سعي أمريكي إلى تغيير سياسة إيران أم إلى تغيير نظام طهران؟

حرب اقتصادية أمريكية نتيجتها حرب فعلية على إيران؟

بعد 40 سنة على ثورة إيرانية أطاحت بالشاه يبدو نظام الخميني السياسي الديني الفريد والحكومة الإيرانية قويين بقدر كافٍ لتحمل الضغوط الأمريكية والصعوبات الاقتصادية. لكن كيف يمكن التقليل من مخاطر إيران في المنطقة، ومن احتمالات اندلاع حرب، أو من ظهور إيران كقوة مسلحة نووية قد تحذو حذوها السعودية ودول أخرى عديدة؟ تحليل الخبير السياسي الأمريكي ريتشارد هاس.

اختصت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران - أكثر حتى من روسيا، أو الصين، أو كوريا الشمالية - بضغوط لا تنقطع على مدار عامين ونصف العام. فقد انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، وصنفت أحد أفرع الجيش الإيراني (فيلق الحرس الثوري الإسلامي) كمنظمة إرهابية أجنبية، وفرضت عقوبات اقتصادية على ما يقرب من ألف من الشخصيات والكيانات، واتخذت خطوات لجعل محاولات إيران لبيع نفطها مهمة بالغة الصعوبة.

الواقع أن هذه السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة ناجحة، بمعنى أن أغلب الدول (بما في ذلك تلك التي لا تتفق مع سياسة ترامب) ارتأت أن الحفاظ على العلاقات التجارية والاستثمارية مع الولايات المتحدة أفضل من الحفاظ عليها مع إيران. وقد سجلت صادرات إيران من النفط انخفاضا حادا، ومن الواضح أن عزلتها الاقتصادية حقيقية ومتزايدة. 

كما تقلص اقتصاد إيران بنحو 4% في عام 2018 ومن المتوقع أن ينكمش بنحو 6% أخرى هذا العام 2019. وتواصل العملة الإيرانية الانخفاض. وهناك تقارير عن ارتفاعات حادة في الأسعار، ونقص في الغذاء والدواء، وانخفاض في التحويلات المالية إلى حزب الله وغيره من الميليشيات العديدة التي تشكل أهمية مركزية لمحاولات إيران بسط نفوذها في مختلف أنحاء المنطقة.

ضغط أمريكي واضح على إيران ولكن بهدف غير واضح

 

سفينة تابعة للبحرية الإيرانية ترش المياه لإخماد حريق على ناقلة نفط في بحر عمان - 13 حزيران / يونيو 2019.  (photo: picture-alliance/AP Photo/Tasnim News Agency)
إزالة كل العقوبات في مقابل وقف ممارسات إيران في سوريا واليمن؟: يرى الخبير السياسي الأمريكي ريتشارد هاس أنه ينبغي على "بعض العقوبات على إيران أن تظل قائمة، نظرا للأنشطة الإيرانية في المنطقة"، مضيفاً أن "من حيث المبدأ، ربما يتخيل المرء مفاوضات تعرض إزالة كل العقوبات في مقابل وقف ممارسات إيران في سوريا واليمن، وإنهاء دعمها للإرهاب، وإدخال إصلاحات سياسية ليبرالية في الداخل. لكن هذا لن يحظى بأي فرصة للنجاح. ذلك أن دبلوماسية كل شيء أو لا شيء لن تسفر عن أي شيء".

 

ولكن إذا كان الضغط واضحا، فإن الغرض منه ليس واضحا. ويبدو أن كثيرين في إدارة ترامب يفضلون تغيير النظام. لكن هذا من غير المرجح أن يحدث. فبعد مرور أربعين عاما منذ اندلعت الثورة التي أطاحت بالشاه، يبدو النظام السياسي الديني الفريد والحكومة الإيرانية قويين بالقدر الكافي لتحمل الضغوط الأمريكية والتغلب على الصعوبات الاقتصادية.

النتيجة الأكثر ترجيحا هي أن الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة ستؤدي إلى حرب فعلية. فقد أوضحت إيران أنها ليست قادرة على استيعاب الألم فحسب، بل وأيضا الاستفادة منه. من شبه المؤكد أن إيران كانت ضالعة في الهجمات على ناقلات النفط في خليج عمان وهجمات بواسطة طائرات بدون طيارين أطلقها الحوثيون في اليمن على أحد المطارات السعودية.

كما أعلنت حكومة إيران اعتزامها التحلل تدريجيا من القيود النووية التي فرضتها عليها خطة العمل الشاملة المشتركة. وفقا للهيئة الدولية للطاقة الذرية، تزيد إيران ببطء من إنتاجها من الوقود النووي. ويبدو أن إيران عازمة أيضا على رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى ما يقرب من الدرجة المستخدمة في تصنيع الأسلحة.

كل هذا يثير خطر اندلاع صراع مكلف بين إيران وواحدة أو أكثر من جاراتها أو الولايات المتحدة. ويكاد يكون من المؤكد أن هذا الصراع سيتصاعد وينتشر، لكي تصبح الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في حال أسوأ.

عند نقطة ما بين حرب باهظة التكلفة وتغيير النظام غير المرجح يكمن احتمال ثالث، والذي يتطلب استكشاف ترامب للدبلوماسية. فقد غير المسار مع كوريا الشمالية، وبوسعه أن يفعل الشيء نفسه مع إيران.

احتمال ثالث - استكشاف ترامب للدبلوماسية تجاه إيران 

كان انتقاد إدارة ترامب لخطة العملة الشاملة المشتركة أقرب إلى الصواب من الخطأ. ففي حين نجح الاتفاق فعليا في الحد من قدرات إيران النووية وزيادة الوقت الذي قد تحتاجه لتطوير الأسلحة النووية، فإن القيود التي قبلتها كانت قصيرة الأمد نسبيا، فمن المقرر أن ينتهي العمل بها على مدار العقد المقبل. 

عند تلك النقطة، من الممكن أن تبقى إيران ضمن حدود الاتفاق ومع ذلك تظل قادرة على تجميع كل ما قد تحتاج إليه لبناء مخزون نووي في غضون فترة وجيزة أو دون سابق إنذار. لم يكن هذا مبررا معقولا لانسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، خاصة وأن إيران كانت ممتثلة لها، لكنه يشكل حجة قوية لإعادة التفاوض.

 

 
 

لا تزال الفرصة قائمة. فعلى الرغم من فشل محاولة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الأخيرة للوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، تحسنت الآفاق الدبلوماسية، وهو ما يرجع جزئيا إلى حقيقة مفادها أن العقوبات باتت موجعة. وقد أعربت إدارة ترامب عن استعدادها للتحدث مع الحكومة الإيرانية دون شروط مسبقة. حتى الآن، كانت إيران تفرض المحادثات، لكن هذا قد يتغير إذا أشارت الولايات المتحدة إلى أن درجة من تخفيف العقوبات ستكون مطروحة على الطاولة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.