تداعيات جائحة كوفيد-19 على المسلمين الهنود

هكذا ألقى حكام الهند وزر كورونا على ظهور المسلمين

في الشوارع والإنترنت حرَّض متطرفون قوميون هندوس -منهم برلمانيون من الحزب الحاكم- على كراهية الأقلية الهندية المسلمة متحدثين عما أسموه "جهاد الكورونا"، زاعمين أن المسلمين يتقصدون الإضرار بالهند جاعلين إياهم كبش فداء لإخفاق حكومي ببداية تفشي الوباء، متحاملين على تجمعات دينية إسلامية بتهمة نشر الفيروس ومتجاهلين تجمعات دينية أخرى ضخمة هندوسية. الصحفي الألماني دومينيك مولر والتفاصيل لموقع قنطرة.

لم يستغرق الأمر سوى أربع ساعات ليدخل الإعلان عن قانون حظر التجوال في الهند حيز التطبيق الفعلي، ليشمل بذلك ملياراً وثلاثمئة مليون هندي، الأمر الذي أصاب الحياة العامة بالشلل منذ الرابع والعشرين من آذار/ مارس 2020، فتوقفت المواصلات العامة في البلاد عن الخدمة، وتقطعت السبل بملايين من العمال المتنقلين، ممن يحاولون العودة من المدن التي يعملون بها إلى قراهم، فأمسوا هائمين على وجوههم بلا مأوى.

وسرعان ما أصبحت عبارة "الزموا بيوتكم، وتباعدوا بعضكم عن بعض، وواظبوا على غسل اليدين" شعاراً للحكومة الهندية. وبذلك، فقد عزف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وحزبه القومي الهندوسي، بهاراتيا جاناتا (BJP)، على النغمة التي توقعتها قاعدته الانتخابية من الطبقة الوسطى في المجتمع الهندي فيما يخص التهديد الناجم عن جائحة كورونا، إلا أن هذا الشعار تجاهل بصورة تامة احتياجات غالبية السكان، إذ يعمل ما تصل نسبته إلى 80 حتى 90 بالمئة من الهنود في القطاع غير الرسمي، بلا أي تأمين، سواء أكان صحياً أم تقاعدياً أم ضد الحوادث.

ويعيش هؤلاء بصورة رئيسة في عشوائيات على أطراف المراكز الحضرية، وكثير منهم عمال متنقلون يعملون في أماكن بعيدة عن سكنهم الأساسي، ويبيتون في غرف قد تحتوي الواحدة منها على دزينة من الأشخاص أحياناً، ومعظم هذه الغرف غير مزودة بخدمة المياه الجارية. ويأتي حظر التجوال ليزيد من سوء أوضاعهم، ذلك أن حياة معظمهم تعتمد على ما يكسبه الفرد من أجر يومي يكاد لا يغطي احتياجاته اليومية. فمنهم العمال المساعدون في مواقع البناء، وسائقو عربات الريكشا (عربات مواصلات يجرها إنسان أو يقودها على نمط الدراجات الهوائية)، والباعة المتجولون، والعمال المياومون (العاملون بنظام الأجرة اليومية) في المصانع.

الداليت بوصفهم هدفاً للقوميين الهندوس

وتتكون طبقة العمال المياومين أساساً من الداليت (الطبقة الاجتماعية التي كان تطلق عليها سابقاً تسمية "المنبوذين") ومن منتمين للأقلية الهندية المسلمة التي تصل نسبتها إلى 14 في المئة من سكان الهند. وقد أصبحت هذه الأقلية خاصةً هدفاً للتمييز وللاعتداءات الجسدية بصورة مستمرة منذ أن تولى القوميون الهندوس مقاليد الحكم في الهند. وكان حزب بهاراتيا جاناتا قد سنّ قبل ذلك قانون جنسية جديداً، نهاية العام المنصرم 2019، يستبعد المسلمين علناً. كما استغل متطرفو الهندوس الاحتجاجات المناهضة لهذا القانون لتبرير استخدام العنف لقمع المتظاهرين.

 

عمال هنود متنقلون في ظل أزمة وباء كورونا - الهند. Foto: Reuters
أكبر إجراءات إغلاق في العالم: سِيقَ عشرات آلاف العمال الذين تقطعت بهم السبل في الهند إلى مخيمات وملاجئ في أنحاء البلاد (مثل مجمع يامونا الرياضي في نيودلهي)، لكن تم تناسيهم كلياً وسط إجراءات إغلاق هي الأكبر من نوعها في العالم للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد. وتعبق رائحة البول داخل صالات المجمع الذي استخدم خلال ألعاب الكومنولوث عام 2010، وحيث يعيش 900 رجل وامرأة أوقفوا عقب صدور أوامر الإغلاق الحكومية في 24 آذار/مارس 2020. وتعيش اليد العاملة المهاجرة في الهند المقدر عدد أفرادها بنحو 45 مليون عامل، على رواتب يومية زهيدة، ولم تمنح أولوية مع بدء تنفيذ إجراءات منع تفشي وباء كوفيد-19. وخسر ملايين المهاجرين عملهم بين ليلة وضحاها في أكبر المدن مثل نيودلهي وبومباي. وقطع العديد منهم مئات الكيلومترات للوصول إلى قراهم وتوفي 12 على الأقل منهم على الطريق، وفق تقارير وسائل إعلام في تاريخ 19 / 04 / 2020.

 

وها هم يحرضون مجدداً ضد الأقلية المسلمة، زاعمين أن المسلمين ينشرون الفيروس لإلحاق الضرر بالهند، باقتصادها وبحكومتها وبأغلبيتها الهندوسية، مدّعين أن المسلمين يتعمدون السعال في وجوه الآخرين لنشر العدوى، بل ويدَّعون أن بعض أئمة المسلمين يحضّون رعاياهم على ارتكاب مثل هذه الممارسات.

ولا يتورع المتطرفون عن نشر فرضية، باتت وسائل الإعلام الرئيسة تتناقلها أيضاً، مفادها أن حي نظام الدين ذي الأغلبية المسلمة في مدينة نيودلهي، يمثل المصدر الأساسي لنشر العدوى في الهند، وهو الحي الذي يشتهر بأضرحته الصوفية، وبأكشاك بيع الكباب، وفيه مقر جماعة التبليغ المكون من ستة طوابق.

خلال الفترة الممتدة ما بين 13 إلى 15 آذار/مارس 2020، عُقد في هذا الحي لقاء دولي للزوار المتدينين، كان مقرراً عقده منذ مدة طويلة، شارك فيه أربعة آلاف شخص، وكان بينهم عدد من المصابين بفيروس كورونا، بعضهم من ماليزيا ومن إندونيسيا أيضاً. وتتناقل الأخبار أن نصف هذا الحشد بقوا في هذا الحي لعدة أيام بعد انتهاء فعاليات برنامج اللقاء الرسمي، وأن العديد منهم، وعلى غرار العمال المياومين، قد فوجئ بالإغلاق المفاجئ للطرقات، فلم يتمكنوا من العودة إلى قراهم.

نظريات المؤامرة في وسائل الإعلام

ودأبت وسائل إعلام هندية منذ أوائل شهر نيسان/أبريل 2020 على الإشارة إلى أن الآخرين قد نشروا الفيروس في جميع أنحاء الهند. وشاع فيها استخدام عبارة "طريق الفيروس الواصل إلى حي نظام الدين"، الذي يمتد من كشمير وصولاً إلى جزر أندمان.

وتستخدم السلطات الهندية بيانات الهواتف المحمولة وملفات تطبيقات تحديد المواقع وقواعد البيانات الحكومية الرسمية لتحديد هوية المشاركين في اللقاء السالف الذكر. وتتحدث وكالة رويترز للأنباء عن "مطاردة بشرية" ممنهجة يتم إخراجها بطريقة إعلامية أيضاً. إذ جندت بعض الولايات الهندية متطوعين لتقفي أثر المشتبه بهم في القرى والبلدات.

وفي مطلع نيسان/أبريل 2020 كان هناك ما يقارب 500 حالة إصابة لها اتصال مباشر بلقاء الزوار المتدينين الذي تقدم ذكره. ووفق معطيات وزارة الداخلية الهندية فإن الحجر الصحي شمل حوالي 9 آلاف شخص في دلهي، ممن كان لهم اتصال ضمن سياق هذا اللقاء.

ويرفض مجيب الرحمن، أحد المتحدثين باسم جماعة التبليغ، هذه الاتهامات، ويقول: "كان يوجد في الهند فعلياً حتى تاريخ عقد لقاء الزوار المتدينين مئات الحالات من الإصابة بفيروس كورونا، وبناء على ذلك فإنه من الخطأ القول، بأن لقاءنا قد مثل المصدر الأكبر لتفشي الفيروس في البلاد".

وكانت الحكومة الهندية قد سجلت فعلياً خمسين حالة إصابة بالفيروس في العاشر من آذار/مارس 2020. ورغم التحذيرات الدولية من احتمالات تفشي الفيروس، فقد أوضحت الحكومة الهندية بتاريخ 13 آذار/مارس 2020 أنه لا توجد حالة طوارئ صحية في الهند. وفي منتصف آذار/مارس 2020 عقدت عدة فعاليات دينية أخرى، منها على سبيل المثال مهرجان الزوار المتدينين في 17 و18 آذار/مارس 2020 في معبد تيروباتي الهندوسي في جنوب الهند، شارك فيه 40 ألف شخص.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة