قاسم سليماني جنرال إيران القوي الذي كان يخلط استراتيجيات الحرب بالسياسة، كان حاضراً في نشاط إيران "الثوري" بالمنطقة، وخاصة العراق وسوريا ولبنان، ومثّل مقتله منعطفاً في صراعات الشرق الأوسط.
الرؤية الميثولوجية لإيران الخمينية: لماذا يبكي الإيرانيون؟

"الشهيد" صانع التاريخ وقاسم سليماني "لورنس الشيعة"

سيحتارُ المراقبون حول تفسير ردة فعلِ النظام الإيراني على اغتيال قاسم سليماني، هنا ستغيبُ الرؤية الميثولوجية أو الدينية للحرس الثوري، الحاكم الفعلي للبلاد عن التفسيرات العربية. إيرانُ تعتبر دوار الجوار صنيعة القوة والتوسع الغربي، ولذلك لا بأسَ من انهيارها عبر دعم جماعاتٍ أهليةٍ مسورة بغلافٍ طائفي، في سبيل بناءِ أو توسيعِ رقعة الأمة الشيعية الجديدة. تحليل محمد تركي الربيعو

بين عامي 1977 و1978، كان الخوف قد اضمحل من شوارع طهران، فقد قرر أطفالٌ وشبابٌ صغار مواجهةَ امبراطور الدولة الفارسية، الشاه، الذي نصب نفسه ملكَ الملوكِ وشمس الآريين.

لن يقف الشاهُ ساكتاً، وإنما سيطالبُ جنودَه بالفتك بأجسادِ هؤلاء الشباب؛ سيقعُ من بين من وقع في هذه الاحتجاجات شابٌ يُدعى مصطفى كان والده (الخُميني) آنذاك عالِماً معروفاً في قُم بمواقِفه الجريئة ضد السلطة.

ستتحول ذكرى إحياء أربعينَ يوماً على مقتلِ هذا الشاب إلى أعمالِ شغبٍ، هاجم فيها المتظاهرونَ، محلات بيعِ الخُمور وصالات السينما.

ومع هذه الحوادثِ، ستحمِلُ ذكرى الأربعين في إيران معنى جديداً في الظروفِ السياسيةِ الإيرانيةِ؛ فبدلاً من أن تُؤشر إلى نهايةِ فترةِ الحزن، بدأت تتحول إلى شعيرةٍ سياسيةٍ، للاعتراضِ على النظامِ. أخذت هذه الأيام تتكاثرُ في عرضِ البلادِ وطولِها، مع اشتداد أعمالِ القمع، وصارت بمثابة كابوس للسلطةِ. يشرحُ عالمُ الاجتماعِ منصور معدل كيف أصبحت دوراتُ هذه الشعائر الدينية تُحددُ التواريخَ والمواعيدَ الدقيقة للانخراط ِفي نشاطاتِ المعارضة.

 

 نصوص تذكارية باللغة الفارسية والعربية والإنكليزية. جمهورية إيران الإسلامية تُعلـِّق أهمية على تمكين زوَّار المقبرة الأجانب من فهم النصوص المدوَّنة على النصب التذكارية. وهذا ينطبق بشكل محدود فقط على الجيل الأحدث من "الشهداء" - أي الإيرانيين الذين سقطوا وهم يقاتلون إلى جانب الجيش السوري. لا توجد أرقام رسمية حول عدد المواطنين الإيرانيين الذين سقطوا في سوريا، غير أنَّ قبورهم واضحة للعيان في المقابر الإيرانية.
نصوص تذكارية باللغة الفارسية والعربية والإنكليزية. جمهورية إيران الإسلامية تُعلـِّق أهمية على تمكين زوَّار المقبرة الأجانب من فهم النصوص المدوَّنة على النصب التذكارية. وهذا ينطبق بشكل محدود فقط على الجيل الأحدث من "الشهداء" - أي الإيرانيين الذين سقطوا وهم يقاتلون إلى جانب الجيش السوري. لا توجد أرقام رسمية حول عدد المواطنين الإيرانيين الذين سقطوا في سوريا، غير أنَّ قبورهم واضحة للعيان في المقابر الإيرانية.

 

سقط الشاهُ، لم يصدق حلفاؤه والعالم ما يحدث. وفي يومٍ شباطي، تجمع الملايين ليستقبلوا الخميني.. سيبقى السؤالُ حول ما إذا كانت هذه الثورةُ دينية أم حداثية محل نقاشٍ واسعٍ.

كتب سامي زُبيدة، أن هذه الثورة لم تكن سِوى ثمرة نوعٍ من الحداثةِ؛ مع ذلك لم يكن خطابُ السلطةِ على الأقل يوحي بهذا الشيء، كانت الثورة تسيرُ بلغتها الأيديولوجية إلى عوالمِ الأسلاف. سيُخبرنا الخميني القادم كطلقةٍ من القرن الهجري الأول، وفق تعبير الصحافيَ المصري محمد حسنين هيكل، أنه لا يعبأُ بمفاهيم الدولةِ وملفاتِ الاقتصاد، لأن صانعَ التاريخ هو الشهيد، فهو مصدر شرعية هذه الثورة. ولذلك بات الاحتفالُ بذكرَاهم في الساحاتِ العامة شيئاً أساسياً من طقوس الدولةِ، أو الأمة الجديدة. فقد غدا، وفقاً لتحليلِ حميد بوزرسلان، بمثابة صورة عن المسؤوليةِ والتضحيةِ، فهو شبيهٌ بالإمامِ الحُسين، الذي تحول من "شفيعٍ في السماء"إلى ثائرٍ عادلٍ.

مع هذه الرمزية الجديدة، كان الشرقُ الأوسطُ يدخلُ مرحلةً جديدةً من تاريخ متخيلاته، تقعُ على النقيض من شبابية سنوات 1950/1970، فقد حل الشيخُ الحكيمُ الذي يشكل ألمه ذاكرةَ شعبٍ بأسره، محل الثوري الشاب والرشيق المتمثل في عبد الناصر أو ياسر عرفات (والتحليلُ هنا لبوزرسلان).

وباسم هذه الآلام والأساطير الدينية، سيطلبُ هذا الرجل المعمم من الشبابِ القيام بالتضحية الكبرى، أي "الشهادة" لتصديرها، التي مثلت بالنسبة له شرطاً أساسياً لاستمرارية حكومته؛ فالانتقال إلى الداخلِ أو الاضطرار للانسحاب، كان يعني التحول إلى سلطةٍ قمعيةٍ ترافقها ظاهرةُ تحولٍ بيروقراطي. تطلّب هذا التصدير حرساً مخلصين للثورة، يعملون على نشر رسالته، وعلى تصفيةِ من تبقى من أعداءِ الداخلِ، الذين تمثلوا في البداية بقواتِ الجيش، قبل أن يطالَ الأمرُ لاحقاً بعض مؤيدي الثورة، الذين "ارتدوا" عنها بسبب خلافاتٍ حول "الثورة الدينية" التي كان يسعى لها الخميني.

يروي لنا بهروز قمري في مذكراته المنشورة مؤخراً بالعربية، جزءاً من يوميات إسقاطِ الشاهِ والانقلاب ِعلى المتظاهرين لاحقاً. فقبل الثورةِ بأشهرٍ، كان خامنئي كما يروي قمري، شاباً غير قادرٍ على الخطابة أمام الجماهير، "كان قد حرمه جسده الرشيق والطويل والمتمايل، وعيناه الزرقاوان، مع شاربه الصغير وشعره البني الفاتح الأشعث من الوقوف على المنصة كقائدٍ موثو"».. كان أنصارُ اليسارِ الإسلامي وحزب توده أكثر قدرة على الحشد كما يذكر "من عمامة خامنئي السوداء"، بيد أن هذه الأحوالُ ستتغير، فحلفاء الأمسِ باتوا أعداءَ اليوم الموالين للغرب. سيلتقي في أحد السجون بأحد الجنرالاتِ الذي سيهديه يومها سروالَه القديم خاتماً كلامه بعبارة: "قد يكون قصيراً قليلاً، لكنه مثل الحياة"، ليُساق بعدها إلى قوافلِ الإعدام.

 

 

وفي موازاةِ وتيرة الرعب في الداخل، كانت الحربُ مع العراق بمثابة فرصة لترسيخ فكرة الشهادة الإيرانية، بيد أن تجرعَ قائدها السم في نهاية المعركةِ، وارتداء 800 ألف عائلة إيرانية السواد على أولادها الذين قُتِلوا، سيُجبِر إيران على الانكفاء، والعودة إلى قمقمها الجغرافي.

"مع اندلاع الانتفاضات العربية، وتحول ساحاتها لاحقاً إلى معاركَ بين أطرافٍ أهليةٍ، كانت إيرانُ ترى أن هذه الدول ليست سوى صنيعة القوة والتوسع الغربي، ولذلك لا بأسَ من انهيارها عبر دعم جماعاتٍ أهليةٍ مسورة بغلافٍ طائفي، في سبيل بناءِ أو توسيعِ رقعة الأمة الشيعية الجديدة".

 

المزيد من مقالات موقع قنطرة

التخويف من الخطر الخارجي ذريعة نظام الملالي لإخضاع الشعب الإيراني

'البلطجة''.....أجندة نظام الملالي

تداعيات مقتل سليماني والمهندس- إيران تتوعد وعراقيون يرقصون فرحاً

الاحتجاجات العربية - انتهاء تاريخ صلاحية أنظمة سلطوية طائفية فاسدة؟

القدس بين الحكومات والشعوب - شعرة لم تقصم ظهر البعير

ندم الناخبين على التصويت لروحاني

مرحلة "اللا عودة" في إيران: عنف الأمن مرآة لذعر نظام الملالي

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة