تركيا والعالم العربي

الطربوش...تجربة متعثرة لخلق المساواة بين المواطنين

الدولة العثمانية والعالم العربي: كيف حاول العثمانيون -عبر فرض الطربوش- خلق مواطنين متساويين، وكيف فشلوا في تحييد الدين عن المجال العام.

ربما تبدو مسألة اختيار الواحد منا لملابسه عند الخروج، أو عند دخوله للبيت أمرًا شديد العادية والبساطة، أيضا تبدو عملية شراء ملابس جديدة كأنما محكومة بالأساس بتفضيلاتنا الشخصية، وأذواقنا الخاصة، ما يحكمنا للوهلة الأولى قدراتنا الاقتصادية، ولكن عند التمعن في الأمر يبدو أكثر تعقيدا من عادية فعل التقاط بنطال ما للذهاب إلى العمل.

لكن هذا الفعل “العادي” في الحقيقة نتاج خبرة حديثة مرتبطة بظهور الفرد ومجاله الخاص المنفصل عن المجال العام وقواعده، مجالً نقرر فيه نحن ما نراه مناسباً من دون قيودٍ أو تدخلٍ من أحد.

تحوّل الأزياء إلى شأن خاصٍ لم يكن بسيطاً ولا سهلاً، وهو -كعملية تاريخية- لم ينته بعد حتى في الدول الليبرالية. فهناك قضايا ما زالت تُثار في أكثر من مكان حول ما يجب ستره من الجسد وما يُسمح بكشفه. على سبيل المثال تسعى حملة “حرّر الحلمة” (Free the nipple) في الولايات المتحدة إلى إلغاء التشريعات التي تمنع النساء من تعرية الجزء العلوي من أجسادهنّ أسوة بالرجال، وقد نجحت الحركة بإلغاء هذه التشريعات في ستّ ولايات حتى الآن.

في أماكن أخرى يجري النقاش بعيداً جداً عن تحرير الحَلمات، فهناك تقييدات أشد هولاً حول الأزياء، كما هو الحال في السعودية وإيران، كنماذج أكثر قتامة، حيث هناك قائمة طويلة من المحددات لما يجب أن تكشفه أو تستره من مناطق الجسم، ولأصناف الثياب المسموحة والممنوعة، خصوصاً فيما يتعلق بملابس النساء، وليس انتهاء بالأعراف الاجتماعية التي تحدد كيف يجب أن تظهر النساء في شوارع مناطق كثيرة في القاهرة على سبيل المثال.

أما في معظم البلدان العربية فالأمر أكثر تعقيدًا، فمن الصعب فكّ الالتباس بين ما هو “مسموح” وما هو “ممنوع”، ما هو “سياسي/ قانوني” وبين ما هو “ديني”.

هذا الالتباس ليس جديدًا، نعيش تحت وطأته منذ فترة طويلة -أبعد بالمناسبة من تناقضات دول ما بعد التحرر من الاستعمار- تعود جذوره تحديدًا إلى اللحظة التي قرر فيها السلطان محمود الثاني (1785 – 1839) فرض الطربوش كغطاء رأس للدولة العثمانية الحديثة.. تتساوى تحته كافة رؤوس الرعايا.

يمكننا القول أن العلاقة بين الأزياء ومحاولات الإصلاح العثماني تعطينا إمكانية النظر في مسألتين شكّلتا -وما تزالان- أبرز تحديات الاجتماع السياسي العربي. تدور الأولى حول إيجاد أمة حديثة من مواطنين متساوين، والثانية -وهي الأكثر تعقيدا-  ظهور السياسيّ كنسق مستقل ومحوري، ومعه انبثاق الإسلام السياسي كتخيل للإسلام في هذا النسق الحديث.

السلطان محمود الثاني (1785 – 1839). المصدر ويكيبيديا

عندما كانت الملابس.. عناوين

تُعرف الفترة ما بين 1839 حتى 1876 بفترة الإصلاح العثماني أو “عصر التنظيمات”، حيث جرت محاولات على أكثر من مستوى لتحديث كيان الدولة العجوز والمترهل، وكانت مسألة الأزياء إحدى هذه المستويات.

قبل الإصلاحات، تألف المجتمع العثماني من جماعات متباينة ومنفصلة، تنظمّها تراتبية صارمة تحدد لكل جماعة مكانتها في النظام ككل، وتُعرّف العلاقات التي تجمعها بغيرها وحقوقها وواجباتها. وكانت هذه التراتبية تعبّر عن نفسها من خلال شبكة معقدة من الانقسامات على مستويات مختلفة (حكّام ومحكومون، جماعات دينية وإثنية، جماعات مهنية، إلخ..) وكان يمكن للمرء أن ينتمي لأكثر من جماعة، كأن يكون مسلماً وذكراً ودبّاغاّ.

في هذا المجتمع حظي الزي بمهمة تكريس النظام وإظهاره، عبر التأكيد على الاختلافات ورسم الحدود التي تفصل الجماعات وتمايزها عن بعضها البعض. فالزي كان مؤشراً على المرتبة الاجتماعية والمهنية والانتماء الأهلي للمرء، لهذا صدرت قوانين عديدة خاصة كالقوانين التي سنّها سليمان القانوني (1494 -1566) التي شملت الأثواب والقلانس وحتى الأحذية وألوانها.

انتكاسة

ومع بدء عهد التوليب (1718 – 1730) حيث بدأ العثمانيون يتجهون نحو التحديث الغربي، وبحدود عام 1720 تغيرت هذه القوانين بالتزامن مع ظهور فئات اجتماعية جديدة وتقدم أخرى وسعيها إلى المكانة والترقي الاجتماعي وتحدي سيطرة فئات أقدم منها. وبهذا كان التغيير يعكس رغبة الصاعدين الجدد بالترقي الاجتماعي وازدياد قوتهم -من هنا كان الولع بزهرة التوليب- ولكنه في أحيان أخرى يعكس رغبة النظام في الحفاظ على الوضع القديم وتكريسه في مواجهة هؤلاء القادمين الجدد.

فمثلاً في ستينيات القرن الثامن عشر مُنع التجار والحرفيين من ارتداء “فرو القاقم” الذي يصنع منه الثوب الرسمي للسلطان والصّدر الأعظم، ودعت قوانين أخرى للاحتشام وعدم الإفراط في التأنق.

كذلك هدفت القوانين إلى التمييز بين المسلمين وغيرهم، وحتى إلى تمييز كل طائفة في ذاتها. فنصت القوانين على أزياء مخصوصة (أو ممنوعة) للمسيحيين ولليهود والسامريين، كل على حدة. فمثلاً مُنعت الخفوف الصفراء على غير المسلمين، وفي دمشق فُرض على المسيحيين ارتداء عمائم سوداء أو زرقاء داكنة، إضافة إلى قوانين تمييزية أخرى مثل منعهم من ركوب الخيل.

الطربوش.. كرمز الدولة

بعد ذلك كان سعي فترة الإصلاح العثماني  الشهيرة بعهد التنظيمات إلى تقوية الدولة وتحديث أساليب إدارتها، كذلك إلى خلق أمة عثمانية من كافة الرعايا بغض النظر عن اختلاف أصولهم وأديانهم، ما استدعى إلغاء الفئات الوسيطة بين الدولة والرعايا أو بمعنى آخر: المواجهة مع المجتمع القديم.

في عام 1829 حظر السلطان محمود الثاني (1785 – 1839) التمييز في اللباس، وكان هذا بمثابة تمهيدٍ للاصلاحات اللاحقة في 1839 و 1856. كان هدف القانون إلغاء التمييز بين الطوائف الدينية وكذلك بين جماعات المهن والمراتب الاجتماعية المختلفة، إذ نصّ على توحيد لباس جميع موظفي الدولة، باستثناء رجال الدين من كافة الطوائف. وتألّف اللباس الرسمي لموظفي الدولة من الطربوش والبنطال والمعطف العادي.

تشير المصادر التاريخية إلى أن السلطان محمود الثاني رغب بدايةً في فرض القبّعة المثلّثة الأوروبية، غير أن مستشاريه أثنوه عن هذا، عندما أشاروا إلى العلاقة المفترضة بين التثليث المسيحي والقبعة المثلثة، فوقع الخيار على الطربوش القادم من بلاد المغرب.

