مكافحة كوفيد 19 في الشرق الأوسط على خطى الصين

كورونا فرصة أنظمة مستبدة في المنطقة العربية؟

تحاول الصين تصوير نفسها على أنها قِبلة المكافحة الناجحة لـ"كوفيد 19". الأنظمة السلطوية تشجع على نشوء أنظمة سلطوية أخرى، بل وتروّج لتقليد إجراءاتها أيضاً. هذا التقليد يقع في دول الجوار المباشر وفي دول أخرى بعيدة جغرافياً. الطريقة التي اتبعتها القيادة الصينية لمكافحة جائحة "كوفيد 19" أعطت الأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط مثالاً مغرياً لتقليده. تحليل الباحثين الألمانيين لتوماس ديميلهوبر وَ توبياس تسومبريغل.

أتت جائحة "كوفيد 19" إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ظل تغيرات سياسية ومجتمعية ما تزال مستمرة منذ بداية الثورات العربية. لكن برغم اختلاف الظروف التي تمر بها كل دولة، من الدول الغنية في شبه الجزيرة العربية، إلى تلك التي مزقتها الحروب الأهلية، فإن هذه الجائحة ستضع المنطقة أمام تحديات هائلة طويلة الأمد ستحدث تغيرات جذرية فيها.

نحن نراقب ثلاثة مستويات تغيير تعني المنطقة: (1) المستوى الدولي، بوجود الصين كعامل جذب صحي وسياسي. (2) المستوى الإقليمي، بوجود دول كالسعودية والإمارات العربية المتحدة ما تزال تسعى نحو الهيمنة الإقليمية. (3) المستوى الوطني، الذي تقدم فيه مكافحة جائحة "كوفيد 19" لبعض الأنظمة المستبدة فرصة الاستمرار في تثبيت دعائم سلطتها.

الصين والشرق الأوسط: صداقة حميمة؟

منذ سنوات عدة وتشابك المصالح بين الصين وعدد من دول المنطقة يزداد بشكل مطرد، سواء من خلال تعميق العلاقات السياسية، وزيادة حجم التبادل التجاري، والتعاون في مجال الصناعات العسكرية، وصولاً إلى بناء المؤسسات التعليمية الصينية في المنطقة (مثل الجامعات ومعاهد كونفوشيوس). تشابك المصالح هذا بات أكثر وضوحاً منذ بدء الجائحة، عندما تنافست عدة دول عربية (من بينها السعودية) فيما بينها للفوز برضى بكين، من خلال تقديم الدعم وإرسال المساعدات.

تحاول الصين تصوير نفسها على أنها قِبلة المكافحة الناجحة لـ"كوفيد 19". مدى صحة إحصائيات الحالات الصادرة عنها ليس ما يحدد ذلك، بل إن الأمر يتعلق بالسردية التي تسوقها لنجاحها في مكافحة الفيروس، وذلك من خلال تصويره كجهد مجتمعي شامل تقوده قيادة الحزب. أي انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي تخضع لرقابة شاملة ويتم وأدها في مهدها. وبذلك، تتحول مكافحة الجائحة إلى فرصة للسيطرة التامة على المجتمع من خلال تقنيات مراقبة متطورة تم العمل بها قبل الأزمة (مثل برامج التعرف على الوجوه في كافة أنحاء البلاد، ونظام النقاط المجتمعية).

 

الزعيم الصيني شي جين بينغ في أول زيارة له إلى مدينة ووهان منذ تفشي فيروس كورنا. Foto: picture alliance/ Xinhua
مكافحة الجائحة كفرصة للمراقبة الشاملة والسيطرة المجتمعية: تصور الصين نفسها كمركز ثقل للمكافحة الناجحة لـ"كوفيد 19". مدى صحة الإحصائيات المنشورة هناك ليس ما يحدد ذلك، بل إن الأمر يتعلق بسردية النجاح في مكافحة الفيروس من خلال الجهد المجتمعي الشامل الذي تقوده قيادة الحزب.

 

بالإضافة إلى ذلك، لا تألو وسائل الإعلام الصينية جهداً في تعميم تفسيرها للأزمة، وذلك من خلال عرض الانتشار الوبائي للفيروس في أوروبا والولايات المتحدة كدليل على عدم فاعلية أنظمة الحكم الغربية، وأن النظام الصيني أكثر جاهزية لمحاربة هذه الجائحة. هذا الشعور بالتفوق والثقة في استعراض ممارسات الحكومة، كلها جزء من توجه توثقه دراسات منذ سنوات في عدد من مناطق العالم.

هذه الدراسات لا تثبت فقط بأن الأنظمة المستبدة، مثل السعودية وإيران وروسيا والصين وغيرها، تشجع على نشوء أنظمة مستبدة أخرى، بل تروّج لتقليد إجراءاتها أيضاً. هذا التقليد يقع في دول الجوار المباشر وفي دول أخرى بعيدة جغرافياً، الأمر الذي دفع مؤشرات مثل "مؤشر فريدم هاوس" منذ سنوات عديدة إلى الحديث عن "تراجع الديمقراطية". باختصار، فإن الطريقة التي اتبعتها القيادة الصينية لمحاربة الجائحة تعطي للأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط مثالاً مغرياً لتقليده.

الجائحة فرصة لـ"سعاة الهيمنة"

لدى الدول الغنية في شبه الجزيرة العربية إمكانيات أكثر لمكافحة انتشار "كوفيد 19"، فهذه الممالك الخليجية تمتلك طاقات استيعابية أكبر في أنظمتها الصحية، ولديها أيضاً خبرة أوسع. فالسعودية – قبلة ملايين الحجاج كل عام – لديها خبرة مؤسساتية في مكافحة الانتشار الوبائي. إلى ذلك، هنالك أيضاً خططها الوطنية الخاصة بالأوبئة، بعد انتشار فيروس "ميرس" فيها عام 2012، ما جعلها أسرع في التعامل مع "كوفيد 19" من خلال إجراءات السلامة الحكومية المبكرة وتوسيع دائرة الفحص والتشخيص.

كما أن لدى تلك الدول إمكانية إطلاق برامج مساعدة حكومية وتقديم قروض. لكن رغم ذلك، فإن دول الخليج جزء لا يتجزأ من التجارة العالمية وتعتمد عليها بشكل كامل: ففيها تتقاطع حركة الطيران العالمية، وفيها تقام الفعاليات الدولية وتتدفق عليها الاستثمارات. كما أنها مكان لعمل الكثير من العمال الأجانب، الذين من دونهم لم تكن قادرة على بناء كل مشاريعها المستقبلية، مثل مدينة "نيوم" السعودية.

 

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. Foto: Imago
السيطرة على مقاليد الحكم: في الوقت الذي استغلت فيه الرياض الأزمة للتأكيد على طموحها في الهيمنة الإقليمية، مثلاً من خلال الرفض القاطع لتخفيف العقوبات المفروضة على عدوها اللدود إيران، تتحيّن الإمارات – الحليف الوثيق للسعودية – الفرصة لتحسين صورة سياساتها الخارجية والخروج من عباءة الجارة الكبيرة.

 

وفي الوقت الذي استغلت فيه الرياض الأزمة من أجل التأكيد على طموحها في الهيمنة الإقليمية، مثل الرفض القاطع لتخفيف العقوبات المفروضة على عدوها اللدود إيران، تتحيّن الإمارات – الحليف الوثيق للسعودية – الفرصة لتحسين صورة سياساتها الخارجية والخروج من عباءة الجار الأكبر. فقد تعهد ولي العهد الإماراتي بتقديم الدعم للرئيس السوري بشار الأسد، وفي نفس الوقت أرسل مساعدات طبية لإيران، التي تأثرت بشكل كبير بالفيروس.

القمع وإدارة الأزمة على المستوى الوطني

أساليب تعامل الحكومات حول العالم من أجل إبطاء انتشار الجائحة متشابهة للغاية. لكن من الواضح كيف تنتهز الأنظمة المستبدة هذه الفرصة لتثبيت دعائم حكمها من خلال إجراءات قمعية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة