تجربة الحجر الصحي في ظل جائحة كورونا

تراجيديا معاصرة - كنا نعتقد أن زمن الأوبئة قد ولى

موت بالجملة، موت بلا معنى، من غير المجدي أن تصير رقما مجردا يضاف إلى آلاف وملايين من الضحايا، أو أن تقبر مع المجموع في حفرة خوفا من العدوى، وأن تصير أنت مصدر رعب وأذى للآخرين. الكاتب إبراهيم مشارة يتساءل: من كان يظن أنه سيعيش تجربة الوباء في هذا العصر؟ ويقدم لموقع قنطرة تجربته في الحجر الصحي في ظل فيروس كورونا، بل وقبل الجائحة، منطلقا من أيام الطفولة مرورا بحياته الأدبية.

الوباء، الطاعون، الجائحة من كان يظن أنه سيعيش التجربة في هذا العصر؟ كنا نعتقد أن زمن الأوبئة قد ولى تماما كما كنا صغارا نعبث أمام المقابر والجنائز نعتقد أن الموت لا يصيب الصغار بل الكبار فقط.

نقرأ عن الوباء سطورا في كتب التاريخ ونراه صورا باهتة شاحبة بالأبيض والأسود لنساء عاريات الصدور مستلقيات نحيفات ضعيفات غار فيهن الحسن ورسم الموت صورته الرهيبة على تلك الملامح، أو صبية صغار يرفعون أعينهم إلى السماء كأنهم يحتجون، كأنهم يسترحمون السماء وقد عجز الآباء عن فعل أي شيء.

نرثي لحالهم ونتعاطف مع مصيرهم التراجيدي الذي جعلهم يعيشون في عصور لم يكتشف فيها اللقاح، ونفرح لأننا أبناء القرن الحادي والعشرين حيث هزم العلم كل أشكال الفيروسات والميكروبات وسل سيف الفناء على كافة أشكال الطواعين والأوبئة.

الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة. Privat
تراجيديا معاصرة: يكتب الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة: مضى علي في الحجر أكثر من شهرين فمنذ بداية شهر آذار وضعت نفسي وأفراد أسرتي في الحجر الإجباري، كنت أتابع أخبار الفيروس من المحطات الدولية وأقرأ بشغف تقارير العلماء وأيقنت أن الوباء وخيم والخطب جلل. إنها مأساة إنسانية وكارثة عالمية تعيد النظر في كل شيء، المنظومات السياسية والصحية والثقافية والاقتصادية والترفيهية كلها محل إعادة نظر. الأنانية عشناها يوم تركت إيطاليا لمصيرها من جيرانها الأوربيين والأخلاقيات لم تُجْدِ والسفن الحاملة للمعدات الطبية تسرق من قبل أرقى الدول وأكثرها تحضرا، والرفاه المادي عجز عن توفير جهاز تنفس زائد فترك الكبير يموت واختير الصغير في السن لإسعافه، ورائحة الموت المنبعثة من زوايا الشوارع، ومن دور العجزة حين هرب الممرضون. كم سيكتب التاريخ من فصول هذه التراجيديا المعاصرة!.

الموت بالجملة، الموت بلا معنى، بلا جدوى أن تصير رقما مجردا، رقما يضاف إلى الآلاف إلى الملايين من الضحايا أو أن تقبر مع المجموع في حفرة خوفا من العدوى وأن تصير أنت مصدر رعب وأذى للآخرين. 

كثيرة هي الصور التي يحتفظ بها الأرشيف عن أوبئة سابقة وضحايا بلا عد ولا حساب، وكثيرة هي اللوحات التي خلد فيها الرسامون معاناة البشرية.

قافية واحدة: الموت الموت الموت

في قصيدة الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة "الكوليرا" نقف على هول الفاجعة ومرارة الأسى أمام فاجعة الموت والقدر، التي تجتث في غير رحمة بسمة الصغير في مهده والكبير في حقله والمرأة في خدرها:

 
سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ

 

فلا فرق في أن يكون الوباء هو الكوليرا أو الطاعون الجارف أو الموت الأسود أو فيروس كورونا مادامت الأحزان تتشابه والآهات تتماهى من لدن القرون المتعاقبة والقافية واحدة: الموت الموت الموت.

درج الشعراء والبلغاء على تشبيه الموت بالحاصد،بالمنجل. فها هو السياب يعبر أبلغ تعبير عن تجربة الموت بالمجموع:

 

فنحن لا نلم بالردى من القبور
فأوجه العجائز
أفصح في الحديث عن مناجل العصور
من القبور فيه و الجنائز
وحين تقفز البيوت من بناتها
وساكنيها من أغانيها ومن شكاتها
نحس كيف يسحق الزمان إذ يدور

 

 ولا أدل على هذا التشبيه من تجربة الموت الجماعي في الأوبئة والطواعين وفي المجازر البشرية. ومن زمان والفلاسفة والكتاب يحاولون تبرير غضب الطبيعة أو فهم كنهه ما لجدوى. 

لِمَ تقسو الطبيعة هكذا، هل لهذا من معنى؟ إن كان هذا لتأديب البشر وتربيتهم ومعاقبتهم على جشعهم وماديتهم وطغيانهم فهم لم يتعظوا بتاتا وسيعودون إلى آثامهم وجرائرهم وكأن شيئا لم يكن. تطمر الجثث ويعود السامر إلى دنه والغادة إلى عبثها والحاكم إلى جبروته والمرابي إلى خبثه.!

أوبئة ترجع الإنسان إلى صورته الأولى

الأوبئة ترجع الإنسان إلى صورته الأولى إلى كائن أناني يحب ذاته ويرجو لها الخلاص ولا يبالي، كائن سطحي  يبحث عن أي قشة يلوذ بها، يؤمن بالخرافة أو يصدق الإشاعة مادام ذلك كله يبعث فيه أملا بالخلاص ولو كان أملا واهيا وحلما ذاويا.

أول شيء ضربه هذا الفيروس قيمنا وتقديراتنا. لقد كنا نقدر -فوق الواجب والمتوسط- السياسيين الذين يبرعون في الاحتيال والذين لا يكبر ثراءهم إلا من التهرب الضريبي ونهب المال العام سواء على المستوى المحلي أو الدولي والرياضيين الذين يجنون ثروات قارونية ومغني الملاهي الذين ينشرون الرذيلة:  بأنهم صدى فاجع في الصميم لمآسي الرأسمالية وجشعها وتحريفها للذوق والمثال والقدوة، وصرنا نبحث عن طبيب ونلهج بذكره -وعن ممرض- فهو الخلاص.

وقد رأينا الممرضين في أرقى الدول يرمون بالمآزر حين عزَّت عليهم الأدوات الطبية ورأينا الأنظمة الغربية تحتال بالمنح والمكافآت للإمساك بهم، أليست نكبة في الأخلاق والقيم صنعتها الرأسمالية أوليست هذه الرأسمالية المتوحشة - مبدعة الرق والاستعمار والسرقة- أخطر من فيروس كورونا حين جعلت من العالم مجرد مسرح للرذيلة والظلم والفحش والتزييف؟

الحجر تجربة يُجبر الناس على عيشها حفظا لأنفسهم وللصحة العامة، إنها تعني عجز العلم في الوقت الراهن عن إيجاد دواء فلا سبيل أمام المرء سوى الغياب، الاحتجاب، التواري.

 

 

تتشابه الأيام في الحجر، حتى نهاية الأسبوع التي تتميز بطابعها الديني تختفي فيها الشعائر المقدسة وتغدو الجمعة مثل السبت والأحد مثل الإثنين فلا يكاد المرء يفرق بين يوم وآخر، ويرهن المرء نفسه للقنوات يتابع الأخبار ولاشيء فيها غير أخبار الوباء وعدد ضحاياه وخريطة انتشاره، ويحس أن رأسه قد حشي بالأخبار أكثر مما يجب وأن عينيه قد تسطحتا من فرط متابعة الأخبار والبرامج التي لا يتابعها إلا لقتل الوقت.

الحجر تجربة تعني العجز 

في كل يوم يسمع عن ضحايا جدد ربما هناك من يعرفهم أو من هم من قراباته، حتى طقوس الموت في هذا الوباء رهيبة لا يكفي المصاب بكورونا أن يتمثل بقول الشاعر القديم:

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة