحامٍ للقضايا العربية وعربية أكثر من العرب أنفسهم"، بحسب تحليل لمجلة "فورين بوليسي" نشرته في كانون الثاني/ يناير 2020. 

وكمثال على ذلك هو إعلان آية الله الخميني عام 1979 عن "يوم القدس" الموجه ضد الوجود الإسرائيلي في القدس الشرقية، ولاسيما المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى. وقدمت إيران نفسها كمتضامن أيضا بعدما عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته للسلام "صفقة القرن". وفي رد فعل على ذلك نشر فيلق القدس التابع للحرس الجمهوري بيانا يدعو فيه إلى المقاومة ضد الخطة ويمجد الفلسطينيين زاعماً أنهم هم "وحدهم" يرفضون الخطة.

وآية الله محمد موحدي كرماني، المسؤول في طهران عن خطب الجمعة وصف الاتفاقية "كخيانة وفضيحة القرن". وبغض النظر عن الإعلانات الخطابية والرمزية للتضامن، تحاول إيران من خلال تحالفاتها مع ميليشيات في الغالب شيعية وفئات اجتماعية في البلدان المجاورة كسب التأثير وربما توسيعه. وفي الوقت نفسه يشعر الكثير من الإيرانيين بالقرب الثقافي من إخوانهم العرب في الدين. وهذا يظهر مثلا في رحلة الحج السنوية إلى المقدسات الشيعية في العراق التي يشارك فيها الإيرانيون أيضا.

القومية أعلى من الارتباط الديني

 

مئات آلاف الإيرانيين يشاركون كل عام في إحياء ذكرى عاشوراء وزيارة العتبات المقدسة في العراق.
مئات آلاف الإيرانيين يشاركون كل عام في إحياء ذكرى عاشوراء وزيارة العتبات المقدسة في العراق.

 

لكن استحقاق الريادة الإيراني لدى السكان الشيعة في الدول العربية المجاورة يخضع أكثر للتساؤل. وعلى هذا النحو رفضت الاحتجاجات الموجهة في الأصل ضد الظروف السياسية السيئة الداخلية في لبنان، التأثير الذي يمارسه حزب الله على السياسة اللبنانية أيضا. 

وهذا الانتقاد تبناه الكثير من الشيعة المشاركين في المظاهرات الذين تخلوا مثل السنة عن الرموز الدينية ولوحوا عوض ذلك بالعلم الوطني اللبناني. وهذه إشارة واضحة إلى أن الدوافع الدينية في أجزاء من العالم العربي تفقد قوتها العقائدية. ويظهر بدلا منها الالتزام من أجل دولة موحدة بعيدا عن الفوارق الدينية.

وبالفعل يشعر الكثير من العرب بوعي قومي أكثر، كما تقول خبيرة الشؤون الإيرانية بجامعة هايدلبيرغ، ريبيكا زاور، وتضيف: "يمكن ملاحظة ذلك مثلا في أنه في العالم العربي يعتبر الكثير من الشيعة أنفسهم عربا في المقام الأول ويشعرون بالالتزام تجاه بلدهم وليس تجاه إيران. وبالتالي فإن تحالفات سياسية خارجية تبنى اعتبارات سياسية أكثر من الدينية".

"200 عام من الهدوء"

 

منع إقامة الأعراس في إيران بما لا يتوافق مع تعاليم الإسلام.
منع إقامة الأعراس في إيران بما لا يتوافق مع تعاليم الإسلام.

 

تاريخيا كانت العلاقة بين إيران والفاتحين العرب (أو الغزاة العرب) متنوعة. فالمؤرخ مرتضى رفندي يذكّر في كتابه الصادر في 1974 بعنف السادة الجدد. وهذا العنف يتجلى في الصورة المثيرة للقلق لذلك الطوق الحديدي الذي كانوا يضعونه حول عنق المزارع الإيراني لإجباره على دفع ديون الحرب والضرائب. ومن جهة أخرى يلاحظ المؤرخ البريطاني، مايكل أكسورثي أن "الفتح العربي (أو الغزو العربي) لم يكن مرتبطا في جزئه الأكبر بالقتل الجماعي وتغيير المعتقد الإجباري والتطهير العرقي ... فبصفة عامة ترك العرب أصحاب الأرض الفرس والمزارعين والتجار يمارسون أعمالهم كما كانوا يفعلون في السابق".

والفتح العربي (أو الغزو العربي) في منتصف القرن السابع عمل على محو المؤسسات الفارسية القديمة للملكية والديانة الزرادشتية، لكن ليس اللغة الفارسية. ورغم "مائتي عام من الهدوء"، كما هو عنوان كتاب للمؤرخ عبد الحسين زرينكوب الصادر عام 1951 نجت اللغة الفارسية بما فيها الكلمات العربية التي دخلت عليها.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة