أمين معلوف بصفته حارس الذاكرة

تحولات الشرق: من الكوزموبوليتانية إلى التوحش الطائفي

كتاب أمين معلوف "غرقُ الحضارات" هو أقرب ما يكون لحكاية الشاب معلوف، الذي وُلِد في عالمٍ عربي كوزموبوليتاني، قبل أن تأتي رياح الأيديولوجيا والطائفية، ولاحقا الثورات المحافظة في ثمانينيات القرن العشرين، لتحوّله إلى عالمٍ ضيق، أو بالأحرى إلى مزرعةٍ للأسماك، حيث لكلّ سمكة صغيرة سمكة أصغر منها، تقوم بابتلاعها، ولعلّ هذا ما بات عليه واقع الشرق وهوياته وحروبه التي لا تتوقف.

لا يتوقفُ المثقفُ اللبناني/الفرنسي أمين معلوف عن إمتاعنا بما يكتبه، فالرجلُ في كلّ كتابٍ يؤكّد أنه من بقايا مثقّفي العصر، الذين ما يزالون يعيدون تقميش ورواية الأحداث، وذاكرة القرن العشرين، بأسلوبٍ يمزج بين الروائي والذاتي والمعرفي.

ففي كتبه يشعر القارئ بحيرةٍ، فليس هو نصٌّ في التاريخ أو في الفلسفة أو عن السيرة، بل هو كلّ ذلك، نصّ ربما بتنا بأمسِّ الحاجة إليه هذه الأيام في ظل بعض الكتابات التخصصيّة الجافة، التي لم تعد قادرة على رسم صورة كاملة عن ما حدث، أو ما نعيشه اليوم.

في كتابه الجديد، الذي اختار له عنوان "غرقُ الحضارات" والمُترجم حديثا للعربية، ترجمة نهلة بيضون، يحاولُ معلوف إكمال ما بدأه في مشروعه حول "الهويات القاتلة"، ولاحقا في كتابه "اختلال العالم"، الذي صدر عام 2009 بنسخته العربية، إذ بدا يومها، وفقا للعديدين، متشائما حيال ما يعيشه العالم من تطورات تقنية ومالية، كانت تقذف بعوالم الثقافة والأيديولوجيا وأفكاره للخلف، لتتقدم فاسحة المجال لنوع آخر من العلاقات الاجتماعية، بدت أحيانا أكثر فردانية، وأحيانا أخرى أكثر ميلا لعصر القبائل (السنة والشيعة في العراق بعيد 2003).

لم يكن معلوف يتصور ربما، أو ربما لم يخطر على باله يومها، أنّ هذا العالم سينفجر على مصراعيه في مدن المشرق، قبل أن تسقطَ، أو بالأحرى، تدمّر واحدة تلو الأخرى، أو لعلّه لم يتوقع أن يشهد أو يعيش ما عاشه صاحبه ليون الافريقي، الذي نقل لنا المشهد الأخير الذي سبق سقوط غرناطة.

بيد أنّه هذه المرة وعوضا عن الاستعانة برحالة آخر، أو بائع كتب كما فعل الروائي العراقي سعد رحيم، ليرسم لنا الأحداث الأخيرة، قرر امتطاء جواد ليون، ليعود بنا إلى ذاكرته وطفولته، علّه يستطيعُ من خلالها تفسير أسباب سقوط مدنٍ مثل بغداد، وطرابلس، والقاهرة ودمشق وغيرها.

إذن فكتابه الجديد، هو أقرب ما يكون لحكاية الشاب معلوف، الذي وُلِد في عالمٍ عربي كوزموبوليتاني، قبل أن تأتي رياح الأيديولوجيا وزعماء الطوائف اللبنانية، ولاحقا الثورات المحافظة في ثمانينيات القرن العشرين، لتحوّله إلى عالمٍ ضيق، أو بالأحرى إلى مزرعةٍ للأسماك، كما وصفها أحد أصدقائه المؤرخين، حيث لكلّ سمكة صغيرة سمكة أصغر منها، تقوم بابتلاعها، ولعلّ هذا ما بات عليه واقع الشرق وهوياته وحروبه التي لا تتوقف.

فراديسٌ ضائعة

وكما ذكرنا، يحاولُ معلوف بأسلوبه الشيّق في الكتابة، النظرَ في أسباب ما آلت إليه الأوضاع في عالمنا، لكن من خلال تقنية أو لعبة سرد ذكرياته. هنا تغدو الذاكرة أو السيرة الذاتية ملعبا آخر لكتابة تاريخ عالمي للأفكار في النصف الثاني للقرن العشرين. أوليس التاريخ الجديد كما يراه المؤرخ الفرنسي بيير نورا قد تطوّر في الغالب من خلال التذكّر.

سيروي لنا معلوف عن قصة ولادته، "فقد أبصرت النور في 25 فبراير/شباط 1949.." بعد أسبوعين تقريبا من اغتيال حسن البنا مؤسّس حركة الإخوان المسلمين، على يد عنصرٍ تابعٍ لأحد أقسام الشرطة. كانت المواجهةُ بين التنظيم الإسلامي وسلطات القاهرة مستمرة منذ عشرين عاما.

ورغم أنه ولِد في بيروت، إلا أنّ عائلة والدته؛ كآلاف العائلات اللبنانية؛ كانت تعيش في مصر. فقد تزوّج جدّاه من أمه في مدينة طنطا في نهاية الحرب العالمية الأولى، قبل أن ينتقلا للعيش في هليوبوليس، المدينة الجديدة التي أُنشِئت جوار القاهرة، بمبادرة من أحد الصناعيين البلجيكيين البارون أمبان.

بدا وضع العائلات اللبنانية جيدا، فغالبيتهم استطاعوا بناء قصورٍ ومصانع ومحلات، ممن سافروا خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، ومنتصف القرن العشرين. فقد مثّلت "أم الدنيا" لهم آنذاك خيارا أفضل من خيار الهروب إلى البرازيل أو أمريكا، التي هاجر إليها قسمٌ كبير من اللبنانيين في فترة القرن التاسع عشر.

 

 

"في الخمسينيات، أخذت القاهرة بفنّانيها ومغنّيها، وبالأخص صوت أم كلثوم، تتجاوز حدودَ البلاد، في المقابل كان طه حسين، الشاب الكفيف، يدعو الباحثين العرب إلى إعادة دراسة التاريخ بأدواتٍ علميةٍ جديدةٍ."

كان من المتوقّع أن يعيش معلوف ويترعرع في عالم الفردوس هذا، لكن صدف التاريخ ربما، وأسراره التي عادة ما تفاجئنا، ستطيح بالملك فاروق، الذي لم يكن آخر ملوك مصر وحسب، بل مثّل رحيله نهاية مرحلة القاهرة أو الإسكندرية المتعدّدة ثقافيا وعرقيا.. إذ سيقودُ "الضباطُ الأحرارُ" معركة ضارية ضد المجتمع الكوزموبوليتاني، الذي عرفته القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين.

ولعلّ في كلام معلوف ما يذكّرنا بكتاب المؤرخ الكوسوفي السوري محمد الأرناؤوط حول ألبان مصر، وكيف كان قدومُ آخر رجال باشا المتحوّلين ضده، نهاية لوجود الطريقة البكتاشية (الذي مثلت آنذاك مركز الألبان في العالم) لتكتب آخر كلمات في حياة الجالية التي حكمت القاهرة لقرون طويلة.

وبدت مصر المتنوعة وكأنها تموت آنذاك، وتشهد نزوحا جماعيا لجميع الطوائف التي قيل عنها أنها متمصرة. ورغم أنّ أسرته ستضطر إلى بيع ممتلكاتها بأبخس الأثمان لضابطٍ مصري، سيبدو معلوف لاحقا أقلّ حدة حيال حكمه على رجل مصر العظيم، فالرجل (جمال عبد الناصر) جاء في عصر التحرّر الوطني والنضال ضد الاستعمار، أسلوب عيش ارتبط به، ولم يكن الوقت يسمح بالتفكير خارجه ربما.

في بيروت الستينيات، كانت عينا معلوف تتفتحان. أخذت هذه المدينة تحلّ محلّ القاهرة وصحفها، في حين كانت التمزّقات السياسة والانقلابات لا تهدأ في سوريا، وفي كل هزّة يمر بها، كان المهزومون يسلكون طريق المنفى إلى لبنان، من ضباط، ومسرحيين، وسياسيين، وصناعيين، ومفكّرين وفنانين.

ومما يذكره عن تلك الفترة، أنّ أسرته احتفلت عند إعلان انقلاب 1961 على الوحدة، فقسم كبير من اللبنانيين كان يخشى الوحدة. سينضم في عمر الثامنة عشرة والنصف تقريبا للحركة الشيوعية، قبل أن يتركها بعدها بعام تقريبا، بعد أن أدرك "أن طبعه لا يمكن أن يتحوّل إلى طبع ناشطٍ أو تابعٍ لعقيدة، فغادر بهدوء، بلا ضجيج، ولا ندم، أو مرارة".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: المزيد من مقالات موقع قنطرة

السنة والشيعة: خلاف سياسي بامتياز؟

أمين معلوف يحذر من "غرق الحضارات" وتداعيات الفوضى القاتلة

 

عودة إلى عبد الناصر..بداية اليأس العربي

سيبقى هذا الزعيم العربي مصدرَ حيرةٍ لصاحبنا ليون اللبناني، فرغم كل ملاحظاته، لا يخفي حسرته على هذا الرجل. ففي حرب 67، كان معلوف كغيره من غالبية العرب، يجلس أمام المذياع لسماع أخبار الطائرات الإسرائيلية التي تتساقط، لكن عبد الناصر سيُهزم "شعرت بنفسي حينذاك يتيما".

ستشهد الساحة العربية غداة هذه النكسة، ازدهارا ثقافيا وفكريا منقطع النظير، بدت بيروت مركزه، والمساهمون فيه يأتون من أنحاء العالم العربي. ما يذكره عن تلك الأيام الضجة التي أثارتها مسرحية الراحل سعد الله ونوس (حفلة سمر من أجل 5 حزيران)..لكن طريق نقد الهزيمة لن يستمر، كما كان مأمولا منه، فبدلا من اعتماده لتأسيس بداية جديدة، أخذ العرب يقتنعون بأنّ سائر العالم متحالف ضدّهم، حتى أنّ "متلازمة المهزوم الأبدي" باتت تحوم حول عقولنا، لينتهي الأمر بأن نكره البشرية جمعاء.

في بداية السبعينيات، سيبدأ معلوف عمله صحافيا في جريدة "النهار" اللبنانية، وهي الفترة ذاتها، التي كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد نقلت فيها نشاطاتها لمدينة بيروت.

وفي أروقة الصحيفة، سيتاح للشاب الصغير فرص اللقاء بشخصيات دولية عربية وأوروبية، وبمراسلين لصحيفة "الغارديان" و"اللوموند"؛ سيلفت نظره آنذاك كمال ناصر، المتحدّث الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية، الذي وُلِد في الضفة الغربية لأسرة بروتستانتية.

كان معلوف يستمع ويستمتع بكلماته، لكن لم يفكر في يوم ما بتدوينها، فكانت مهمته في الصحيفة آنذاك تقوم على متابعة الأخبار العالمية والانقلابات في أمريكا الجنوبية وافريقيا، سيُدرك معلوف لاحقا كم ساهم هذا الدور ووسّع من رؤيته للعالم والأحداث.

في أروقة النهار يكشف لنا عن حوادث قد تبدو مفاجئة لقرائه، يخبرنا مثلا عن ليلة 9 إبريل/نيسان 1973، فبينما يهمُّ بتبديل ثيابه بعد سهرة مع الأصدقاء، وإذ بالأخبار تتحدث عن قيام كتيبة كوماندوس إسرائيلية باغتيال عدد من القادة الفلسطينيين، وخطف كمال ناصر.. هرع إلى شقّة ناصر برفقة أحد مصوّري النهار "كان بابُ الشقة مفتوحا على مصراعيه.. دخلت بحذر، وفجأة تبيّنت، تحت طاولة كبيرة هيئة جسدٍ، لم يلمحه على ما يبدو الأشخاص الذين سبقونا.. قرّبت المصباح، كان هو، كمال ناصر، ممددا على ظهره وتحت شفته السفلى أثر رصاصة..".

لدى عودته إلى الصحيفة سيكتب يومها أنّ ناصر لم يُختطف بل قُتِل. الأهم من هذا الحدث ربما، أنّ معلوف كان أحد الشهود على الحادث، الذي أشعل شرارة الحرب الأهلية في لبنان، فبينما هو جالس في منزله قامت سيارتان بقتل عدد من الفلسطينيين؛ شاهد معلوف التاريخ وهو يتشكّل أمامه، خلافا لما تعوّده المؤرخون والروائيون الذين عادة ما يزورون الأماكن لاحقا لإعادة كتابة الأحداث؛ وقد بدت صور الجثث الهامدة أمامه، وكأنها تضعه وجها لوجه أمام يوم القيامة في لبنان. في عام 1976 سيغادر معلوف لبنان على متن باخرة إلى فرنسا، فجميع أحلام مشرقه كانت قد ماتت أو تحتضر.

يربط الكاتب أمين معلوف بين صعود الخمينية الرجعية وتصوير نفسها وكأنها ثورية مع تطور الاحداث في بريطانيا مع إطلاقِ رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر لثورتها المحافظة في شهر مايو/أيار 1979.
يربط الكاتب أمين معلوف بين صعود الخمينية الرجعية وتصوير نفسها وكأنها ثورية مع تطور الاحداث في بريطانيا مع إطلاقِ رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر لثورتها المحافظة في شهر مايو/أيار 1979.

سنةُ الانقلاب الكبير... الثورة الإسلامية  بداية لاستيقاظ الأحقاد الطائفية

بعد ثلاث سنوات تقريبا من رحيله، ستحمله أقدار التاريخ على العودة، ولكن هذه المرة على متن الطائرة ذاتها التي نقلت الخميني من فرنسا إلى طهران سنة 1979.. ينقل لنا ما شاهده آنذاك، ففي المطار بدا استقبال الزعيم الديني فاترا، بيد أنّ مدّا بشريا هائلا كان ينتظره في الشوارع.

سيختار يومها الخميني الإقامة في مدرسة عمومية، قبل أن يظهر بعدها بأيام جالسا على أريكة، وعلى يساره مهدي بازركان، مرتديا طقما فاتحا؛ بدا التناقض له مذهلا بين جسامة الحدث التاريخي الذي يشاهده، وبساطة المكان الذي يحتضنه، لم يكن هذا الانقلاب يحدثُ في طهران وحسب، وإنّما سنعيشه أيضا في بريطانيا مع إطلاقِ رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر لثورتها المحافظة في شهر مايو/أيار 1979. ورغم الكم الشاسع من الاختلاف، غير أن الحدثين كانا يتشابهان، إذ بدا أن التيار المحافظ يعلن نفسه ثوريا، أما دعاة "التقدمية" واليساريون فلم يعد هدفهم سوى الحفاظ على المكتسبات.

لم يكن مجيء السيدة مارغريت تاتشر ليكتسب الأهمية نفسها في سياق حركة متجذرة وواسعة، لولا أنها لم تنتقل إلى الولايات المتحدة ثم إلى سائر العالم، إذ سيتبنّى زعماء كثيرون من اليمين واليسار على السواء تعاليم الثورة المحافظة الأنكلوسكسونية، التي تقوم على فكرة الحدّ من تدخل الحكومة في الحياة الاقتصادية، وتقليص النفقات الاجتماعية، وزيادة إطلاق يد أصحاب المشاريع.

في العام ذاته أيضا، أُعدِم شنقا الرئيس الباكستاني ذو الفقار علي بوتو، على يد العسكريين الذين كانوا يتهمونه بمناصرة الاشتراكية والعلمانية، كما قررت الولايات المتحدة تسليح المجاهدين الإسلاميين الأفغان سرا.

وبالعودة إلى نتائج الثورة الإسلامية، يرى أمين معلوف أنّ هذا الحدث مثّل بداية لاستيقاظ الأحقاد الطائفية، وهذا ما انعكس على بلدٍ صغيرٍ مثل لبنان، وبالأخص على الطائفة الشيعية وعلاقتها بالسنة، ففي فترة شبابه لم يكن واردا أن نعيش هذا التوتر، فاللبنانيون الشيعة كانوا يسكنون في مناطق فقيرة، وكان ذلك يحثهم بالدرجة الأولى على الانخراط بأعداد كبيرة في الأحزاب اليسارية إلى جانب العمال الآخرين، لا على المطالبة بحقوقهم باسم طائفتهم. ربما في كلامه ما يذكّرنا ببعض القراءات التي أخذت تميّز بين وجود الطوائف، والطائفية التي أخذت تزدهر في مدننا جراء عوامل وأحداث سياسية.

اليوم، وبعد مضي عقودٍ، سيبقى معلوف يعتقد أنّ الجنوح، الذي تشهده البشرية في أيامنا الراهنة قد ولّده التغيير الذي أحدثته الثورات المحافظة، سواء على مستوى رؤيتها للسلطات العامة، أو علاقة الهويات ببعضها، قبل أن يمرّ الطوفان على مدننا، لتسبح الأسماك الصغيرة، وتأكل بعضها بعضا إلى ما لا نهاية.

 

محمد تركي الربيعو

حقوق النشر: محمد تركي الربيعو 2020

محمد تركي الربيعو باحث سوري،‏‏ مهتم بالحفريات الأنثربولوجية حيال منطقة الشرق الأوسط.

 موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة