المسلمون والإسلام في الخطاب الإعلامي الالماني

انتصار الشعبوية وهزيمة العقلانية في النقاش حول الإسلام في ألمانيا؟

كيف يمكن الحديث عن المسلمين بشكل موضوعي متمايز ناقد دون تعميمات تفضي إلى صور غير دقيقة؟ ناقش باحثون في جلسة ببرلين طرقاً مختلفة للحديث عن الإسلام والمسلمين. رينيه فيلدأنغل يطالب في مقاله على موقع قنطرة بأن تكون نتائج أبحاثهم مدخلاً لانخراط أكبر لهم في النقاش العام. فقط من خلال ذلك يمكن للباحثين أن يواجهوا المعلومات المغلوطة التي ينشرها الشعبويون.

تحدث أربعة باحثين وصحفية مطلع أبريل/ نيسان 2019، في جلسة نقاش نظمها معهد لايبنتس للمشرق المعاصر في برلين، عن العلاقة بين البحث العلمي والنقاش العام. كما نوقشت تساؤلات أخرى مثل: كيف تولد الصور النمطية عن الإسلام؟ هل يوجد هناك "عالم إسلامي"؟ وكيف يمكن الحديث عن المسلمين بشكل تمييزي وناقد دون تعميمات تفضي إلى صور غير دقيقة؟

هذه التساؤلات باتت في وقتنا الراهن ملحة أكثر من أي وقت سبق، إذ لم يسبق من قبل أن كانت مواضيع الإسلام والمسلمين في صلب النقاش السياسي – الإشكالي في غالبه – في ألمانيا وأوروبا.

ليس من النادر أن يكون النقاش حول تلك المواضيع محملاً بالأحكام المسبقة والمخاوف التي أثارها لجوء ما يقرب من 800 ألف شخص إلى ألمانيا، أتى معظمهم من مناطق الحروب في سوريا وأفغانستان. الحركات والأحزاب اليمينية الشعبوية تجعل عمداً هذه المواضيع في قلب دعايتها. فهل بات هناك مجال للتمييز في النقاش؟

يسعى مركز لايبنِتس للمشرق المعاصر (ZMO) إلى خلق مساحة تمييز في النقاش. أنشئ المركز عام 1996 ليكون معهد أبحاث خارج إطار الجامعة، ومنذ عام 1998 يتخذ المركز من حي نيكولاسيه في برلين مقراً له، وأصبح عام 2017 جزءاً من مجموعة لايبنتس. الإشكال يبدأ من اسم المعهد: فما الذي يندرج تحت تسمية "المشرق"؟ هذه التسمية باتت في حد ذاتها عرضة للانتقاد، على الأقل منذ صدور كتاب إدوارد سعيد الهام حول "الاستشراق"، والذي فنّد فيه الأحكام الغربية المسبقة في تصوير المشرق. وماذا تعني المعاصرة؟ ألم تمر تلك الحقبة وتنتهي؟

من خلال هذه التساؤلات نجد أنفسنا في خضم أسلوب البحث العلمي، فالأبحاث في طبيعتها تشكك حتى في نفسها. وبالنسبة للباحثين التقدميين المثقفين المتعددي التخصصات، فإن الأفكار المسبقة التي سادت أساليب البحث الجامعي في الماضي تثير هولهم.

 

الصحفية والكاتبة الألمانية شارلوته فيديمان.  Foto: Anette Daugardt
معركة الهيمنة على النقاش: يبقى الباحثون عادة في دائرة ضيقة ويتناقشون في ظل ضبابية التمييز: الصحفية والكاتبة الألمانية شارلوته فيديمان تتمنى "أن يتدخل العلم أكثر"، خاصة وأن هناك العديد من القضايا التي تضيع في النقاش العام ما بين الحرب في سوريا والمعركة ضد تنظيم ام يسمى بالدولة الإسلامية.

 

{مفهوم "العالم الإسلامي" يتم استخدامه بكثرة للإشارة إلى الشرق الأوسط لكن الإسلام والمسلمين ليسوا مرتبطين فقط ببقعة جغرافية واحدة تتضمن مهد الإسلام في العالم العربي.}
 

حتى الـZMO (الذي يُفضَّل استخدام اسمه المختصر حتى لا يبقى المرء مشغولاً بالتسميات الإشكالية) لا يريد هذه المركزية الأوروبية في البحث. في المركز يقيم باحثون ضيوف من كل أنحاء العالم، ويعملون على أبحاث رائدة حول الثقافات الإسلامية تتعدى كل تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

في ضباب التمييز

في المركز لا يركز المرء فقط على الشرق الأوسط، فمشاريعه الحالية تركز على مواضيع مثل "الرياضة والعصرنة في إثيوبيا" لكاترين برومبر، أو "الممارسات الإسلامية لدى الشباب المسلم في النيجر" لأبولاي سوناي، أو "التفكير السياسي في جامعة كابول" لكيارا كلاوسمان. كما أن سلسلة المنشورات تتطرق إلى قضايا تاريخية من النادر ألا تكون مرتبطة بقضايا معاصرة.

فعلى سبيل المثال، بيّن كل من إسرائيل غيرشوني وغوتز نوردبروخ -في بحثهما بعنوان "التعاطف والرعب: تلاقي الفاشية والنازية في مصر بين عامي 1922 و1937"- أن جزءاً كبيراً من الشارع المصري آنذاك كان رافضاً بشدة لممارسات السلطات القمعية وملاحقة اليهود والأقليات الأخرى في إيطاليا وألمانيا. هذه نتيجة مفاجئة بالنظر إلى الأفكار المسبقة السائدة حالياً حول سهولة انتشار خطاب معاداة السامية في العالم العربي.

هذا بحث هام وأساسي. هنا يحاول المرء تجنب التوصيفات الأحادية الجانب، وخاصة تلك التوصيفات الفظة حول "الإسلام". حتى استخدام ألفاظ مثل "إسلامي" و"مسلم" و"المسلمون" يمكن أن يقود إلى تصنيفات فظة تؤدي بالنهاية إلى حرف النظر عن تحليلات ووجهات نظر أخرى.

 

 

{التمييز بات مهماً -عند الحديث في الغرب عن الإسلام والانخراط بذلك في النقاش العام- في ظل لجوء الشعبويين إلى المعلومات المضللة والأفكار المسبقة.} 
 

هذه التوصيفات تتقوى عند الحديث عن "المهاجرين المسلمين" أو "الإرهاب الإسلامي". في هذا الصدد يتساءل الباحثون حول من يقوم اليوم بتحليل السياسة الأوروبية كجزء من "العالم المسيحي".

مفهوم "العالم الإسلامي" أيضاً يتم استخدامه بكثرة للإشارة إلى الشرق الأوسط. لكن الإسلام والمسلمين ليسوا مرتبطين ببقعة واحدة، لاسيما في العالم العربي. فبالرغم من أن مهد الإسلام كان هناك، إلا أنه في مراحله المبكرة تعداه جغرافياً.

الرغبة في التمييز كانت كبيرة لدرجة يصعب فيها إيجاد حلقة وصل مع الجدل الحالي القائم على توصيفات متخشبة، خاصة وأن التمييز بات مهماً في ظل لجوء الشعبويين إلى المعلومات المضللة والأفكار المسبقة. لكن في ظل ضبابية التمييز النابعة من اللغة الألمانية ذاتها، والحاجة المستمرة للحديث عن مواضيع مركبة بإنصاف، فإن هناك خطراً بألاَّ يتمكن المرء من تحقيق هدف التمييز عند الحديث عن الإسلام والانخراط بذلك في النقاش العام.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.