كان محمود الثاني أول من لبس الطربوش حتى في طريقه إلى موسم الحج، وأول من تزيّا بالزي الأوروبي من سلاطين آل عثمان، وسُميّ الطربوش وقتها (Fes) على اسم مدينة فاس، لكن ربما لم تكن نسبته إلى هذه المدينة سوى توريةً لإخفاء أصوله النمساوية الفيينة (من فيينا) عن المحافظين من الرعية.

سيعيش الطربوش بعدها لحوالي قرن من الزمان رمزاً للدولة العثمانية، وسوف يعتمره السلاطين والأعيان والموظفون والأفندية. حتى أن ديفيد بن غوريون كان يلبس الطربوش خلال جولته على التجمعات اليهودية في فلسطين لدعم الدولة العثمانية في بداية الحرب العالمية الأولى.

ولرمزيته هذه سيُقدم مصطفى كمال أتاتورك على منعه وعلى منع العمامة على حد سواء ويسنّ قانون القبعة  الأوروبية (1925) ولحقه في سوريا حسني الزعيم (1949).

مصطفى كمال مع أعضاء المؤتمرَ الوطني الثاني في سيواس ١٩١٩. المصدر ويكيميديا

“الله يهلك الكفار”

رحب كبار التجار –غالبيتهم من غير المسلمين- بإصلاحات السلطان محمود الثاني وكانوا أول من هرع لارتداء الأزياء الجديدة. كما تبنت الطبقة الوسطى الصاعدة التي تضم عدد كبير من غير المسلمين، الأزياء الجديدة. في المقابل اعترض جمهور كبير من المسلمين المحافظين على الأزياء الجديدة التي ساوتهم بالمسيحيين واليهود.

تُظهر أحداث دمشق خلال فترة الحكم المصري (1831-1838) هذه الممانعة وهذا الرفض لمثل هذه المساواة.

فدمشق قبل وصول المصريين كانت محافظة على تقاليدها وعلى التمييز بين جماعاتها المختلفة وعلى تراتبية صارمة فيما بين الجماعات. فارتدى المسيحيون واليهود ثياباً تميزهم عن المسلمين، ومُنعوا من امتطاء الخيول، وخضعوا لمعاملة تمييزية كالطورقة (المشي في الطاروق، وهو المسار المخصص للدواب) أو إجبارهم على حمل “كيس الحاجة” (كيس يحملونه للسّخرة).

بالإضافة إلى هذا كانت دمشق –لاعتبارها مدينة مقدسة مرتبطة بقوافل الحج- شبه ممنوعة على الأوروبيين الذين اضطروا إلى تغيير أزيائهم وارتداء أزياء محلية لدى دخولهم إليها. ومع وصول إبراهيم باشا -ابن محمد علي حاكم مصر صاحب الميول التوسعية على حساب العثمانيين- إلى دمشق ألغيت هذه التمييزات وفرضت المساواة بين الجميع، فسمح للمسيحيين بامتطاء الخيول واختيار الملابس التي يريدون، وصاروا يرتدون شالات الكشمير ويعتمرون اللّفات والعمائم البيض. كما سمح ابراهيم باشا للأوروبيين بدخول دمشق والإقامة فيها، وهو ما كان جديداً على الدمشقيين.

لم تمر هذه التغيرات دون مواجهة من الأهالي المحافظين، فوقعت في تلك الفترة العديد من حوادث الاعتداء على اليهود والمسيحيين، وجرى تنظيم عراضات مناهضة للمصريين ترفع شعار “الله ينصر السلطان، الله يهلك الكفار” وصار مسلمون شوام يدورون في الأسواق يتحدثون مع بعضهم نادبين زمانهم الأول: “يا أخي الدولة صارت دولة نصارى، خلصت دولة الإسلام”، لكن إبراهيم باشا كان شديداً في عقابه على هذه التجاوزات.

ما أن رحل المصريون، حتى تم التراجع عن هذه القرارات من طرف مجلس المدينة، وهو أمر لم يرغب به السلطان عبد المجيد الأول (بن محمود الثاني). وبأمر منه أرسل والي دمشق أحمد زكريا باشا منادياً في شوارع المدينة يعلن “إن النصراني يقتني جواري ويلف لفة بيضاء، ويركب الخيل ويشرب عرق وخمر، ويكون مثل أيام إبراهيم باشا وزيادة، ولا أحد يتعارضه بشيء من ذلك، وكل من يتعارض نصراني يترتب قصاصه”. وفي مواجهة ممانعة المسلمين، اضطر أحمد باشا إلى حل ديوان المشورة (مجلس من أعيان المدينة وكبار التجار) وحبس أربابه. رغم هذا فقد عاد المسيحيون إلى ارتداء العمائم السوداء خوفاً من تعرّض المسلمين لهم.

المواطن الغَفِل

إضافة إلى اعتراض المحافظين من المسلمين الذين ساءتهم هذه المساواة مع “الكفار” كان هناك مصدر آخر لرفض هذه الأزياء والسياسة التي ارتبطت بها وجاء هذا الرفض من طرف النقابات المهنية.

فتوحيد الثياب سعى إلى تقديم مواطن عثماني في المجال العام غفل عن التعيين بأصله أو مكانته أو طبقته، وهو ما كان يهدد التضامن الطبقي لأبناء هذه الطبقات وخاصة الفقيرة منها. كذلك ارتبطت سياسة الدولة بالثياب بمسعاها إلى إضعاف النقابات وإعادة تنظيمها بما يخضعها بشكل أكبر لسيطرة الدولة، بعد قيام الدولة بتحطيم الانكشارية وحظر الطريقة البكتاشية التي انتمى لها غالبية الانكشارية وقد وفرت الانكشارية الدعم والحماية للنقابات. وهنا يجب أن نذكر أن هذه النقابات لم تكن مقتصرة على المسلمين، فالعديد من الفقراء من جميع الطوائف، فضلوا الحفاظ على تضامنهم الطبقي، على التمتع بالمساواة القانونية.

كما يمكن أن نرى، كانت الثياب موضوعاً دائماً للتدخل من قبل الدولة بغرض تنظيمها بقوانين. ففي المجتمع القديم السابق على الإصلاحات كان هدف الثياب تكريس التمايز والتراتب بين الجماعات المختلفة. فيما تحول الهدف مع الإصلاحات إلى خلق أمة عثمانية من مختلف هذه الجماعات وكانت غاية توحيد الزي خلق مواطن عثماني في المجال العام، مواطن يعتمر الطربوش فقط فوق رأسه، ويغفل عن أصله ودينه ومكانته.

هذه المحاولة لبناء أمة عثمانية عبر إخفاء التمايزات والاختلافات بين العثمانيين في المجال العام وحصرها في المجال الخاص لم تكلل بالنجاح وواجهت ممانعة ومقاومة شرسة من طرف المحافظين.

صفحتان من كتاب الأزياء الشعبية التركية ١٨٧٣ لپاسكال سيبا. الصورة الأولى من اليسار الى اليمين: مسيحي من زحلة، مسيحي من زغرتا، درزي من لبنان. الصورة الثانية من اليسار الى اليمين: مسيحية من زحلة، مسيحية من زغرتا، درزية من لبنان. المصدر ويكيبيديا.

هذه المقاومة كانت بدورها أساساً للمعضلة الطائفية اللاحقة التي ستواجهها الدولة العربية الحديثة طيلة تاريخها اللاحق، فالمواطنة القائمة على مساواة تامة بين المواطنين بدون تمييز تعرضت إلى رفض سُنّي عبرت عنه قوانين حافظت على هذا التمييز الأهلي وقاومت حتى المساواة بين الطوائف (ليس فقط بين مواطنين)، وهو ما تجلى في فترة لاحقة في مقاومة رجال الدين المحافظين للقانون الخاص بالطوائف الذي أصدره الفرنسيون 1938 في سوريا مثلاً.

غير أن هذا المواطن الغفل في المجال العام طرح بوجوده تحدياً من نوع جديد كان على الدولة مواجهته لأول مرة.. كيف يمكن ضبط سلوك الجميع؟

إحساس بالتهاون

في العام 2003 أوقف قاضٍ في مدينة  جرمانا (على أطراف العاصمة دمشق) مواطناً كان يدخّن أمام باب محله في شهر رمضان وأحاله إلى المحكمة التي حكمت بسجنه شهراً بتهمة “الإفطار في رمضان علناً مخالفاً الآداب العامة”.

وقتها أثارت هذه القضية الكثير من الجدل لفرادتها في مجتمع مثل المجتمع السوري حيث اعتاد كثيرون على الإفطار علناً، إضافة إلى أن الواقعة حصلت في جرمانا تحديداً، وهي مدينة ذات غالبية درزية مع حضور مسيحي. لكن المسألة الأهم التي أثارت النقاش كانت علمانية الدولة أمام هذه الواقعة واستنادها إلى قانون يعود إلى عام 1950 ينص بالفعل على مثل هذه العقوبة.

من قبل، وفي القرن الثامن عشر في البلاد العثمانية لم تكن هناك سياسة واضحة ولا عقوبة قانونية معينة بحقّ المفطر في رمضان ما عدا الازدراء والإدانة الأخلاقية من قبل المجتمع والفقهاء، وربما تدخل القبضايات لضربه تأديباً له على فعلته. وطالما أن المسلم كان يُعرف من ثيابه فلم يكن يجرؤ على المجاهرة بالإفطار. وفي المقابل كان المسيحيون واليهود يعيشون تقييدات مفروضة عليهم في الفضاء العام.

لكن مع تغير القوانين خلال الإصلاحات، وتحديداً قوانين الثياب التي وحّدت لباس موظفي الدولة وخلقت مواطناً عثمانياً غَفٍلاً في المجال العام، إضافة إلى إلغاء منصب المحتسب عام 1854 في سياق الإصلاحات، فإن مسألة “مفطر رمضان” أصبحت مطروحة على الدولة وبالتالي على القانون، إذ لم يعد ممكناً تمييز المسلم من المسيحي واليهودي، وأمام هكذا تغييرات، وما رافقها من إصلاح قانوني استمد تشريعات من أنظمة أوروبية، شعر المشايخ بتهاون الدولة في الشؤون الدينية.

صحيح أن الشرطة، سايرت المشايخ وقامت بعقاب المفطرين علناً في رمضان، لكنها فعلت ذلك في أحياء محدودة في العاصمة اسطنبول. وما زاد الطين بلة بالنسبة إلى المحافظين، أن رجال الدولة أنفسهم تهاونوا في الالتزام بالشعائر الدينية، حتى أن موظفي قصر السلطان عبد الحميد الثاني الذي اعتمد على الإسلام في تعزيز شرعيته، لم يكونوا يترددون في الأكل والشرب في غرف القصر خلال شهر رمضان.

لهذا سنرى دوماً أن موضوع ضبط السلوك والحضور (بما فيه الزيّ) في المجال العام بما يتوافق مع التصور الإسلامي كان مطروحاً بشكل مستمر على جدول أعمال الجمعيات الإسلامية من بدايات تأسيسها، فاهتمت “جمعية الهداية الإسلامية” التي تأسست في دمشق 1930 بموضوعات مثل السفور والحجاب، وعدم تبرج المعلمات، ومنع المجاهرة بالإفطار في رمضان.

هنا نشأ الإسلام السياسي

هكذا ظهر للمرة الأولى سؤال “ما الذي يجب فعله مع المفطر علناً؟” بوصفه سؤالاً قانونياً يحيل إلى الدولة. ومعه تبدأ العلاقة الإشكالية بين “السياسي” و”القانوني” و”الديني” في الدولة الحديثة، التي سنحملها معنا منذ الإصلاحات العثمانية حتى الآن.

فقبل الإصلاحات لم يظهر التمييز بين هذه الأنساق الثلاثة المختلفة بالشكل الذي حصل مع الدولة الحديثة، فالسياسة لم تعنِ سوى الحكم/السلطان، فيما كان القانون والشريعة يدلّان على الشيء نفسه الذي قام عليه المشايخ.

ومع الإصلاح انبثق النسق السياسي بشكل مختلف جذرياً عما سبق، ليصبح نسقاً مركزياً يتحكم ويضبط بقية الأنساق الاجتماعية، وظهر معه النسق القانوني كنسق منفصل ومختلف عن الديني ومرتبط حصرًا بالدولة.

فلن ينتظم السلوك بعد الآن بالحلال والحرام المستمدّين من الشريعة، إنما بما هو مسموح وغير مسموح قانوناً. ولأجل تحويل الحلال والحرام المستندين إلى الدين إلى إلزام يخصّ السلوك، توجب إعادة تقديمهما عبر القانون هذه المرة، القانون الذي تقوم عليه الدولة ويأخذ شرعيته عبر إقراره من طرف الدولة وحدها.

هنا تظهر أول بذور الإسلام السياسي، أي إنتاج الإسلام من داخل النسق السياسي الحديث، وفهم الشريعة بالتالي عبر المقولات القانونية المنتمية للنسق القانوني الحديث، الأمر الذي صار مصدراً لمفارقة تأسيسية، فالقانوني هو كذلك لأن الدولة هي التي تقرّه، فيما الشريعة (حلالها وحرامها) هي كذلك، مستندة إلى مصدرها الإلهي.

محاولة المطابقة بين الاثنين سببت التناقضات التي تحياها الدولة الحديثة، غير أن هذه المحاولة سوغت نفسها دوماً بالإحالة إلى التباس موقع الشريعة سواء تجاه الدولة أو في موقعها داخل النظام الاجتماعي، فهي تظهر بوجهين، وجه ديني ووجه قانوني.

فها هنا نرى أمامنا مجال عام تنظمه القوانين التي تصدرها الدولة حصراً، مجال يشغله –بحسب ما يُفترض من طرف الدولة الحديثة وتسعى له منذ الإصلاحات العثمانية- مواطنون متساوون. لكن في الآن ذاته تُطرح عليه مسألة إقامة وحماية الشعائر الدينية العامة، بما فيها محظوراتها وقيمها، التي كان من المفترض أن تكون جزءاً من المجال الخاص للأفراد.

فإقامة هذه الشعائر الإسلامية ورعايتها من طرف الدولة وضع مسألة المساواة بين المواطنين موضع مساءلة وقوّض الهدف الأساسي من كل الإصلاحات. إذ إن المرجعية الخاصة بهذه الشعائر تستند من جهة إلى إقرارها القانوني من طرف الدولة (وبالتالي الدولة هي صاحبة السيادة في أمرها) ومن جهة أخرى إلى كونها من مصدر روحي، وهو ما يؤول إلى السؤال حول سيادة الدولة، ويعمّق مساحة الالتباس بين ما هو  قانوني وما هو ديني.

الشيخ والسلطان 

نقاد الدولة الحديثة نظروا إلى المسألة من جانب واحد تمثل بتغول الدولة الحديثة وسعيها المحموم للسيطرة على المجال الديني وإخضاعه لسيطرتها (نقد وائل حلاق أو “مفهوم العلماني” لدى طلال أسد وحسين عجرمة، والنقاد إسلاميو النزعة مثل سيف الدين فتح وهبة رؤوف عزت).

لكن الطريقة الأفضل للنظر للموضوع هي مقاربته من زاوية التّفاعل (مواجهة-تعاون) التي رسمت شكل العلاقة بين الدولة والمشايخ، فحاول كل منهما، بحسب قدرته، تحسين ظروفه والاستفادة من الطرف الآخر لتدعيم مكانته.

ولئن قبل المشايخ سلطة الدولة وتدخلها في الشأن الديني، إلا أنهم لم يخضعوا لها بل استخدموا الدولة نفسها لفرض تصوراتهم على المجتمع ومواجهة خصومهم من المجدّدين أو من أبناء الطبقة الوسطى الحديثة الصاعدة الذين تلقوا تعليماً مدنياً حديثاً وتبنوا افكاراً علمانية (مثل قضية نصر حامد أبو زيد في منتصف التسعينات)، وحتى من المتمرّدين الذين قدموا تفسيرات دينية مغايرة لما تقدمه المؤسسة الدينية المكرسة. كما أن المشايخ استفادوا من الدولة في تحسين مواردهم المالية وقدراتهم على الوصول إلى مساحات أوسع وضبطها.

بدورها استفادت الدولة دوماً من الشرعية الدينية التي يؤمنها لها –بشكل مباشر أو غير مباشر- المشايخ القائمون على المؤسسات الدينية، خاصّة مع ضعف البعد الدستوري والديمقراطي للدولة (الأمر الذي ازداد سوءاً بشكل مستمر).

تمثال حافظ الأسد أمام مسجد في حلب، سوريا. تصوير HakanT.تنشر وفق رخصة المشاع الإبداعي.

شرعية ملغومة

هكذا امتدت العلاقة بين الشيخ والحاكم من  أبي الهدى الصيادي وإلى جواره السلطان عبد الحميد الثاني، إلى الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي إلى جوار حافظ الأسد.، فحافظت هذه الهجانة المتبقية من عصر  التنظيمات على المعضلة التأسيسية للعلاقة بين الأنساق المختلفة.

فالنسق السياسي لم ينجح في حيازة شرعيته الخاصة، كما أن النسق الديني لم يستقل بذاته. ولم يتم فصل النسق القانوني عن الديني، وعن الأخلاقي الخاص بالأفراد، وبقي هذا الالتباس حاضراً ما جعل من فكرة الدولة نفسها إشكالية، وذات شرعية ملغومة.

بذور الإسلام السياسي تتجلى هنا في مسألتين، الأولى هي تخيل جذري للإسلام من داخل المقولات الحديثة للنسق السياسي والقانوني وغيرها، فالأجوبة المقدمة ليست ذاتها الأجوبة القديمة، إنما تأويل حديث في سياقات مغايرة جذرياً للسياق التي سبق وقُدمت فيه.

المسألة الثانية هي الشرعية المثلومة للدولة، لعدم الفصل بين المجالين السياسي والديني، والالتباس في معنى الشريعة، نفسها، بما أن الإسلام بدوره لم يكن لديه “كنيسة” أي جهة معترف بشكل نهائي بسلطتها في إقرار التفسير الصحيح، فإن كل جماعة كان يمكن أن لها أن تتحدى شرعية الدولة باسم “الإسلام”.

ما فعله قاضي جرمانا كان انتهاكاً للمساواة بين المواطنين ولحرية الاعتقاد والضمير باعتبارهما شأنين خاصين بالأفراد، لكن في الآن ذاته كانت الدولة مسؤولة –قانوناً- عن إقامة الشعائر الدينية والحفاظ على مكانتها، وهذه الشعائر لا تستمد شرعيتها من طرف الدولة، إنما من مصدرها الإلهي، وبالتالي فإن شرعية الدولة تصبح متعلقة بدورها بمدى التزامها هي نفسها بهذه الشعائر والمحافظة عليها.

حلقة ندور فيها -نحن أبناء هذه التركة- طوال ما يزيد عن القرن دون أن نستطيع الخروج منها، سواءً مع عمامة أو بطربوش، أو حتى برأس حاسر.

 

 

االكاتب: موريس عايق

حقوق النشر: khatt30.com

 

 

مراجع للاستزادة

  • يوسف جميل نعيسة: مجتمع مدينة دمشق في الفترة مابين 1772 – 1840. دار طلاس، 1986.
  • خالد بني هاني: تاريخ دمشق وعلماؤها خلال الحكم المصري 1831 – 1840. االمراجعة التاريخية والتقديم: منذر الحايك. دار صفحات، 2007.
  • دونالد كوترات: الدولة العثمانية 1700 – 1922. ترجمة: أيمن الأرمنازي. مكتبة العبيكان، 2004.

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

حفتر...مشروع إسقاط الإسلام السياسي في ليبيا

دور أوروبي خجول إلى متفرج ومتردد في الأزمة الليبية

الأنظمة العربية.... من مشاريع قومية الى مزارع عائلية  

الثورات المضادة أحدثت انتكاسة هائلة في العالم العربي"

عودة مصر إلى العسكريتاريا الشعبوية: مصر من ثورة يناير إلى الإخوان ثم السيسي

الدكتاتوريات العسكرية هي العدو الأول لثورات الربيع العربي

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة