إرهاب باسم الإسلام يضرب فرنسا من جديد
محرضون على العنف الإسلاموي مقيمون في أوروبا

الباريسية جولييت مصدومة وتقف ضد الفكر الإسلاموي الظلامي القاتل لكنها أيضا تقف ضد الخلط بين الإسلام والإسلاموية. تظاهر الآلاف في فرنسا دفاعا عن قيم جمهوريتهم -رافعين شعار "أنا أستاذ"- عقب جريمة قتل شنيعة أودت بحياة المعلم الفرنسي صامويل باتي. ليو كليم نقل لنا أجواء ساحة الجمهورية في باريس.

بالتصفيق الهادر على طريقة الأمواج المكسيكية المتناقلة ما بين الجهتين الشمالية والجنوبية، امتلأت ساحة الجمهورية في باريس بالمتظاهرين غير المكترثين بجائحة كورونا، فما يخيفهم الآن هو فكرة أن ترضخ فرنسا للإرهاب وأن تقسمها الكراهية المشحونة دينيًا.

وقد أراد المتظاهرون في باريس الوقوف في صفوف متراصة يوم الأحد [18 / 10 / 2020] بينهم سيدات أنيقات يحملن كلاب البودل على أذرعهن، وأشخاص بسطاء، وعائلات. وقد رفع بعضهم رسوم كاريكاتورية [للنبي] محمد [ﷺ]، ولافتات كُتبت عليها كلمة واحدة بأحرف كبيرة، وعلت أيضًا رأس النصب التذكاري وسط الساحة، ألا وهي: "حرية" (Liberté).

وكتبت جولييت على كمّامتها عبارة "Je suis prof" الفرنسية التي تعني: "أنا معلم". وكان مقتل المعلم صامويل باتي يوم الجمعة [16 / 10 / 2020] قد صدمها. وتقول هذه المهندسة المعمارية [المشاركة في المظاهرة] متجنبةً الافصاح عن اسم شهرتها: "لقد ذهبنا كلنا إلى المدرسة سابقًا، وتعلمنا جميعًا أهمية حرية التعبير".

وتضيف جولييت أنها تقف ضد الخلط بين الإسلام والإسلاموية، وأنها جاءت [إلى الساحة] برفقة صديقة لها، للتعبير عن حزنهما، وللتنفيس عن مشاعر الصدمة الأخيرة، وللدفاع عن بلدهما ضد الفكر الإسلاموي الظلامي القاتل.

 

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. Foto: DW
"إجراءات ملموسة" سريعة ضدّ الدعاية الإسلامويّة المتطرّفة: قرّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأحد 18 / 10 / 2020 تعزيز أمن المدارس ومراقبة الدعاية الإسلاميّة المتطرّفة على الإنترنت، بعد مقتل مدرّس التاريخ في ضاحية باريس على يد شاب شيشاني لاجئ. وقالت الرئاسة الفرنسيّة إنّ ماكرون أمر بعد اجتماع حضره ستّة وزراء والمدّعي العام لمكافحة الإرهاب جان-فرنسوا ريكار، باتّخاذ "إجراءات ملموسة" سريعة ضدّ الدعاية الإسلاميّة المتطرّفة على الإنترنت، مطالباً باتّخاذ خطوات سريعة "وبعدم منح أيّ مجال لأولئك الذين يُنظّمون أنفسهم بغية الوقوف بوَجه النظام الجمهوري". وعُثر في هاتف المهاجم على رسالة موجّهة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "زعيم الكفّار" تتضمن رغبته في الانتقام من الشخص الذي "تجرّأ على التقليل من شأن محمد" إضافة إلى صورة الضحية مقطوع الرأس. وكانت قد نُشرت الرسالة والصورة على تويتر.

 

الهجوم يطعن البلد في صميم قلبه

أرادت جولييت وصديقتها التذكير بأهمية حرية التعبير، وهي القيمة الأساسية للجمهورية، والتي تتضمن أيضًا الحق في الكفر بالأديان. وقد سعى [المغدور به] باتي، البالغ من العمر 47 عامًا، إلى تعليم هذه القيمة الأساسية، ودفع حياته ثمنًا لذلك.

وتحثّ وزارة التعليم الفرنسية -منذ وقوع الهجوم على مجلة شارلي إيبدو الذي أسفر عن مقتل 12 شخصًا في كانون الثاني/يناير 2015- المعلمين في فرنسا، على تعليم هذه القيم؛ وقد فعل باتي ذلك عبر عرضه [على تلاميذه] الرسومات الكاريكاتورية المثيرة للجدل، التي سبق أن نشرتها مجلة شارلي إيبدو.

وقد خرج [حوالي] مليون ونصف المليون شخص في باريس في العام 2015 لإبداء معارضتهم للإسلاموية، رافعين شعار "أنا شارلي إيبدو"؛ أما شعار يوم الأحد [18 / 10 / 2020]، فقد كان: "أنا أستاذ"، ويهدف إلى إظهار التضامن تلبيةً لنداء [أطلقه الرئيس الفرنسي] مانويل ماكرون.

رئيس فرنسا اليوم غير رئيسها في العام 2015، إلا أن شعاراته جاءت مماثلة لشعارات سلفه فرانسوا هولاند، حيث ردّد ماكرون مشددًا: "لن ندعهم يمرُّون"، "لن يتمكنوا من تفريقنا".

كما أن الصورة اليوم مختلفة عمّا كانت عليه في العام 2015. فمنذ ذلك الحين، قُتل 259 شخصًا في هجمات إسلاموية في فرنسا. وإن لم يتقبل الفرنسيون فكرة الاعتياد على وقوع مثل هذه الجرائم، إلا أنهم سئموا منها. إذ يتطلب الأمر الطاقة لمواجهة المسلمين المتطرفين ليس أقلها في المدارس، حيث يرفض تلاميذ مسلمون في بعض المناطق المشاركة في دروس الرياضة أو العلوم، أو ينكرون المساواة بين المرأة والرجل.

 

 

التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي

وخلافًا لما كان عليه الحال في العام 2015، لا يقبع المتسببون في غسيل الأدمغة في سوريا أو أفغانستان، وإنما في فرنسا نفسها، ومنها يحرضون على الكراهية عبر فيسبوك ضد معلم، الأمر الذي ساق إلى فصل رأسه عن جسده بسكين. وخلافًا أيضًا لما كان عليه الحال في العام 2015، لم يتجادل السياسيون هذه المرة كثيرًا حول الإخفاقات عقب وقوع الجريمة.

وإن لم يبلغ عدد المتظاهرين مليون ونصف المليون كما كان عليه الأمر في العام 2015، إلا أنهم كانوا بالآلاف يوم الأحد في ساحة الجمهورية. كما تجمّع غيرهم في العديد من المدن الفرنسية خلال عطلة نهاية الأسبوع. وتجمّع مئات في وقفة احتجاجية خارج مدرسة كونفلان سانت-أونورين الثانوية، التي كان باتي يعمل فيها. وكان باتي معروفًا من قبل الكثيرين في الضاحية الهادئة الواقعة شمال غرب باريس: هنا علّم، هنا عاش مع عائلته، هنا قُتل يوم الجمعة؛ وكانت عطلة الخريف هناك قد بدأت لتوها.

وضمن سلسلة طويلة من العمليات الإجرامية التي شهدتها فرنسا، تُعد هذه الجريمة واحدة من أكثر الجرائم التي أدت إلى شحن الناس رمزيًا وعاطفيًا. فلهذه الجريمة وقع تبدو معه كما لو أنها محاولة لاغتيال المدرسة نفسها، بوصفها مؤسسة تعليمية، تعزز -كما هو مُخطط لها من قبل الدولة- عملية إدماج الناس على اختلاف أصولهم وأديانهم. ويقول وزير التعليم الفرنسي جان ميشال بلانكير: "لا شك في أننا نتعامل مع أعداء الجمهورية"، "المدرسة هي العمود الفقري للجمهورية".

 

 

وكان أكثر ما صدم الجمهور هو [انتشار] مقاطع فيديو لأب غاضب حرّضت القاتل [الشاب الشيشاني الروسي اللاجئ في فرنسا والبالغ من العمر 18 عاما] عبد الله أ. على ارتكاب جريمته. فقد ندَّدَ هذا الأب بمعلم ابنته البالغة من العمر 13 عامًا بسبب الدرس الذي أعطاه، مُشهِّرًا به خلال تسجيل الفيديو ذاكرًا اسم المعلم وعنوان المدرسة التي يعمل بها. وقد تمت مشاركة بعض مقاطع الفيديو من قِبَل إسلامويين مماثلين ومن قِبَل بعض المساجد. وبذلك يبدو أن التحريض على ارتكاب الجريمة قد تم في قلب فرنسا.

مُنَفِّذ الهجوم غير مُصنَّف بالتطرف الديني بل بالعنف

وقد ذكر المدعي العام الفرنسي المختص بمكافحة الإرهاب فرانسوا ي في باريس، جان فرانسوا ريكار، أن عبد الله أ. قد تربّص لصمويل باتي خارج المدرسة، ولم يكن حتى ذلك اليوم قد رأى ضحيته بصورة شخصية بتاتًا، إلا أنه عرف اسمه. يقول ريكار: "سأل أ. العديد من التلاميذ لكي يتمكن من التعرف على باتي".

وُلد [مُنَفِّذ الهجوم] عبد الله أ. في موسكو عام 2002، وهو من أصل شيشاني، عاش بصفة لاجئ معترف به في منطقة نورماندي في فرنسا، ولم يكن معروفًا لدى السلطات بوصفه مسلمًا متطرفًا على الإطلاق، ولكنه كان مصنفًا على أنه شخص عنيف. وقد أردَتْهُ تسع عيارات نارية قتيلاً حين حاول ضباط الشرطة القبض عليه في [ضاحية] كونفلان بعد ارتكابه لجريمته.

كما ذكر المدعي العام ريكار أن أ. قد أطلق النار على ضباط الشرطة من بندقية أيرسوفت كما هاجمهم بسكين.

 

الصورة في مدينة لِيل - تجمّع الآلاف يوم الأحد 18 / 10 / 2020 في كلّ أنحاء فرنسا، تكريماً للمدرّس صامويل باتي الذي قُتل الجمعة 16 / 10 / 2020 -لعرضه رسوماً كاريكاتوريّة للنبي محمّد. Foto: Pacal Rossignol/Reuters
آلاف يتجمعون في باريس تكريماً لذكرى مدرّس قتِل بقطع الرأس: تجمّع الآلاف يوم الأحد 18 / 10 / 2020 في كلّ أنحاء فرنسا، تكريماً للمدرّس صامويل باتي الذي قُتل الجمعة 16 / 10 / 2020 -لعرضه رسوماً كاريكاتوريّة للنبي محمّد على تلاميذه في الصف- في جريمة أثارت حزناً شديداً في البلاد. وحمل متظاهرون لافتات عليها رسوم كاريكاتورية للنبي محمد نشرتها الأسبوعيّة الساخرة شارلي إيبدو. كما أدّى الحاضرون النشيد الوطني. كذلك، نُظّمت تجمّعات أخرى في مدن فرنسيّة كبيرة، خصوصاً في ليون (شرق) وليل (شمال) ونيس (جنوب شرق). وبعد ظهر الجمعة، قُطع رأس باتي، وهو ربّ عائلة يبلغ 47 عاماً، قرب مدرسة كان يدرّس فيها التاريخ والجغرافيا في حيّ هادئ في منطقة كونفلان سانت-أونورين، في الضاحية الغربية لباريس. وأردت الشرطة منفذ الجريمة قتيلاً وهو عبد الله أنزوف، لاجئ روسي من أصل شيشاني يبلغ من العمر 18 عاماً - لم تكن السلطات الفرنسية تعرفه بالتطرف الديني بل بالعنف.

 

وكان أ. قد نشر في وقت سابق صورة لرأس باتي المقطوع على تويتر، معلّقًا على ذلك بأنه انتقام من "أولئك الذين تجرأوا على إذلال محمد". وقد تم حظر الحساب بعد ذلك بسرعة.

وأطلق المحققون حملة للبحث عن شركاء أو متواطئين محتملين مع المجرم. وقد اعتقلت الشرطة خلال عطلة نهاية الأسبوع 11 شخصًا، بمن فيهم والدا الجاني وجده وجدته. كما تم استجواب والد التلميذة الذي نشر مقطع الفيديو الغاضب على الإنترنت.

وخطط الرئيس الفرنسي ماكرون لتكريم صامويل باتي بوصفه بطلًا خلال جنازة رسمية تقام له يوم الأربعاء 21 / 10 / 2020. "أهو بطل!؟ " تتساءل جولييت، المتظاهرة في ساحة الجمهورية. "لا! لم يكن بطلًا! فكل ما فعله هو إنجازه لعمله". وتريد جولييت بقولها هذا التأكيد على أن ما فعله باتي -أي تعليمه الأطفال التسامح والديمقراطية- ليس إلا أمرًا بديهيًا [يجب أن يستمر به المعلمون]، وليس اختبارًا للشجاعة.

 

ليو كليم

ترجمة: حسام الحسون

حقوق النشر: زود دويتشه تسايتونغ / موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

.....................

طالع أيضا

حماية العلمانية الفرنسية أم تأجيج للعنصرية ضد المسلمين؟

باحث فرنسي حول الهجوم على صحيفة شارلي إبدو: لقد "استدركنا تأخرنا" عن فكر الجهاديين وشبكاتهم

.....................

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة