المحادثات الأمريكية مع طالبان في الدوحة

هل يحل سلام أفغانستان فعلا بالحوار مع طالبان؟

رغم مفاوضات السلام بين واشنطن وحركة طالبان، لا يزال صراع دامٍ في أفغانستان يكبِّد أهل البلاد خسائر فادحة. فهل بإمكان المحادثات مع طالبان جلب السلام فعلاً إلى أفغانستان؟ تحليل الباحث أمين سيكل.

كان التفجير الانتحاري الأخير الذي نفذه فرع تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان في حفل زفاف في كابول، والذي أسفر عن مقتل أكثر من ستين شخصا وإصابة ما يقرب من 200 شخص بجراح، بمثابة تذكرة بالحالة الأمنية البالغة السوء في أفغانستان. كما يُظهِر لنا أن حركة طالبان ليست المعارضة المسلحة الوحيدة التي تؤجج الصراع. وعلى هذا فمن غير المرجح أن يجلب أي اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وطالبان أي هدنة.

الواقع أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في الدوحة -التي لا تشارك فيها الحكومة الأفغانية- أشبه بعمليتي سلام سابقتين: محادثات باريس التي أسفرت في يناير/كانون الثاني 1973 عن معاهدة سلام بين الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية؛ والمفاوضات التي أدت في عام 1988 إلى اتفاقيات جنيف، التي وقعتها الحكومتان الأفغانية والباكستانية مع الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة بصفتهما ضامنين.

جاء تصميم هاتين الاتفاقيتين بحيث تعملان على تمكين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من الخروج "بشرف" من حربين لم يتمكنا من الفوز بهما، من خلال "فتنمة" و"أفغنة" الصراعين على التوالي. وفشلت كل من الاتفاقيتين في تحقيق الأهداف المرجوة.

حرب لا يمكن لواشنطن الفوز فيها

بحلول عام 1975، اجتاحت القوات الفيتنامية الشمالية المدعومة من الاتحاد السوفييتي فيتنام الجنوبية، فأذلت الولايات المتحدة. وفي عام 1992، عجلت قوات المقاومة الإسلامية الأفغانية (المجاهدين) المدعومة من الولايات المتحدة، بانهيار النظام الشيوعي الذي نصبه السوفييت في كابول.

وفي حين نجح الفيتناميون الشماليون في توحيد بلادهم واستعادة السلام، فإن الحال في أفغانستان كانت أسوأ كثيرا. فسرعان ما حول المجاهدون المنقسمون اجتماعيا وسياسيا أسلحتهم بعضهم ضد بعض. واغتنمت باكستان الفرصة لتعزيز مصالحها الإقليمية من خلال رعاية حركة طالبان المتطرفة، التي تمكنت في الفترة 1996 - 1998 من إخضاع معظم أراضي أفغانستان لحكم ديني صارم.

 

انسحاب آخر الوحدات العسكرية السوفييتية من ترميز ، أفغانستان في 15 فبراير / شباط 1989.  Foto: AP
انهيار نظام أفغانستان الشيوعي: في عام 1992، عجلت قوات المقاومة الإسلامية الأفغانية (المجاهدين) المدعومة من الولايات المتحدة، بانهيار النظام الشيوعي الذي نصبه السوفييت في كابول.

 

بدورها، وفرت طالبان المأوى لتنظيم القاعدة، الذي نفذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية على الولايات المتحدة. وقد دفع ذلك أمريكا، بدعم من حلفائها في منظمة حلف شمال الأطلسي وحلفاء آخرين من خارج الحلف، إلى التدخل في أفغانستان في الشهر التالي بهدف تدمير تنظيم القاعدة وإزاحة نظام طالبان. وسرعان ما نجحت القوات التي قادتها الولايات المتحدة في تفريق قيادة تنظيم القاعدة وإنهاء حكم طالبان، لكنها فشلت في إيقاع هزيمة حاسمة بأي من المجموعتين. وفي غضون عامين من تدخل الولايات المتحدة، تمكنت حركة طالبان وعناصر من تنظيم القاعدة من العودة وتوريط الأمريكيين والقوات المتحالفة في تمرد متدني المستوى لكنه باهظ التكلفة إلى حد مذهل منذ ذلك الحين.

أهداف محادثات السلام مع طالبان

الآن، بعد ما يقرب من عشرين عاما من القتال، يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشكل يائس فصل أمريكا عن حرب لا يمكن الفوز بها ــ ويفضل أن يتأتى ذلك من خلال تسوية سياسية مع طالبان. كان مبعوث ترمب الخاص للمصالحة الأفغانية، الأفغاني الأمريكي زلماي خليل زاده، عاكفا على هذا الأمر في دبلوماسية مكوكية منذ سبتمبر/أيلول 2018، في تشابه مخيف مع الجهود الفاشلة التي بذلها وزير الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر لإحلال السلام في الشرق الأوسط في أعقاب حرب 1973 بين العرب وإسرائيل.

بدأ خليل زاده للتو جولة المفاوضات التاسعة مع ممثلي طالبان في الدوحة. وقد عقد منفردا اجتماعات عديدة مع الحكومة الأفغانية والقادة غير الحكوميين، فضلا عن قوى قاعلة إقليمية ودولية - لكن ليس إيران، التي تدور معها الولايات المتحدة في حلقة مفرغة من العداء المتزايدة الحدة.

​​​​​​وقد ركز على أربعة أهداف مترابطة: إنشاء جدول زمني لخروج كل القوات الأجنبية المتواجدة حاليا في أفغانستان؛ وإلزام حركة طالبان بمنع شن أعمال عدائية ضد الولايات المتحدة من الأراضي الأفغانية؛ وعقد مفاوضات مباشرة بين طالبان والحكومة الأفغانية، التي تعتبرها طالبان "غير شرعية" ومجرد "دمية"؛ ووقف إطلاق النار في عموم أفغانستان.

ولكن برغم أن خليل زاده ربما يتمكن أخيرا من التوصل إلى اتفاق مع طالبان في ما يتصل بأول هدفين، فليس هناك ما قد يضمن حرص شريك أمريكا في محادثات السلام على المساعدة في تحقيق الهدفين المتبقيين. فبسبب ضعف الحكومة الأفغانية وانقساماتها الداخلية ستصبح اليد العليا لطالبان في أي ترتيب لتقاسم السلطة، وخاصة بعد رحيل القوات الأمريكية وقوات الحلفاء. ومن المشكوك فيه للغاية أن تكون طالبان، سواء كانت في السلطة أو شريكا فيها، قادرة على السيطرة على جماعات المعارضة المسلحة الأخرى، وأهمها فرع تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان، أو تسخير دعم شريحة واسعة من سكان أفغانستان المتنوعين.

طالبان تنتمي إلى مجموعة عِرقية بشتونية

تنتمي حركة طالبان إلى مجموعة عِرقية بشتونية، تنحدر على وجه التحديد من قبيلة غيلزاي التي ينتمي إليها الرئيس الأفغاني أشرف غني والعديد من المحيطين به. لا يتمتع المنتمون إلى قبيلة غيلزاي أو قبيلة دوراني المنافسة التي ينتمي إليها الرئيس السابق حامد كرزاي بثقة المجموعات العِرقية غير البشتونية، التي تشكل في مجموعها (على الرغم من انقسامها على نفسها) الحصة الأكبر من سكان أفغانستان. وما يزيد الأمور تعقيدا أن كل المجموعات العِرقية الأفغانية لها روابط قوية عبر الحدود مع الدول المجاورة.

 

مبعوث ترمب الخاص للمصالحة الأفغانية، الأفغاني الأمريكي زلماي خليل زاده:  Foto: Getty Images/AFP
أربعة أهداف مترابطة: ركَّز عليها مبعوث ترمب الخاص للمصالحة الأفغانية، الأفغاني الأمريكي زلماي خليل زاده، وهي: إنشاء جدول زمني لخروج كل القوات الأجنبية المتواجدة حاليا في أفغانستان؛ وإلزام حركة طالبان بمنع شن أعمال عدائية ضد الولايات المتحدة من الأراضي الأفغانية؛ وعقد مفاوضات مباشرة بين طالبان والحكومة الأفغانية، التي تعتبرها طالبان "غير شرعية" ومجرد "دمية"؛ ووقف إطلاق النار في عموم أفغانستان.

 

فرع تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان

من ناحية أخرى، لا يدين فرع تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان بالولاء لأي طرف داخل أفغانستان. بدأت هذه المجموعة عملياتها في عام 2015، ويُقال إنها تضم نحو 2000 مقاتل (بما في ذلك بعض المنشقين من طالبان)، الذين يكرسون جهودهم لإحداث الاضطرابات والفوضى. وكانوا مسؤولين عن هجمات مروعة في مختلف أنحاء أفغانستان، وخاصة في كابول وعلى أهداف مدنية في الأغلب الأعم.

إن أي انسحاب للقوات الأمريكية وقوات الحلفاء أثناء فترة ولاية ترمب الحالية، سواء كان ذلك على مراحل أو غير ذلك، يجب أن يعتمد على الظروف على الأرض. وخلافا لذلك، ستكون العواقب كارثية. نظرا للطريقة التي تطورت بها عملية السلام والوضع في أفغانستان، فإن انسحاب القوات الأجنبية على نحو متعجل من شأنه أن يؤدي إلى إخفاق تام أشبه بذلك الذي تولد عن الانسحاب السوفييتي في وقت سابق من أفغانستان والانسحاب الأمريكي من فيتنام.

لتجنب مثل هذه الكارثة، يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها أن تبقى في أفغانستان لعشر سنوات أخرى على الأقل. لكن ترمب في عجلة من أمره، وهو يعتقد أن تواجد وكالة الاستخبارات المركزية القوي في البلاد كفيل بتحقيق ما عجزت القوات الغربية عن تحقيقه. وسوف يُثبِت هذا في الأرجح كونه مجرد أمنيات.

 

أمين سيكل

ترجمة: إبراهيم محمد علي

حقوق النشر: بروجيكت سينديكيت 2019

 

ar.Qantara.de

أمين سيكل أستاذ في العلوم السياسية في الجامعة الوطنية الأسترالية وخبير في الشؤون الإيرانية.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.